تغادر مصر يوم 13 ديسمبر الحالي بعثة الحج المصرية إلى الأراضي المقدسة لتنظيم ومساعدة الحجاج المصريين، ومن خلال ما تناقلته وسائل الإعلام عن التجاوزات التي تقع من البعثات الحالية وددتُ أن ألقي الضوءَ على التاريخ المُشرف لبعثات الحج المصري عبر تاريخها المشرق، ونستطيع أن نقول إن هذه البعثات كانت في الماضي أكثرً تنظيمًا ونزاهةً وتحملاً لمسئوليتها تجاه الحجاج، كما كانت محل تقديرٍ واحترامٍ من جانب السلطات الحجازية؛ حيث كان يستقبلها أمير مكة المكرمة وكبار رجال الدولة، أما الآن فأين مكانتها؟!.
مما حدا برئيس البعثة في العام الماضي بالمطالبة بإلغاء هذه البعثة، وأنه إذا لم يتم تجاوب السلطات السعودية بشأن تسهيل إجراءات عمل وتحرك البعثة الرسمية، فلا داعي من الأصل لإرسال هذه البعثة كل عام كما هي العادة.
تجهيزات واستعدادات
كانت بعثة الحج المصرية عبر تاريخها أكبر قوافل الدول العربية والإسلامية؛ وذلك في تجهيزها وإعدادها ونظامها واحتفالاتها، وقد امتازت بالنظام الدقيق في تكوينها وفي مسيرتها فكل فرد كان فيها يعرف حدوده وواجباته الملقاة عليه ووظيفته المحددة له في داخل الركب منذ بدايته حتى نهايته، وكانت البعثة تضم عددًا كبيرًا من الوظائف منها:
1- أمير الحج (رئيس البعثة): وهو كبير قافلة الحج ومسئولها الأول في كل شئونها ورأس الأمر فيها، وفي الحديث الشريف أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" (رواه أبو داود)؛ ونظرًا لجسامة المسئولية الملقاة على عاتق أمير الحج، فقد تحددت له عشر مهام يقوم بها، فعليه أن يجمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم من المفسدين من العربان واللصوص، وعليه أن يعلم دروب الحج وطرقه ومنازله، كما عليه أن يرتب الناس في القافلة في المسير والنزول من أجل راحة الحجاج وتُفادي الاصطدام والفتن مع بعضهم بعضًا.
وكذلك من مهامه أن يكون رفيقًا بالناس في قافلة الحج، فإن كان فيهم ضعفاء سار بسير ضعيفهم، وعليه أن يسلك بهم أوضح الطرق وأوسعها، وأن يُراعي أحوالهم ويسير بهم سيرًا معتدلاً ويُريحهم في أوقات الحر والبرد، وعليه أن يقوم بحراسة القافلة إذا نزلت ويحوطها إذا رحلت، كما عليه أن يُراعي اتساع الوقت حتى يأمن فواته فلا يلحق بالحجاج ضيق الوقت، وكان السلاطين والأمراء يرتبون لأمير الحج راتبًا يصرف منه على المهام الموكلة إليه.
2- دودار أمير الحج (ناب رئيس البعثة): وهو كاتب أمير الحج في المهمات التي يتولاها، وعليه تقوم مهمة تنظيم سير القافلة أو المحمل والطواف على الحجاج ليلاً للحراسة أو نهارًا للمعاونة والقبض على المفسدين، وكان يُختار من العسكر الشجعان ومن المشهودين بحسن المعرفة والعقل والمروءة والخبرة.
3- قاضي البعثة: كانت البعثة في الماضي تضم قاضيًا ليتولى إصدار الأحكام الشرعية بين الحجيج والفصل في المنازعات التي تنشأ بينهم، وكانت هذه المهمة يتولاها قاضي من قضاة المذاهب الأربعة يُعينه قاضي القضاة، وقد استمرَّت هذه الوظيفة مرافقةً لمحمل الحج المصري إلى أن أُلغيت في أوائل القرن العشرين.
4- المشرف على جمال وخيول المحمل: وهو المختص برعاية أمر جمال وخيول المحمل، وكان يعاونه أفراد للإشراف على تفرقة العليق للدواب وحراستهما ومراقبتها أثناء السير في الطريق لئلا يقوم أحد بركبها أو تأجيرها خلسةً.
5- المشرف على تموين المحمل: وهو القائم على شئون تموين بعثة الحج وقافلة المحمل، وكان يُختار من الأمراء في عصره بحيث تتوافر فيه شروط الأمانة والتدبير وعدم التبذير.
6- المشرف على مطبخ المحمل: وهو القائم على شئون المطبخ للمحمل، وكان يُطلَق عليه "شاد المطبخ"، ويقوم بأعباء الإشراف على الذبائح وتفريق المخصصات من الطعام على أرباب الرواتب والغلمان بالمحمل، ويعاونه فريقٌ من الطباخين ومهمتهم توزيع الطعام عند وقتِ تناوله بعد إعداده وطبخه، كما يعاونه جزار يُحسن ويتقن الذبح ومهمته ذبح الذبائح.
7- مشرف السقايين: وكان يقوم بهذه المهمة أحد الأمراء بحيث يكون مسئولاً على ملئ قِرب الماء من الآبار وتوزيع المياه على حجاج الركب، ومن اختصاصه الدفاع عن السقايين عند الازدحام على مناهل المياه، ومعه المختص بالشراب، وكان يُعرف بالشراب خانة، وهو يتولى أمر المشروب؛ حيث يقوم بضبط الماء وتبريده في أوقاتِ الحر، ومن ضمن أدواته أواني الفضة والنحاس والصيني، كما كان يعين مسئول لإحضار الماء للوضوء وغسل الأيدي عند الاحتياج، وكان يُعرف بالطست خانة، ويرافق البعثة خباز ومهمته توزيع الخبز بعد عمله على القائمين على شئون المحمل، ومعه الكيالون وكانت مهمتهم تشوين غلال المحمل وإحضار أصحاب الدواب لنقلها والمغربلين لغربلتها.
8- منظم سير المحمل: وهو القائم على تنظيم سير المحمل بحيث يُحافظ على تمام عدد الركب وما يحمله من أشياء، وينظم السير عند المضايق بحيث يقوم مَن يشاء من الركب ويؤخر مَن يرغب في تأخيره للحفاظ على نظام سير المحمل، أما الآن فتحدث عن تكدس الحجاج في المواني والمطارات ولا حرجَ.
9- طبيب المحمل: كان يصحب ركب المحمل طبيب أو جرَّاح متمكن من صنعته، وكذلك كحَّال وبصحبته الأشربة والعقاقير والمراهم والدهان التي كان يطلبها أمير الحج، وعليه معالجة المرضى من الحجاج أثناء سيرهم في طريق الحج وأثناء فترة الحج والعودة.
10- الحامية العسكرية: وهم القائمون على مهمات السلاح وما يحتاج إليه من أدوات الحرب ولبوس الخيل، وكان أقل عدد يُسافر بصحبته المحمل عشرين فردًا.
11- البيطار (الطبيب البيطري): نظرًا لأن الحج كان يتم برًّا فلم تكن توجد سيارات، وإنما كانت وسيلة المواصلات هي الخيول والجمال؛ ولذلك فكان لزامًا على الركب اصطحاب طبيب بيطري للإشراف على صحة الدواب والخيل والجمال ووضع حداويها.
12- مُبشر الحجاج: وكانت مهمته تنحصر في التبليغ قبل وصول ركب المحمل والحديث عن أحوال الحجاج، وما حدث بشأنهم من سرقاتٍ أو قطع طريق أو مرض أو وفاة وأحوالهم بالأراضي الحجازية، وكان يصل قبل القافلة بأربعة أيام راكبًا هجينًا سريعًا، ويصاحبه عربيان، وهو يُسرع ليعلن نبأ قُرب وصول الحجاج واليوم المنتظر لوصولهم العاصمة، وليحمل رسائل الحجاج إلى ذويهم.
وهكذا يتضح أن نظام المحمل أو بعثة الحج المصرية كان ذا نظامٍ دقيقٍ في تكوينه وتقسيمه، فقد كان أشبه بجيشٍ عسكري في وقته وصرامة نظامه؛ لأنه رمزٌ لعظمة وهيبة السلطان، وسفيرٌ فوق العادة، يُمثل مصر في مكةَ وقت الحج، حيث يجتمع المسلمون من كل مكان.
بعثات الحج.. بين الأمس واليوم
وبعد هذه الإطلالة على مكونات وتجهيزات المحمل المصري أو قافلة الحج المصرية، ويلاحظ فيها مدى توفير كل ما يُحقق الأمان والراحةَ للحجاج في ذهابهم وإيابهم من رئيسٍ يسهر على راحتهم وقاضٍ يحكم بينهم وعسكر يحمونهم وطباخون وخبازون وسقاءون يوفرون لهم الطعام والشراب، وأطباء يعالجونهم فنعم بعثات الحج هي.
أما اليوم فنعم للمحسوبية والرشاوى السياسية في بعثة الحج!!! ففرقٌ كبيرٌ بين بعثات الأمس البعيد واليوم؛ فبعثات اليوم تعتبر من أهم بؤر الفساد لكثرة ما يحدث من تجاوزات ومخالفات عديدة في اختيار أعضاء البعثة، وليس أدل على ذلك هذا العام من اختيار بعض نواب مجلس الشعب من الحزب الوطني الحاكم لأداء فريضة الحج على حساب الوزارات المعنية بالإشراف على الحجاج كوزارة الداخلية والصحة والتضامن الاجتماعي، رغم أن هؤلاء النواب لا يؤدون أي عملٍ يُفيد الحجاج من قريبٍ أو بعيد، فما فائدة أو سبب أدائهم فريضة الحج على نفقة الشعب، ولا ندري لماذا يؤدي عضو البرلمان الفريضةَ على حساب العُجز وأصحاب المعاشات.
ومن ضمن تلك المخالفات ما يحدث في حقِّ الحجاج أنفسهم فبدلاً من بذل كل الجهد لراحتهم يحدث العكس بشهادة الحجاج أنفسهم، فكثيرًا ما يحدث إخلاء عددٍ كبيرٍ من أجنحة الفنادق التي ينزل بها الحجاج المصريين تصل إلى عدة أدوار كاملة للضباط وزوجاتهم في فنادق مكة المكرمة والمدينة في الوقت الذي يتكدس فيه الحجاج في الغرف بواقع خمسة أو ستة أفرادٍ لكل غرفة، وهو ما لا يتناسب مع الأموال التي يدفعونها، وكذلك اختيار فنادق لإقامة الحجاج تبتعد كثيرًا عن الحرم المكي والبيت الحرام، ناهيك عن قلة الأطباء والأدوية والخدمات الصحية والدينية لعدم وجود مرشدين يرشدون الحجاج لتعاليم الحج الصحيحة, ولكم الله يا حجاج مصر المحروسة.. ويا ليت الزمن الجميل لبعثات الحج يعود يومًا!!.
---------
* ماجستير آثار إسلامية