كانت أسرة، لكنها لم تكن كأي أسرة: أب وأم وابن، ولكن ما قدموه من بذل وتضحية وطاعة لله رب العالمين، جعل ذكرهم خالدًا إلى آخر الزمان؛ هي أسرة سيدنا إبراهيم، وزوجته السيدة هاجر، وابنهما الذبيح سيدنا إسماعيل عليهم جميعًا السلام، والتي جعلت الأمة تقتدي بهم فيما قاموا به، وأصبحت مناسك وشعائر هذه الفريضة العظيمة التي لا يكتمل إسلام المرء إلا بها، وهي فريضة الحج.

 

هذا الأب الذي لم يكن أبًا عاديًّا، بل كان أمةً، كما قال عنه الحق تباركت أسماؤه ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: من الآية 120)، وهذه الأم التي لم تكن كأي أمٍّ، بل هي التي بذلت وضحَّت وأطاعت ربَّها وزوجها، وحمت ابنَها، وتخلَّصت من وساوس الشيطان، حتى أصبح ما قامت به نُسُكًا وشعائرَ إلى يوم القيامة، وهذا الابن الذي أطاع الله، وأطاع والده، وصبر وتحمَّل، ونفَّذ أمرَ الله فيه دون مناقشة أو سؤال، فكان مثالاً يُحتذى في حسن التربية والاقتداء بوالده خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام.

 

هذه هي الأسرة التي علَّمت الكون كله أسمى معاني الإيمان والاستسلام والطاعة لله رب العالمين، ونحن في هذه الأيام ننهل من هذه النفحات الربانية والدروس الإيمانية؛ كي نقتدي بها في تربية الأجيال وبناء الأمة من جديد، وهذا هو دور كل أب وأم، أن يحسنوا تربيةَ أبنائهم بأن يصلحوا من أنفسهم ويعودوا إلى الله عز وجل بقلوب تملأُها معاني السمع والطاعة.

 

حفلة الحج

تقول فاطمة محمد- مدرِّسة بإحدى المدارس الخاصة-: نقوم بعمل حفلة كل سنة في هذا التوقيت مع بداية العشر الأوائل من ذي الحجة، وتسمَّى حفلة الحج، ونقوم من خلالها بربط الطفل بالقصة، من خلال عمل نموذج مصغر لمناسك الحج في ساحة المدرسة أو في إحدى القاعات الكبيرة، ويمكن عمل هذه الحفلة بشكل مصغَّر على ماكيت أو ما شابه ذلك في البيت أو المسجد.

 

تبسيط أداء المناسك للأطفال ضرورة

 

ونعرض فيها أنموذجًا مجسَّمًا للكعبة ومناسك الحج، ونقدمها في شكلٍ وحجمٍ مناسبَين للأطفال، ونحكي قبلها قصةً تمهيدًا لهذه الأعمال الجليلة، ونشرح المناسك بشكل مبسَّط، ونربط كل موقف بعبرة وعظة، ويقوم الأطفال بتمثيل المناسك، مثل: رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة، وارتداء ملابس الإحرام البيضاء؛ حيث تؤدي هذه الوسيلة العملية الغرض في توصيل المعنَى للأطفال، ويتخلَّل الحفلةَ فقراتٌ ترفيهيةٌ، كوجود خروف حقيقي يشاهده الأطفال ويُطعمونه.

 

وتضيف: ونقوم أيضًا بوضع مجموعة من الكراسي كأنموذج للطائرة، ونصمِّم كروتًا صغيرةً للأطفال، عليها صورهم، كأنه جواز سفر، وكل موقف يمرُّ يكون عليه تعليقٌ؛ حتى يتم استخلاص الهدف للطفل وغرسه في نفسه؛ فالطفل منذ سنٍّ صغيرة من 4: 6 سنوات لا بد من غرس هذه المعاني داخله، وقد أكد علماء النفس على تحقيق الارتباط الشرطي بين الفعل الذي يتكرر وتأثيره العميق في نفس من يتلقاه، فتكرار هذه الحفلة مع هذه المناسبة كل عام جعلت الأولاد يرتبطون بها بشكل كبير، وأصبح لديهم هذا الأمر ممتعًا ومحبَّبًا إلى نفوسهم، وارتبطوا بالمناسك قبل أن يمارسوها أو يفهموا معناها.

 

وتؤكد فاطمة محمد أن هذه الوسيلة جيدة لتحبيب الأولاد في الدين وفي هذه العبادة الطيبة، رغم ما فيها من مشقة وجهد، فعندما ذهب بعض الأطفال مع آبائهم إلى العمرة أو الحج ورأوا المناسك على الحقيقة فرحوا كثيرًا وتمتعوا بها؛ لأنهم عاشوها قبل ذلك، فهذه السن الصغيرة أهم فترة تُغرَس فيها القيم التربوية، ويتكوَّن الوازع الديني لدى الطفل حتى يشبَّ ولديه رقيب ذاتي هو الذي يوجِّهه وليس خوفُه من أبيه أو أمه.

 

بيت رباني

تقول نادية- أم لولدين-: أعتمد على طريقة السرد القصصي، فأحكي القصة للأبناء من أولها وهي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وما قام به من تقديس وتعظيم لأمر الله عز وجل، ونخرج من هذه القصة بمفاهيم عملية عن السمع والطاعة وحسن الانقياد لله عز وجل، ونقوم بربطها بسلوك الأولاد العملي؛ فعند رمي الجمار مثلاً أوضح لهم أن هذه هي مكانة الشيطان، فلا ينبغي أن نطيعه أو نسمع كلامه، وعلينا أن نطرد وساوسه دائمًا من داخلنا، تمامًا كما فعل سيدنا إبراهيم وأسرته، فربط الحكاية بالواقع يؤدي إلى تعديل سلوك الأبناء من خلال هذه العبادة الجليلة.

 

وتضيف: من الضروري أن تهيِّئ الأم البيت لاستقبال هذه الأيام العطرة، بشرح فضلها، والحرص على صيامها، وبيان أهمية العمل الصالح فيها، فلو كان جوُّ البيت مشحونًا بهذه المعاني الربانية والفيوضات الإيمانية، فلا شكَّ أن الأبناء سوف يستشعرون قيمة هذه المعاني ويتعايشون معها، فلا تكون هذه الأيام مجرد مناسبة سنوية تمر ببيوتنا ونحتفل بها ولا تترك أثرًا في حياتنا، بل لا بد أن يكون لها أثرٌ فعَّالٌ، وتكون وسيلةً تربويةً مستمرةً نستشعر نسائمها طيلة العام.

 

دروس عملية

 

تهيئة الأطفال لمعايشة الحجيج في أدائهم المناسك

تقول ميرفت محمد (أم لثلاثة أولاد): أهيئ أبنائي لهذه الأيام الطيبة من خلال اختيار بعض البرامج الهادفة التي تتحدث عن هذه المناسبة، وكذلك أستعين بالقصص المصوَّرة التي تشرح لهم مناسك الحج؛ حيث أقوم أنا ووالدهم بإعداد جلسة في أول ذي الحجة، ونستعين بصور للمسجد الحرام والمسجد النبوي؛ ولأن الأولاد قاموا معنا بالعمرة فهم يستشعرون هذه الشعائر ويسترجعون عبيرها كل عام، هذا من الناحية الروحية..

 

أما من الناحية العملية فنحرص على إحياء العمل الصالح الذي كنا نقوم به في شهر رمضان، مثل الصيام والصدقة وصلة الرحم وقراءة القرآن وكثرة الذكر، وقد تصل معاني هذه العبادات مجردةً إلى الطفل وهو في سن صغيرة، ثم يدركها كلما نضج عقله، كأن يطيع الله- عزَّ وجلَّ- دون مناقشة أو سؤال، ونربط هذا المعنى بالواقع كطاعة الوالدين والمعلمة، ويعيش الأولاد معنى التضحية والبذل، من خلال إعداد حقائب من الطعام أو الملابس لمن يحتاج، ونحرص سويًّا على التكبير والتلبية مع كل أذان، ويقومون معي بترتيب المنزل أو حتى غرفهم، وهم يقومون الآن بعمل لوحة مشتركة من ابتكارهم، ومن الإمكانيات المتوفرة لديهم، تعبر عن شعورهم بهذه المناسبة، وأحاول أن أساعدهم في حلِّ مسابقةٍ تعدها المدرسة في هذه المناسبة، وذلك أساعدهم على البحث والقراءة وتجديد مكتبتهم باستمرار.

 

وتضيف: مع ذبح الأضحية وتوضيح المعاني والعِبَر من ذلك، أحرص على أن أقدِّمَ لهم نصائح غذائية وصحية، وتعلَّم أبنائي من هذه الأيام دروسًا عظيمةً في الاعتماد على النفس ومساعدة الغير، والرغبة في خوض التجارب والعمل الصالح، وقاموا أيضًا بالمشاركة في معرض المدرسة بمنتجات يدوية عبَّرت عن هذه المناسبة الجليلة ونالت إعجاب الجميع.

 

تعرضوا للنفحات

يؤكد د. منير جمعة- الأستاذ بكلية الآداب بجامعة المنوفية- أهمية دور الأسرة في ربط الأبناء بالمناسبات الدينية المختلفة، من خلال اهتمامها أولاً بإحياء هذه الأيام الطيبة بالعمل الصالح، وإدراك فضلها العظيم، وبث الروح الإيمانية فيهم، والخروج منها بدروس تربوية تساعد في تأسيس الأولاد؛ فالوالدان يجب أن يكونا قدوةً لأبنائهما دائمًا.

 

الصلاة من أفضل العبادات

 

وفي هذه الأيام عليهم أن يحرصوا على الصيام والصدقة وبر الوالدين والصلاة على وقتها، ولا بد أن نهيِّئ الطفل لاستقبال هذه الأيام ونحدِّثه عنها ونُدخله في أجواء المناسبة؛ بحيث لا يدرك فقط الجانب المادي، ولا يتأثر بالنواحي الربانية فيها؛ فقد ورد في فضلها عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (أخرجه البخاري).

 

ويوضح د. منير ضرورةَ أن يتناسب الكلامُ مع سنِّ الطفل ودرجةِ استيعابه بطريقة تحبِّبه في العبادة، وتجعل قلبه متعلقًا بهذه الفريضة، متنسِّمًا عِطْرَ هذه الأيام المباركة؛ فالأب يجمع أبناءه ويحدثهم عن فضل هذه الأيام، وأن العمل الصالح فيها له أجرٌ كبيرٌ، ويخص يوم عرفة بكثرة الذكر والدعاء وأفضله في هذا اليوم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).

 

وقد حرص الصحابة والصالحون على تعويد أبنائهم على العبادات، بل ومشاركتهم فيها منذ الصغر، كالمرأة التي سألت الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن صغير لها اصطحبته معها في الحج، فرفعته، وقالت: ألهذا حجٌّ؟! قال: "نعم ولكِ أجر"؛ فاستخلاص الدروس والعبر من هذه المناسبات التي نعيشها كل عام واستشعارها في نفوسنا وتأثيرها الطيب في حياتنا هو المطلوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات.. ألا فتعرضوا لها".

 

وقيام الوالدِين بتربية أبنائهم على هذه القواعد الإيمانية هو الذي يفرق بين شخص وآخر؛ حيث تنتج إنسانًا متوازنًا بين المادية والروحية، ويكون كذلك إنسانًا متدينًا، تحميه هذه التربية في كبره، فلا ينحرف أو يضيع كسائر الأبناء الآن، وذلك للأسف بسبب إهمال التربية السليمة لهم منذ الصغر، فعندما يشبُّ الأبناء في هذا الجو الإيماني ومعايشة المعاني الروحية والنفحات الربانية للطاعات والعبادات، عن طريق تعظيم شعائر الله عز وجل تجعلها وسائل فعالةً لإصلاح المجتمع ونشر الخير.. قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقَوْىَ الْقُلُوْبِ﴾ (الحج: 32).

 

حاجة نفسية

 

 د. حاتم آدم

يوضح د. حاتم آدم- استشاري الصحة النفسية- أننا في حاجة ماسَّة إلى ربط الدين بأشياء سارة؛ كي ننجح في تحبيبه إلى نفس الطفل، وعدم استخدام القهر والعنف والشدة في توصيل القيم الإيمانية، فقد يقلدها الطفل وهو صغير، أو لخوفه من بطش والديه، لكنه سرعان ما يلفظها عندما يعقل؛ لأنها لم تُغرَس فيه بحبٍّ وتدرُّج واقتناع.

 

وعلى الأسرة أن تحافظ على ثوابت الدين، ولا تتخلى عن تعليم أبنائها أمور العقيدة، وذلك بأسلوب محبَّب إلى نفس الطفل لا ينفِّره من العبادة وعن طريق المكافأة والتشجيع المادي والمعنوي بنِسَبٍ مختلفة، وعلى فترات متباعدة، والأهم في ذلك هو القدوة الطيبة أمام للأبناء، فهذه العبادات والطاعات إنما هي روح تسري وليست تعليمات تلقَّن.

 

ويضيف د. حاتم أن تبسيط المعلومة وتوصيلها إلى مستوى فهم الطفل حاجةٌ ضروريةٌ له؛ فالطفل من صفاته الفضول وكثرة الأسئلة، فيظل يسأل حتى يتعلم، وإذا توقف عن الأسئلة نعلم أنه اكتفى بما حصل عليه من معلومات, وهذه المعرفة تخلق نوعًا من الالتصاق بينه وبين أمه، وتعكس حالةً نفسيةً جيدةً لدى الطفل، خاصةً عندما تحكي الأم أجمل ما في القصة وتربطها بأشياء وذكريات جميلة، مثل رحلة الحج.

 

ومن المهمّ والضروري تقريب هذه المعنويات والروحانيات والمعاني السامية إلى أقرب مثال مادي يدركه الطفل، وبذلك يساعد على أن يتكوَّن لديه ما يسمَّى (أنا أعلى) والذي يعدُّ مصدرَ القيم وكابحًا من الخطأ والشرور والآثام، وبه يقهر أو يتغلَّب على الذات الدُّنيا التي هي مصدر الرغبات والشهوات والتي تظل كلاهما تتنازع داخل نفسه وبهذه التربية الإيمانية والسلوكية ينشأ المرء وهو مستقيم، ثابت اليقين، راسخ الإيمان، لا تزعزعه الفتن، ولا تهزُّه الابتلاءات.