ليست المشكلة في الحوار نفسه الذي يبدو الآن شبهَ مستحيلٍ, لكنَّ القضية الكبرى هي ما الذي سيُسفر عنه هذا الحوار والنتائج المترتبة عليه؟.
لا تظنوا أن المشكلة عند أبي مازن وفريق سلطة أوسلو الكائن في رام الله هي عودة حماس عن حسمها العسكري في غزة، أو العودة عن الانقلاب كما يزعمون, المشكلة أعمق من ذلك بكثير، بل شديدة التعقيد، وبخاصةٍ عند الذين يراهنون على القضاء على المقاومة وقبول المشروع الصهيوأمريكي بدعمه الغربي والدولي.
هَبْ أن فتح وحماس جلسا الآن للتحاور من غير شروطٍ، أو بالشروط التي وضعها فريق أوسلو الذي يقطن في رام الله.
لو أن حماس قَبِلت شروط أبي مازن، وسلَّمت كل المقارِّ الأمنية له ولفريقه من غير الشرط الذي وضعته حماس، وهو أن يتم تشكيل قوى الأمن الفلسطيني على أسسٍ وطنيةٍ، وليست على أسسٍ حزبيةٍ وفئويةٍ ضيقةٍ كما كان الحاصل قبل الحسم العسكري؛ حيث جلُّ الأجهزة الأمنية من فصيلٍ واحدٍ- وهو فتح- وحتى لا يعود الفلتان الأمني للشارع الفلسطيني، والفساد ونهب الأموال، والمحسوبية التي كانت تقوم بها هذه الأجهزة, ويعني عودة الأمور كما كانت عليه قبل 14/4/2007م، وهي عودة حكومة الوحدة الفلسطينية كما هي، أو تشكيل حكومةٍ جديدةٍ بقيادة حماس, فإن هذا يعني أن الحصار المفروض على غزة لن يُفَكَّ، بل سيزداد الخناق على الفلسطينيين حتى يصل للضفة التي يعيش سكانها في رغدٍ من العيش نسبيًّا عن السكان في قطاع غزة، بل إن المليارات الرشوة التي وعد بها فريق السلطة في رام الله في مؤتمر باريس للدول المانحة ستصبح في خبر كان.
وسأحترم عقل القارئ، ولن أحلل الأحداث في حالة لو قَبِلَ محمود عباس الجلوس مع حماس من غير شروطٍ، وأن تشكل الأجهزة الأمنية على أسسٍ وطنيةٍ؛ لأن هذا يعني المغامرة بالمستقبل السياسي للرئيس الفلسطيني وفريق سلطة رام الله، بل ربما لقي عباس مصير الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي مات بالسم في مقر المقاطعة برام الله, ومن هنا فمن المستحيل أن يقبل عباس بالجلوس للتحاور مع حماس.
يبدو الآن المشهد الفلسطيني بائسًا بالنسبة للوضع الداخلي والخارجي؛ لأن ما يُسمى بالمجتمع الدولي- وعلى رأسه الإدارة الأمريكية- يعزز الانقسام الداخلي الفلسطيني، ويقوِّي فريق التنازل عن الثوابت الفلسطينية، وهي: الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف على حدود الرابع من يونيو 1967م، وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هُجِّروا منها، وإزالة المستوطنات من الضفة، والإفراج عن كل الأسرى والمعتقلين في السجون الصهيونية.
أرأيتم دولةً أو حزبًا أو كيانًا أو فئةً في العالم تطلب أموالاً من الدول المانحة، وقدرها 5.6 مليارات دولار، كما طلبت سلطة عباس في رام الله، فإذا بالكرم الدولي ينهال على عباس لدرجة أنه لم يصدق نفسه حين أعطوه أكثر مما طلب، وهو 7.1 مليارات دولار؟!.
لا تظنوا الكرم الدولي لأجل عيون الفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم، ولكنه للرجل الذي سيتنازل عن الثوابت ويساعد في ضرب المقاومة التي تهدد صواريخها الكيان الصهيوني.
مليارات باريس هطلت على عباس؛ لتقوية سلطته ومكانته لدى الفلسطينيين، وزيادة الحصار على غزة، وتسليح أجهزة أمن عباس لضرب حماس.
عباس بعد أن امتلأت جيوبه وخزائنه بالأموال صار يشترط شروطًا جديدةً لبدأ الحوار مع حماس غير عودتها عن الانقلاب المزعوم, بل وضع شروطًا جديدةً، وهي القبول بالمبادرات العربية والدولية- خريطة الطريق وشروط الرباعية الدولية- والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو قالها بصراحةٍ: إنه لن يسمح بعودة الحصار مرةً أخرى على الشعب الفلسطيني.
وهذا يعني ضرورة الاعتراف الصريح من قِبَل حماس بالعدو الصهيوني ودولته, وهذا يعني العودة للمربع صفر قبل حكومة الوحدة الفلسطينية؛ حيث الجدل العميق حول وثيقة الأسرى والتي انتهت بقبول وثيقة الوفاق الوطني التي وافقت عليها كل الأطراف دون أن تتنازل حماس عن ثوابتها؛ الأمر الذي لم توافق عليه الرباعية الدولية وإسرائيل.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مستقبل الوضع الفلسطيني الداخلي والخارجي في ظل هذه الأوضاع مع استحالة الحوار بين فتح وحماس؟.
يراهن عباس على الدعم الدولي له ماليًّا ومعنويًّا, وزيادة الحصار الخانق على قطاع غزة حتى التجويع؛ ليثور الجياع على سلطة حماس في غزة وإسقاطها؛ ليعلو فريق رام الله ويفرِّط في القضية الفلسطينية، ويتم تصفيتها حسب الإرادة الأمريكية والصهيونية.
ولو فشلت ثورة الجياع فلا بد من الحسم العسكري بدعم قوات عباس بقواتٍ دوليةٍ يتم نشرها في قطاع غزة حسب الفصل السابع من القانون الدولي؛ ليكون لهذه القوات صلاحيةُ الاشتباك مع المقاومة والقضاء عليها.
والحديث عن القوات الدولية بدأت إرهاصاته من فرنسا بتصريحٍ من رئيسها ساركوزي، ووافق عليها محمود عباس.
وتراهن حماس على الصمود والممانعة والمقاومة لتحقيق الثوابت الفلسطينية دون الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتراهن على عمقها العربي والإسلامي وفك الحصار عن غزة عن طريق مصر ومعبر رفح الفلسطيني المصري.
ولكن أي الرهانين أعلى؟.
أرى أن عباس يغرِّد خارج السرب؛ لأنه لو صدقت وعود المجتمع الدولي له في جلب الأموال للفلسطينيين فلن يتوقف الصهاينة عن بناء المستوطنات، ولن يسمحوا بعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هُجِّروا منها عامي 1948, 1967م، ولن يعودوا لخط الرابع من حزيران, ويبقى رهان المقاومة هو الحل الأوحد للضغط على الكيان الصهيوني في سلبه العيش الآمن من أجل نيل الحقوق الفلسطينية.