في المساء دخل الغلام الحجرة، فوجد أمه مشغولةً بوضع بعض الملابس والأطعمة في الحقائب التي ستحملها صبيحة اليوم التالي إلى زوجها في سجن طرة بالقاهرة، والذي قضى فيه سنةً كاملةً مع المحالين من قيادات الإخوان المسلمين إلى المحاكمة العسكرية..

 

فلما أحست بقدومه نظرت إليه بثقة وقالت: ولدي.. لم تعد صغيرًا، فقد بلغت من عمرك خمس عشرة سنةً، فكن قويًّا جلدًا أمام تلك الظروف التي نمرُّ بها، غدًا سنزور أباك في السجن الذي وضعه فيه الظلَمة المفسدون، وهو المكان الطبيعي الذي ينبغي أن يوضعوا هم فيه.

 

غدًا سنقابل أباك، فلا تسمح لدموعك أن تسيل على خدك، حتى لا يشعر أن في عينيك ضعفًا أو يأسًا، فأبوك لم يكن في يوم من الأيام ضعيفًا ولا يؤوسًا، بل كان قويًّا بإيمانه بالله وتوكُّله عليه، ولم يكن مغترًّا بنفسه، وكان دومًا يردِّد قول الشاعر:

وإذا لم يكن للمرء من الله عون          فأول ما يقضي عليه اجتهاده

 

أبوك لم يظلم أحدًا في دنياه؛ لأنه يعلم أن الظلم ظلمات، في الآخرة وفي الدنيا، دائمًا يكون الظلم هو السبب في نزع البركات وقلة الخيرات وانتشار الآفات، ويوقن أبوك أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

 

لم يعرف اليأس طريقًا إلى قلب أبيك، فالبرغم من أنه أُدخل السجن عدة مرات بأشرف تهمة عرفها التاريخ، وهي تهمة الدعوة إلى الله، إلا أنه لم يزل بشوش الوجه، لم تفارق البسمة وجهه، واثقًا في أن الأمر كله بيد الله، لا بيد أحد سواه.

 

لقد علمنا أبوك العفة، فلم ينظر يومًا إلى شيء حرمه الله تعالى، فهو عفيف عما في يد الناس من مال، لم يضع مرةً في فمه لقمةً من حرام.

 

ولطالما ذكَّرَنا أبوك بالورع، وهو اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات؛ فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.

 

فلتفخر بأبيك يا ولدي؛ فهو من الشخصيات التي تشرئب لقدومها الأعناق، وتشخص لرؤيتها الأبصار، وتشيع بين الحضور البهجة والطمأنينة، فحب الناس للإنسان- يا ولدي- تاج على رأسه، فألسنة الخلق أقلام الحق.

 

تعوَّدنا- يا ولدي- على سماع دعاء أبيك بعد كل صلاة "اللهم اجعلنا ممن يصلون من قطعهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويعطون من حرمهم"، وحينما جاء زوَّار الفجر ليأخذوه قال: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.

 

فهذه أخلاق أبيك يا ولدي أخلاق الدعاة إلى الله.. أخلاق النبلاء.. التي تعلَّمها في مدرسة الإخوان من مصدريها السنة والقرآن.

 

 


فأبشر- يا ولدي- فالفجر قادم قادم مهما طال الليل، والنصر آت آت رغم كل المحن، وتذكَّر قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا) (الشرح)، ولن يغلب عسر يسرين.