اصطلح قديمًا على قوافل الحج المنظمة والتي تُشرف عليها الدولة والقادمة من البلاد الإسلامية إلى بلاد الحجاز لتأدية فريضة الحج اصطلاح المحمل، ويعني ذلك الهيكل الخشبي المخروطي الشكل الذي كان يُحلَّى بأجمل زينة ويُحمل على ظهر جمل ويصاحب قافلة الحج من القاهرة قادمة إلى مكة والمدينة ثم يعود منها بعد تأدية فريضة الحج إلى مصر.
وقد وصف كثير من الرحَّالة الذين زاروا مصر خروجَ كسوة الكعبة من مصر كابن بطوطة وناصـر خسـرو وغيرهمـا، ففـي عهد الدولة الفاطمية تولَّت مصر كسوةَ الكعبة المشرفة، وكذلك خـلال العصـر الأيوبي والمملوكـي والعثماني، واستمرَّ ذلك إلى أن قامت الدولة السعودية وأبطلت إحضار الكسوة من مصر، وكانت كسوة الكعبة تخرج مـن مصر في احتفالٍ رسمي فيما عُرف بالمحمل، ، وكانت الكسوة تطرَّز في أماكن متعددة في مصر فأحيانًا في مدينة تنيس بالقرب من دمياط، أو بالقلعة، أو بمسجد الحسين، ثم بُنِيَتْ لها دارٌ في حي الخرنفش بالقاهرة، وسواءٌ كانت تصنع هنا أو هناك فكانت دار الكسوة الشريفة عامرةً بعُمَّالها وزاخرةً بفنانيها ممن كانوا يقومون بالزركشة، وحين اشتدت الخلافات السياسية بين مصر والسعودية وتكررت مرارًا عمدت الحكومة السعودية إلى إنشاء دار لكسوة الكعبة المشرَّفة بها.
المحمل
ومن أهم المشاهد التي سجلتها نصوص الرحالة والمؤرخين أيضًا صورة المحمل أو قافلة الحج عبر عصورها المختلفة؛ إذ تعتبر تلك النصوص من أكثر المصادر التي حفظت لنا تفصيلات دقيقة عن المحمل وكسوة الكعبة، ومن أهم تلك النصوص ما ذكره الرحالة ابن بطوطة عن هذا المشهد المهيب وكيفية خروج المحمل المصري من القاهرة في حضور أرباب الدولة، فيذكر ".. يوم المحمل هو يوم دوران الجمل وهو يوم مشهود؛ حيث يركب فيه القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة ويقصدون جميعًا باب القلعة فيخرج إليهم المحمل على جملٍ وأمامه الأمير المعين لسفر الحجاز (يُقصد به أمير الحج) ومعه عسكره، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء ثم يطوفون بالجمل وجميع ما ذكرنا معه بمدينة القاهرة، ويكون ذلك في شهر رجب فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق".
ووصف لنا المؤرخ القلقشندى المتوفى سنة 821هـ / 1418م في كتابه صبح الأعشى وصف للمحمل، فذكر بأن المحمل يُحمل على جمل وهو في هيئة لطيفة وعليه غشاء من حرير أطلس أصفر وبأعلاه قبة من فضة مطلية، وتلك هي صورة المحمل المصري في العصر المملوكي، إلا أنها تغيَّرت في العصر العثماني؛ حيث سجل لنا العياشي مشاهدته للمحمل في ذلك الوقت فيذكر في سنة 1072ه / 1662م: ".. ولما بلغ شهر شوال نحو النصف خرج المحمل الخروج الأول؛ وذلك اليوم يؤتى بكسوة الكعبة المشرفة من دار الصناعة فتضرب سحابة على باب القلعة فيحصر السناجق كلهم والولاة والأمراء والقاضي وكل واحد مع أتباعه، ولكل واحد منهم مجلس معلوم في السحابة المضروبة ومجلس الباشا في الوسط وعن يمينه مجلس القاضي، وكلما أتى واحد من الأمراء وأرباب الدولة جلس في مجلسه المعهود له: فإذا تكاملوا كلهم وأخذوا مجالسهم وصفت الخيول أمام مجلس الباشا..".
ويصف لنا العياشي المحمل بأنه عبارة عن قبة من خشب رائعة الصنعة ملونة بأنواع الأصباغ وعليها كسوة من رفيع الديباج المخوص، والجمل الحامل للمحمل في غاية السمنة وعظم الجثة وحسن الخِلقة مخضب جلده كله بالحناء ويقوده سائقه، وقد خصص لهذا الغرض ولا يستخدم الجمل لأي أغراضٍ أخرى ما بقي على قيد الحياة، ويوجد عن يمينه وشماله جمل آخر على مثل صنعته.
المستشرق إدوارد لين
أما المستشرق الإنجليزي إدوارد لين وهو الذي شهد عودة قافلة الحج المصرية إلى القاهرة في سنة 1250هـ / 1834م فقد ترك لنا وصفًا مسهبًا للمحمل وشكله فيذكره بأنه هيكل مربع من الخشب قمته هرمية وعليه غطاء من الديباج الأسود المطرز بالنقوش الموشاة بالذهب وللغطاء أهداب من الحرير في إطرافه السفلى، وفي أعلى المحمل خمس كرات من الفضة في أعلى كل منها هلال، وفي الجزء الأعلى من الغطاء الذي يشغل مقدمة المحمل طرزت بالذهب صورة الكعبة المشرفة، وفي أعلاه شعار السلطان العثماني، أما الجزء الداخلي من المحمل فلا يحتوي على شيء سوى نسختين من القرآن الكريم حفظت كل منهما داخل صندوق مطلي بالفضة.
أما ابن عبد السلام المتوفى سنة 1239هـ / 1823م فيرسم لنا صورة ركب الحجاج، واصفًا كل فرقةٍ على حدة بدءًا من أمير الحج وحتى نهاية الركب، وكذلك يشير إلى الاستعدادات التي كانت تتوفر لركب الحجاج أثناء رحلة الحج فيقول: ".. فإذا تكامل ذلك جيء بجميع ما يحتاج إليه أمير الحج من إبل وقِرب ومصابيح وخيل ورماة وغير ذلك من الأشياء التي تخرج من بيت المال فيحضر، في الميدان كل طائفة لها أمير متقدم عليها حتى الطباخين والفراشين والساقيين، ثم يُؤتى بالمحمل على جمله المذكور ويقوده سائسه حتى يناول رأس الجمل للباشا فيأخذه بيده ويناوله لأمير الحج في حضور القاضي والأمراء ومعاونيهم، ثم يناوله أمير الحج لسائسه فيذهب به، ثم يتبع ذلك مرور كافة الطوائف على الباشا؛ وذلك من أجل اطمئنان الباشا على الركب فإذا لم يبقَ أحد ممن يمر بين يديه خلع الباشا على أمير الحج خلعةً وعلى أمرائه الذاهبين معه.
كما أفاضت كتب الرحَّالة والمؤرخين في الحديث عن المتاعب التي واجهت قوافل الحجاج إلى بيت الله الحرام، فيذكر المؤرخ المصري ابن إياس في حوادث سنة 356 هـ أيام الدولة الإخشيدية تعرض قوافل الحج المصري لاعتداءاتٍ من أعراب بني سالم فقطعوا الطريق على الحجاج وأخذوا منهم عشرين ألف بعير محملةً قماشًا وبضائع ومالاً وأسروا الرجال والنساء، ويذكر الرحالة جوزيف بتس أو الحاج يوسف بعد إسلامه وهو أول إنجليزي وثاني أوروبي يزور مكة في التاريخ الحديث، وكان يحج سنة 1680م مع قافلة الحج الجزائرية والتي كانت من الضروري أن تمر بالأراضي المصرية أن رحلات الحج كانت تتعرض أثناء سيرها في النيل للنهب من قِبل اللصوص.
وكثيرًا ما كانت السيول تداهم قوافل الحج، ففي سنة 1196هـ اجتاحت قافلة الحج المصرية أثناء سيرها في الطريق بين مكة والمدينة سيل أتى على نصف الحجاج المصريين، وكان الحجاج اليمنيون أيضًا يفضلون الحج عن طريق البحر على الرغم من مخاطره حتى لا يتعرضوا لمهاجمة العربان وقُطاع الطرق البرية.
ويحكي لنا الجبرتي عن واحدة من حوادث النهب التي تعرضت لها بعثة الحج فيقول: (إنه في يوم 11 صفر سنة 1201هـ الموافق 1786م، نزل الحجاج ودخلوا مصر وهم في أسوأ حالٍ من الجوع والعري ونهب جميع أحمال أمير الحج وأحمال التجار، وأسر العربان جميع النساء وكان أمرًا شنيعًا جدًّا، واستغاث الحجاج بأحمد باشا الجزار أمير الحج الشامي، الذي تكلَّم مع العرب في النساء فأحضروهن عرايا وليس عليهن إلا القمصان، وأجلسوهن جميعًا، فكل مَن وجد امرأته أو أخته أو أمه أو بنته اشتراها ممن في أسره".
------------
* المراجع:
1- ابن إياس ( محمد بن أحمد بن إياس الحنفي) ت 930هـ / 1524م ، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، مركز تحقيق التراث، الهيئة العامة للكتاب القاهرة 1982-1984م.
2- ابن بطوطة (محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الطنجي) ت 779هـ / 1377م، رحلة ابن بطوطة المسماة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، دار التراث بيروت 1968م.
3- القلقشندي ( أحمد بن علي ) ت 821هـ / 1418م ، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1987م.
4- إدوارد وليم، عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم في مصر، ترجمة سهير دسوم، مكتبة مدبولي القاهرة 1991م.
5- إلهام ذهني، مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرنين 16،17م، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1991م.