د. جمال نصار

 

الحديث عن الاختلاف حديثٌ متشعِّبٌ، ممتدُّ الأطراف، متعدِّدُ الجوانب، قلَّ من عرف آدابه والتزم بها، وما أكثر ما فوَّتت علينا خلافاتُنا حول مندوب أو مباح أمرًا مفروضًا أو واجبًا، لقد أتقنَّا فنَّ الاختلاف وافتقدنا آدابه والالتزام بأخلاقياته، فكان أن سقطنا فريسة التآكل الداخلي والتنازع الذي أورثَنا هذه الحياة الفاشلة، أو أدَّى إلى ذهاب الريح، قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46).

 

ولقد حذرنا الله تعالى من السقوط في علل أهل الأديان السابقة، وقصَّ علينا تاريخهم للعبرة والحذر، فقال: ﴿.. وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾ (الروم)، واعتبر الاختلاف الذي يسبِّب الافتراق والتمزُّق ابتعادًا عن أي هدي للنبوة أو انتساب لرسولها- صلى الله عليه وسلم- حين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 159).

 

ولعل مرد معظم اختلافاتنا اليوم إلى عوج في الفهم تورِّثه علل النفوس، من الكبر والعجب بالرأي والطواف حول الذات والافتتان بها، واعتقاد أن الصواب والزعامة وبناء الكيان، إنما يكون باتهام الآخرين بالحق والباطل؛ الأمر الذي قد يتطوَّر حتى يصل إلى الفجور في الخصومة، والعياذ بالله تعالى.

 

إننا قلما ننظر إلى الداخل؛ لأن الانشغال بعيوب الناس، والتشهير بها، والإسقاط عليها، لم يدَع لنا فرصةَ التأمل في بنائنا الداخلي، والأثر يقول: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس".

 

لقد اختلف السلف الصالح- رضوان الله عليهم- لكنَّ اختلافهم في الرأي لم يكن سببًا لافتراقهم.. إنهم اختلفوا لكنهم لم يتفرقوا؛ لأن وحدة القلوب كانت أكبر من أن ينال منها شيء، إنهم تخلَّصوا من العلل النفسية، مع وجود هذه الاختلافات بينهم.

 

أما نحن اليوم، فمصيبة البعض تكمن في النفوس والقلوب؛ لذلك فإن معظم مظاهر التوحد والدعوة إليه والانتصار له، إنما هي عبارة عن مخادعة للنفس، ومظاهر خارجية قد لا نختلف فيها كثيرًا عن غيرنا، والله تعالى يقول: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام: من الآية 120).

 

فالعالم الإسلامي بعد أن كان دولةً واحدةً تدين بالمشروعية العليا لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- أصبح اليوم دويلاتٍ عديدةً، والاختلافات بينهم لا يعلم مداها إلا الله، وكلها ترفع شعارات الوحدة، بل قد توجد ضمن الدولة الواحدة كيانات عدة، وليس واقع بعض الدعاة العاملين للإسلام اليوم الذين تناط بهم مهمة الإنقاذ أحسن حالاً.

 

والاختلاف بين البشر صفة بشرية وطبيعة جبليَّة فيما بينهم، وذلك عائد إلى الاختلاف الملحوظ فيما بين فئات البشر واختلاف بيئاتهم، واختلاف مناهج التفكير وأنماط المعيشة، وتفاوت قدراتهم، وتباين اتجاهاتهم، وتعدُّد أمزجتهم، وتداخل أهدافهم وتضارب غاياتهم، إلى غير ذلك مما هو سمة لكل الناس، مُودَعة في كل واحدٍ منهم.

 

ولا مِراء في أن الاختلاف إنْ كان لا يؤثِّر في العلاقة بين الجماعات والأفراد، فهو أمر طبيعي لا يتعارض مع مبادئ هذا الدين، غير أننا نرى وفرةَ الآيات القرآنية التي تنعى الاختلاف، من مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (يونس: من الآية 19) إذ ذُكر نقيضًا للوحدة، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 213)، إذ قرن الاختلاف بالبغي، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)﴾ (آل عمران)، فقد توعد اللَّه سبحانه وتعالى بالعذاب الذين تفرَّقوا واختلفوا في آياتٍ كثيرة من كتابه العزيز.

 

أسباب الاخلاف بصفة عامة

الاختلافات من حيث أسبابها وجذورها نوعان:

أ- اختلافات أسبابها خلقية.                                 ب- اختلافات أسبابها فكرية.

 

أولاً: الأسباب الخلقية

أما الاختلافات التي ترجع إلى أسباب أخلاقية فهي معروفة للعلماء والمربِّين، الذين يتدبَّرون دوافع الأحداث والمواقف، ولا يكتفون بالنظر إلى سطوحها دون أن يغوصوا في أعماقها، ومن هذه الأسباب:

أ- الغرور بالنفس، والإعجاب بالرأي.

ب- سوء الظن بالغير، والمسارعة إلى اتهامه بغير بيِّنة.

ج- حبّ الذات واتباع الهوى، ومن آثاره الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب.

د- التعصُّب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف.

هـ- العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد.

 

وهذه كلها رذائل أخلاقية، عُدَّت من المهلكات في نظر علماء القلوب، ويجب على المسلم العادي- بَلْهَ العامل للإسلام الداعي إليه- أن يجاهد نفسه، حتى يتحرر منها، ولا يستسلم لها ويسلم زمامه للشيطان، وأن يعمل بجد في رياضة نفسه حتى يتحلى بأضدادها.

 

والاختلاف الذي ينشأ عن هذه الرذائل أو المهلكات، اختلاف غير محمود، بل هو داخل في التفرق المذموم.

 

ثانيًا: الأسباب الفكرية

وأما الاختلافات التي سببها فكري فمردُّها إلى اختلاف وجهات النظر في الأمر الواحد، سواءٌ كان أمرًا علميًّا، كالخلاف في فروع الشريعة وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أو كان أمرًا عمليًّا، كالخلاف في المواقف السياسية واتخاذ القرارات بشأنها، نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤية، وفي تقدير النتائج، وتبعًا لتوافر المعلومات عند طرف ونقصها عند طرف آخر، وتبعًا للاتجاهات المزاجية والعقلية للأطراف المتباينة، وتأثيرات البيئة والزمن عليها سلبًا وإيجابًا.

 

ومن أبرز الأمثلة لذلك: اختلاف الجماعات الإسلامية حول مواقف سياسية كثيرة في عصرنا، مثل خوض المعارك الانتخابية، ودخول المجالس النيابية، والمشاركة في الحكم في دولة لا تلتزم بتطبيق الإسلام كله، والتحالف مع بعض القوى السياسية غير الإسلامية أو غير المسلمة، لإسقاط قوة الطاغية التي تخنق كل رأي حر، وتخرس كل صوت حر، إسلاميًّا أو غير إسلامي، مسلمًا أو غير مسلمٍ.

 

وبعض الخلاف هنا سياسي محض، أي يتعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المكاسب والخسائر، في الحال وفي المآل، وبعضها فقهي خالص، أي يرجع إلى الاختلاف في الحكم الشرعي في الموضوع: أهو الجواز أم المنع؟ مثل المشاركة في الحكم، والتحالف مع غير المسلمين أو غير الإسلاميين، ومثل مشاركة المرأة في الانتخابات ناخبةً ومرشحةً.

 

وبعضها اختلط فيه النظر الفقهي بالنظر المصلحي والسياسي، ومن أهم الأمثلة البارزة وأوضحها هنا: اختلاف الرأي بين العاملين للإسلام في مناهج الإصلاح والتغيير المنشود: أنبدأ بالقمة أم بالقاعدة؟ أنرجِّح طريق الثورة والعنف أم طريق التدرج والرفق؟ أيفضل الانقلاب العسكري أم الكفاح السياسي أم التكوين التربوي؟ أنعطي الأولوية للعمل الجماهيري أم لتكوين الطلائع؟ أيجوز تعدد الحركات العاملة للإسلام، فيعمل كل منها في ميدان أم لا بد من حركة جامعة شاملة؟ إلى آخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال، وهو رحبٌ.

 

ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام، وعلم التصوف، وعلم المنطق، وعلم الفلسفة، والفقه المذهبي؛ فهناك من يتعصب لهذه العلوم، بعضها أو كلها، ويدافع عنها، ويأخذها بعجرها وبجرها، ومقابله: من يرفضها كلها، ويعتبرها دخيلةً على الإسلام، مدسوسة عليه، وإثمها أكبر من نفعها، وبينهما من يتوسط بين الفريقين، ويجتهد أن يحكم بينهما بالقسط، وأن يأخذ منهما ويدع، ويقبل ويرفض.

 

كما يدخل في الخلافات الفكرية: الاختلاف في تقويم بعض الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية كذلك.

 

ضوابط الاختلاف

هناك جملة من الضوابط يحسن اتباعها أثناء الاختلاف؛ حتى لا نقع في براثن الاختلاف المذموم منها:

1- أهمية إدراك الأمة أن الباري- جلَّت قدرته- قد يسَّر القرآن للذكر، وهيَّأ لنا سبل الاطلاع الواسع على السنة، من خلال كتبها الكثيرة المتوفرة؛ فإن الأخذ عن تلك المصادر بمبادرات فردية فيه الكثير من المحاذير، فلا بد من الاستعداد السابق، ثم التزود لذلك بأدواته التي فصَّلها أهل الاختصاص؛ من معرفة ضوابط الاستنباط وقواعده، وإتقان العربية وأساليب التعبير فيها، ومعرفة علوم الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والعام المراد به الخصوص، والمطلق والمقيد من النصوص وغير ذلك من عوارضها.

 

فإن أي قول يصدر عن المسلم من غير إحاطة ومعرفة بتلك الوسائل، إنما هو قول في الدين بالتشهي والخرص والتخمين، من غير نور ولا هدى ولا علم، ومن فعل ذلك فقد ركب مركبًا صعبًا وأودى بنفسه والعياذ بالله؛ فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"، وهذا النوع من المعرفة لا يمكن تحصيله من خلال قراءة كتاب أو كتابين، بل لا بد من دراسة منهجية متقنة، تضع في يد الدارس مفاتيح تلك العلوم، التي تهيئ له سبيل الولوج إلى ساحة الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية، وحتى تؤتي تلك الدراسة أكلها لا بد أن تعتمد على البحث المستقصي، الذي يقوده الأستاذ المتقن والموجّه المجيد، والناقد البصير، في ظل من تقوى الله وابتغاء الأجر منه.

 

2- لا بد من التنبيه إلى أن هذه الشريعة أنزلت لتسعد الناس في الدارين: الدنيا والآخرة، ولتحقق لهم مصالحهم بما ينسجم وقدراتهم العقلية التي أنعم الله بها على عباده، فكرمهم سبحانه على سائر مخلوقاته، ولم تضمن الشريعة السمحاء أمرًا لا يطيق الناس إتيانه أبدًا ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية 78)، وقد يسر سبحانه على عباده حتى يعملوا بهذا الدين في ظل المحبة لا القسر والإكراه، ويقول جلّت قدرته في ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية 185) و﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 28)، لعلمه بضعفكم ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: من الآية 28).

 

وكل الأحكام الشرعية حوت مصلحة العباد وحرصت على تحقيق النفع لهم، ولا شيء فيها يعود لله تعالى نفعه، ذلك لأنه تعالى هو الغني الحميد، ولذلك، فإنه لا بد من فهم جزئيات الشريعة في ضوء تلك الكليات ونحوها، ومن لم يحط بكليات الشريعة، ويفهم مقاصدها، ويدرك قواعدها، فإنه لن يستطيع أن يرد الفروع إلى الأصول والجزئيات إلى الكليات، يقول الإمام ابن برهان: "... إن الشرائع سياسات يدبِّر بها الله عباده، والناس مختلفون في ذلك بحسب اختلاف الأزمنة، فلكل زمان نوع من التدبير، حظ من اللطف والمصلحة تختص به، كما أن لكل أمة نوعًا من التدبير يصلحهم، وإن كان ذلك مفسدة في حق غيرهم".

 

وقد اتفقت كلمة علماء الأمة على أن أحكام الشريعة كلها معللة بمصالح العباد، ولأجلها شرعت، سواء منها ما هدانا الله لمعرفته بالنص عليه أو بالإيماء إليه؛ وما لم نهتد إليه فلحكمة يعلمها الله جل شأنه، ولذلك فإن كثيرًا من الأحكام الاجتهادية تتغير بتغير الأزمنة، وقد تختلف باختلاف الأشخاص وطاقاتهم وقدراتهم وظروفهم.

 

كذلك ينبغي أن ندرك أن نصوص الكتاب والسنة، منها ما هو قطعي في ثبوته، وهو القرآن العظيم والمتواتر من السنة.. وأن من السنة ما هو ظني في ثبوته، مثل: أخبار الآحاد. ودلالة النص قد تكون ظنيةً، وقد تكون قطعيةً كذلك، ومعرفة كل ذلك له أثره في الاستنباط والاجتهاد والفهم من النص، فليس لأحد أن ينكر على الآخرين ما قد يفهمونه من النص من فهم مخالف لفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، والدليل يتسع له، ونصوص الشرع الأخرى لا تناقضه أو تعارضه، ومعظم الأحكام المتعلقة بالفروع والمتناولة للنواحي العملية هي من النوع الذي يثبت بالطرق الظنية رحمةً من الله تعالى بعباده، ليتسع للناس مجال الاجتهاد فيها، وما دام الشارع الحكيم قد فتح باب اليسر للعباد، وجعل مصلحة الناس معتبرةً، فلا يليق بأحد أن ينسب مخالفًا له في أمرٍ من هذه الأمور إلى كفرٍ أو فسقٍ أو بدعةٍ، بل عليه أن يلتمس لمخالفه من الأعذار ما يجعل حبل الود موصولاً بينهما، فيحظى بحبه وتقديره ويرعى أخوَّته ووِدَادَه.

 

3- إن من أهم الواجبات أن يدرك الجميع أن أخوَّة الإسلام ووحدة صفوف المسلمين المخلصين والحفاظ عليها، ونبذ كل ما يسيء إليها أو يُضعِف من عراها، من أهم الفرائض وأخطرها، وعبادة من أهم العبادات، وقربة من أفضل القربات؛ لأننا بتلك الأخوَّة نقوى على التصدي لكل العقبات التي تعيق استئناف الحياة الإسلامية على الصورة التي تُرضي الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- ويكفي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفَّرنا من الفرقة بأنْ أهدر دم المفرق للجماعة، ولذلك فإن التفريط بالأخوَّة الإسلامية أو المساس بها لمجرد اختلاف في الرأي أمرٌ لا يجوز لمسلم أن يفعله، أو أن يسقط في شراكه، ولا سيما في هذه الظروف التي تداعت فيها علينا الأمم، تريد أن تطفئ جذوة الإيمان التي بدأت تتقد في القلوب، وتبيد البذرة الطيبة التي بدأت تشقُّ التربة رغم الأيدي العابثة التي تنهال عليها وتحاول اجتثاثها.

 

إن الأخوَّة في الله، ووحدة القلوب بين المسلمين، تحتل المراتب الأولى للواجبات، بل هي في مقدمتها؛ لأنها شقيقة التوحيد وقرينته، كما أن هناك مراتب للمنهيات يقع النَّيل من الأخوَّة في مقدمتها كذلك.

 

ولذلك فإن علماء السلف كثيرًا ما يفعلون المفضول ويتركون الأفضل منه مراعاةً للائتلاف وخروجًا من الخلاف، وقد يتركون المندوب في نظرهم ويفعلون الجائز تحقيقًا لذلك.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدعٌ ضالٌّ مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة، لا سرًّا ولا جهرًا، وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء فصلى خلفه أبو يوسف ولم يُعِدْ.. وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك؟".

 

ولا يجولنَّ بفكر أحد أن حرصنا على الأخوَّة الإسلامية ووحدة صف المسلمين يعني التساهل في قضايا العقيدة الأساسية التي لا تحتمل التأويل ضمن حدود القواعد الثابتة في العقيدة؛ ذلك لأن الحرص على مجابهة أعداء الأمة لن يدفعنا إلى أن نضع أيديَنا بأيدي الذين ليس لهم نصيب من الإسلام إلا الأسماء؛ بحجة الحرص على الأخوَّة، فالقضايا الخلافية التي لا يجوز أن تفرقنا هي تلك التي اعترف بها كرام العلماء من أئمة السلف، وتعاملوا معها من خلال آداب فاضلة، وكان لديهم من الأدلة ما يجيز أكثر من وجه.

 

4­- كما أن من الأمور المعروفة أن الباري سبحانه قد شرع للناس تأدية العبادات في كثير من الأمور على درجات تتنوع بين الأفضل والاختيار والجواز، وإن كانت الدرجات السابقة كلها تلتقي في زاوية القبول عند الله تعالى، لكنها تتفاوت في المراتب، فكثير من الفرائض والواجبات لها صور متعددة تدخل ضمن هذه الدرجات الثلاث، فيمكن أن تؤدَى العبادة على أفضل صورها الشرعية فتقبل مع ثواب الفضل، كمن يصلي أول الوقت مع الجماعة ويؤدي سائر السنن المطلوبة للصلاة، وهناك الاختيار، وهو تأدية العمل نفسه دون مرتبة الأفضل، كمن يصلي في الوقت ولكن ليس في أوله، بل في وقت الاختيار منه، ثم المرتبة الثالثة: مرتبة الجواز وهي المرتبة التي إن قبل العبد لنفسه بأقل منها سلك في عداد المقصِّرين، وفي الأثر "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، فمن انتظر من جميع الناس- على اختلاف ظروفهم وأوضاعهم- تحقيق الصورة المثلَى للإسلام، فقد أراد أمرًا ليس من السهل إدراكه، ولولا تفاوُت مراتب العبادات والطاعات لما تباينت درجات المؤمنين في الجنة، فطاقات الناس مختلفة، وقدراتهم متباينة، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له.

 

أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: أن أناسًا لقوا عبد الله بن عمر بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر- رضي الله عنه-، فقال: متى قدمت؟ قال: كذا وكذا، قال: أبإذن قدمت؟ قال الحسن (راوي الحديث): (فلا أدري كيف ردّ عليه) فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسًا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى، أمر أن يعمل بها ولا يعملون بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك، فقال: اجمعهم لي، قال: فجمعتهم له... فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته (أي عملت به كله) في نفسك؟ قال: اللهم لا (ولو قال نعم لخصمه) قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلت عمر أمُّه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن تكون لنا سيئات، قال: وتلا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا (31)﴾ (النساء) ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا، قال: لو علموا لوعظت بكم، أي: لنكَّل بهم ليجعلهم عبرةً وموعظةً لغيرهم.

 

وفي هذا درسٌ بليغٌ يوضح فيه سيدنا عمر- رضي الله عنه- أن الصورة المثلى التي رسمها القرآن العظيم للمسلم هي صورة أنموذجية، ينبغي أن يحاول المسلم تحقيقها، ولكن حين يقصر عنها فعليه أن يدرك أن رحمة الله واسعة، وأنه حين تُجتَنَب الكبائر فإن المسلم على خير كثير إن شاء الله، ولكن عليه أن يطمح دومًا إلى الصورة المثلى ولا يعجب بالأدنى فيقف عند حدوده.

 

5­- ولعل مما يساعد على التقليل من أسباب الاختلاف في الوقت الحاضر، ويبعث على التحلي بآدابه: معرفة أسباب اختلاف الفقهاء من السلف رضوان الله عليهم، وفهم تلك الأسباب ومدى موضوعيتها، ليكون ذلك من بواعث التمسك بـ"أدب الاختلاف"، فإنهم حين اختلفوا إنما اختلفوا لأسباب موضوعية، وكانوا جميعًا مجتهدين، وكان كل واحد منهم في طلب الحق كناشد ضالة، لا فرق لديه بين أن تظهر تلك الضالة على يديه أو على يدَي سواه.

 

6­- ولعل من الأمور المفيدة في حمل المسلمين على التمسك بآداب الاختلاف معرفة المخاطر الهائلة، والتحديات الخطيرة، والخطط الماكرة التي يعدها أعداء الإسلام للقضاء على الطليعة المؤمنة التي تحمل لواء هذه الدعوة، وليس في حساب الأعداء أبدًا أن تفلت من يدها- إن استطاعت- فئة دون أخرى، فالمهم هو القضاء على العاملين للإسلام على اختلاف مذاهبهم وتباين وجهات نظرهم، وهذا يجعل إثارة أي اختلاف بين المسلمين، أو تنمية أسبابه، أو تجاوز آدابه خيانة عظمى لأهداف الأمة، وجريمة كبرى في حقِّها لا يمكن تبريرها أو الاعتذار عنها بحال.

 

7- وقبل هذا وبعده لا مناص من التزام تقوى الله في السر والعلن، وابتغاء رضاه في حالتي الوفاق والخلاف، مع الحرص على فقه دين الله والتجرد عن الهوى والبعد عن نزغات الشيطان، ومعرفة سبل إبليس والحذر من شراكه، وحسب الأمة ما لقيت وعانت، وقد آن الأوان لتثوب إلى رشدها، وتستنير بكتاب ربها، وتعضَّ على سنة نبيها- صلى الله عليه وسلم- بالنواجذ، ولعل الله يكتب إنقاذ الأمة على أيدي هذا الجيل من أبنائه البرَرَة، إذا صدقت النية مع الله، واتخذت من السبل ما هو كفيل بقيادة الركب نحو شاطئ الأمان، بعد أن طال ليل التيه والضلال.

 

ويمكن أن نُجمِل آداب الاختلاف في النقاط التالية:

1- التسامح: وهو ما يسمونه "الروح الرياضية"، وهو من معاني قولهم: "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، وهو شأن العلماء الجهابذة من المسلمين في أوج الحضارة الإسلامية، فلقد قيل للإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري صاحب الإمام أبي حنيفة، رضي الله عنهما: "وجدنا فأرة في مرجل الحمام" وذلك بعد أن اغتسل فقال: "هو طاهر عند أخينا الشافعي؛ لأنه بلغ أكثر من قلتين فلا يحمل الخبث"، وصلى الإمام الشافعي بمسجد الأعظمية في بغداد فلم يقنت لصلاة الفجر، فلما قيل له في ذلك قال: "استحييت من صاحب هذا القبر أن أخالف مذهبه"، أي أبي حنيفة، رضي الله عنهما.

 

2- التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات: فالمنافق إذا خاصم فجر، والمؤمن يخالف غيره، لكن يوقِّر الكبير، ويرحم الصغير، ويعرف للعالم حرمته، ويحفظ حقوق الأشياخ.

 

3- الحلم على الخصم ومحبة الخير له: وهو مدعاةٌ للوصول إلى الحقيقة التي هي هدف الجميع؛ فالغضب لا يأتي بخير، ولا يحلُّ مشكلاً، بل يعقِّد الأمور، وأن الإنسان يخالف في الرأي غيره وليس من مقتضى ذلك أن يخاصمه ويشاجره، بل أن يأخذ بيده برفق إلى درجة يرى بها نور الحق فيسير خلفه ويشتد إليه، فالحكيم من أنقذ غيره بالحلم وفي الحديث: "لا تغضب ولك الجنة".

 

4- اللين والرفق: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125) وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾ (فصلت)، وهكذا فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وشأن العلماء والحكماء إذا اتفقوا أن يكون اتفاقهم حجةً قاطعةً، وإذا اختلفوا أن يكون اختلافهم رحمةً واسعةً.

 

5- الاحترام المتبادل للأشخاص والأفكار: إن أهم ما يميز الخلاف العلمي الإسلامي، وهو بحق أرقى ما توصلت إليه العقول البشرية، وهو هذا الخلاف النزيه بين الأفكار لا بين الأشخاص، فالأشخاص المختلفون لهم حرمتهم ومكانتهم وهم بلا ريب من أهل العلم والفضل، ولا يجوز تجاهلهم لمجرد خلاف شَجَر بيننا وبينهم، أو النَّيل من كرامتهم، فلا خلاف مطلقًا بين أشخاصنا وأشخاصهم، بل بين أفكارنا وأفكارهم، فنحن في نظر أنفسنا رأيُنا صواب يحتمل الخطأ ورأيُهم خطأ يحتمل الصواب، ما دام الخلاف في الفروع، وقد عظَّم الأئمة الأربعة بعضهم بعضًا في حياتهم وبعد الوفاة وكانوا القدوة المثلى في هذا الأدب الجمّ، وإن وجد فليس القاعدة ولا الأصل، بل الاستثناء والشذوذ.

 

ولقد قال الإمام مالك عن الإمام أبي حنيفة بعد المناظرة: "إنه لفقيه، والله لو أقسم على هذه الأسطوانة أنها من ذهب لبَرَّ في قسمه وجاء على ذلك بدليل"، وقال الإمام أبو حنيفة- رضي الله عنه وعن سائر الأئمة المجتهدين-: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق".

 

6- الرجوع إلى الحق ولو مع الخصم: وهذه سيماء السلف الصالح رضوان الله عليهم في مناظراتهم، وإلا كانت مهاترات وجدلاً فارغًا لا طائل تحته، فبهذا الإخلاص للعلم وللحقيقة المجردة عاشوا للحق وللحق وحده، فقد روي أن الإمام أبا حنيفة- رضي الله عنه وعن سائر الأئمة الأعلام- وكان في بدء أمره متكلما نظَّارًا رأى ولده حمادًا يناظر في المسجد فنهاه، فقال له ولده: أما كنت تناظر؟! قال: "بلى، ولكن كنا كأن على رؤوسنا الطير من أن يخرج الباطل على لسان الخصم، بل كنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم كذلك فنعم".

-----------------

nassareg2000.maktoobblog.com