بلال الحسن

 

أعتقد أن حالةً غير عقلانية سادت الوسط السياسي الفلسطيني والعربي، عند مناقشة قضية مؤتمر أنابوليس؛ حيث ذهب المؤيدون إلى حدِّ القول بأن هذا المؤتمر هو أكبر إنجازٍ يتحقق لصالح القضية الفلسطينية، وذهب المعارضون إلى حد القول بأن المؤتمر كارثة ستودي بالحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية، وما أن وضعت القضية في هذا السياق، حتى أصبح النقاش مستحيلاً، وتحوَّل حين يجري إلى نقاشٍ غير مجدٍ.

 

لقد اختلط على المناقشين غياب الثقة الكامل بالموقف الأمريكي والصهيوني، وسحبوا ذلك على الموقف الفلسطيني والعربي، بينما كان من الأجدى تحديد الثوابت الفلسطينية والعربية، وتحديد ما هو مرفوض في المواقف الأمريكية والصهيونية، والتنبيه لشراك الخداع الموضوعة في ثنايا المفاوضات، وربما يُفيد هنا أن نُحدد النقاط التالية.

 

1- إن الموقف الأمريكي هو الخلل الأساسي الذي يخرب المفاوضات بين العرب وإسرائيل؛ ولدينا على ذلك شاهدان لا يدحضان، تم الشاهد الأول في عهد وزير الخارجية هنري كيسنجر، حين تعهَّد للكيان الصهيوني رسميًّا أثناء مفاوضات حرب أكتوبر 1973م أن لا يُقدم على أي اقتراحٍ أو مبادرة إلا بعد التشاور مع الكيان والاتفاق معه؛ وبذلك أصبح الدور الأمريكي رسميًّا داعمًا لإسرائيل ضد العرب؛ وأثر ذلك على كثيرٍ من المفاوضات التي جرت.
وتم الشاهد الثاني في عهد الرئيس جورج بوش الابن، حين قدَّم لإسرائيل ما يُسمَّى بـ"وعد بوش" في العام 2004م، وتعهَّد فيه برسالةٍ رسميةٍ موجهةٍ إلى رئيس الوزراء آرييل شارون، بدعم موقف "إسرائيل" من ثلاث قضايا تفاوضية هي: حدود 1967، وبقاء المستوطنات الكبرى، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، ثم أضاف إلى ذلك تعهدًا رابعًا، في رسالةٍ منفصلة، يتبنى يهودية الدولة الصهيونية.

 

لقد نسف هذا الموقف الأمريكي أساس التفاوض، ونسف تعهد بوش نفسه (منذ عام 2002م) بإنشاء دولة فلسطينية، وقرر سلفًا حدود ومضمون دولة غير قابلة للحياة.

 

وقد كان حريًّا بالمتشككين الفلسطينيين والعرب، وهم محقون بتشككهم، أن يركزوا على هذا التعهد الأمريكي، وأن يطالبوا بإلغائه، وبخاصة بعد أن استند إليه إيهود أولمرت في كلمته، ووضع "وعد بوش" كأساسٍ من أسس التفاوض بالنسبة لإسرائيل.

 

أما الذي جرى فهو شن حملة على الوفد الفلسطيني واتهامه بالتنازل، وشن حملة على الموقف العربي واتهامه بالتطبيع، وهي اتهامات ينقضها ما ورد في خطاب محمود عباس (أبو مازن)، وما ورد في الموقف السعودي كما حدده وزير الخارجية سعود الفيصل في مؤتمر صحفي.. لقد تحوَّلت المعركة إلى معركةٍ سياسيةٍ بيننا، بدل أن تكون معركة سياسية مع أمريكا و"إسرائيل".

 

2- لا يعني هذا أن الموقف الفلسطيني والعربي كان ممتازًا، فقد انطوى على تراجعاتٍ لا تُبشِّر بخير، فمثلاً: لقد بدأ أبو مازن مفاوضاته مع أولمرت قبل المؤتمر، مطالبًا بـ"اتفاق تفاوضي تفصيلي" يتناول القضايا التفاوضية الخاصة بالوضع النهائي، ومرجعياتها، وعلى أساس جدولٍ زمني للتطبيق، ثم تراجع نحو القبول بـ"وثيقة مشتركة" عامة تُذكِّر قضايا الحل النهائي فقط، ثم تراجع ثانيةً نحو القبول ببيانٍ منفصلٍ لكلا الطرفين.

 

أما حين ذهب إلى المؤتمر فقد وافق على وثيقة ثلاثية (أمريكية- صهيونية- فلسطينية) لا يرد فيها ذكر لقضايا الحدود والقدس واللاجئين والمياه، بينما هي واردة بالتحديد في اتفاق أوسلو عام 1993م، وهذا ما دفع أبو مازن إلى تضمين كل ما تراجع عنه في خطابه الرسمي في المؤتمر.

 

ومثلاً: كان العرب (ومعهم الدول الإسلامية) يمثلون وزنًا كبيرًا داخل المؤتمر، ولو أنهم اجتمعوا، وأصدروا بيانًا موحدًا، يؤكد بنود مبادرة السلام العربية، ويؤكد مطالب الفلسطينيين المحددة، ومطالب سوريا ولبنان المحددة، ويطالبون المؤتمر بأن يعتبر ذلك قاعدةً رسميةً للتفاوض، لما كان بإمكان الأمريكيين تجاهل مطلبهم، ولتحدد إطار للتفاوض لا تستطيع إسرائيل أن تتجاهل وجوده.

 

3- وثمة قضايا أخرى تتعلق بتفاصيل المفاوضات، تُشكِّل مساسًا كبيرًا بالمفاوض الفلسطيني والعربي، بينما أصبح الاستناد إليها شائعًا في المواقف الرسمية والعلنية. نذكر منها بالتحديد قضية "تبادل الأراضي"، وقضية "النسب المئوية".

 

لقد طرحت قضية "تبادل الأراضي" في قمة كامب ديفيد- 2000م، ومن ضمن مواقف فلسطينية أخرى تتمسك بالقدس والمياه والسيادة وحق العودة، وتم بعد فشل القمة إزالة كل تلك القضايا عن طاولة المفاوضات، لكن الأمريكيين والصهيونيين احتفظوا ببندٍ واحدٍ وحيدٍ منها، وهو البند المتعلق بـ"تبادل الأراضي"، وتجاهلوا قضايا القدس والمياه والسيادة وحق العودة، وتمسكوا فقط بـ"تبادل الأراضي"، وأصبح "تبادل الأراضي" لعبة صهيونية محبوكة هدفها: إلغاء مبدأ الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 1967م، وتكريس بقاء المستوطنات الكبرى (80% من المستوطنين)، والسيطرة على مدينة القدس التي تحاصرها المستوطنات المذكورة.

 

ويتعامل المفاوض الفلسطيني مع هذه القضية الخطيرة بخفةٍ لافتة للنظر، أو بنوعٍ من التشاطر غير المجدي، بينما يتطاول المفاوض الصهيوني إلى حدِّ المطالبة بأن يشمل التبادل فلسطينيي 1948م (الترحيل والترانسفير).

 

وقد آن للمفاوض الفلسطيني أن يعمل جادًّا للخروج من شباك هذه اللعبة، معلنًا أنه يرفض مبدأ التبادل، وأنه يطالب بالانسحاب الكامل للاحتلال حسب القانون الدولي، وأنه يطالب بإزالة المستوطنات التي يتناقض وجودها مع اتفاقية جنيف الثانية المتعلقة بشئون الاحتلال الأجنبي، والممنوع عليه أن يحدث تغييرًا ديمغرافيًّا في البلد الذي يحتله، وأن يقول للعالم صراحة أن بقاء المستوطنات يعني سرقة المياه الفلسطينية؛ لأن تلك المستوطنات أُنشئت عن عمدٍ فوق آبار المياه في الضفة الغربية، وضمها إلى "إسرائيل" يعني ضم المياه معها.

 

ولقد بدأنا نسمع أخيرًا أطروحات غير مقبولة، هدفها تبرير "تبادل الأراضي"، منها أن مساحة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967م هي (كذا)، وأننا لا نقبل إلا باسترجاع مساحة مماثلة، ولا بد من أن يصبح هذا الطرح مرفوضًا فلسطينيًّا، فالأرض التي احتلت معروفة ومحددة، والانسحاب الصهيوني يعني الانسحاب من تلك الأرض لا من أرضٍ أخرى.. إن أراضي الأوطان هي أراض مقدسة، وهي دائمًا ليست مجرَّد مساحات.

 

وبدأنا نسمع مؤخرًا أطروحات تحاول تسهيل قبول المواطن الفلسطيني بنظرية تبادل الأراضي.
من ذلك تصريحات عنترية تقول: "لا يمكن أن نقبل تبادلاً للأراضي يزيد عن نسبة 2%"، واللعبة هنا هي في وضع رقم (2) مقابل رقم (98)، والاستنتاج بعد ذلك أن المساومة بسيطة، لا.. فهذه المساومة ليست بسيطة أبدًا، إننا نسأل ما هي نسبة مساحة مدينة القاهرة من نسبة مساحة مصر؟ وهل يمكن في ظرف ما قبول مبادلتها بأرض في النقب مثلاً لأن المبادلة لا تتجاوز 1%؟ ونحن نسأل أليست نسبة 2% المعروضة من قبل "إسرائيل" تشمل مدينة القدس وما حولها؟ وهل يمكن التفريط بالقدس ومنطقتها؛ لأن نسبتها لا تتجاوز 2% من نسبة الضفة الغربية؟

 

إن هذه التلاعبات التفاوضية لا بد أن تنتهي، وأن يكون للمفاوضات أساس فلسطيني- عربي واضح، أساسه المبادرة العربية (الانسحاب الشامل)، والذي يجري القبول به رسميًّا، ثم يجري تجاوزه عمليًّا.

 

وبنقاش من هذا النوع، ندخل في صلب القضايا، ونعرف إذا اتفقنا حول ماذا اتفقنا، ونعرف إذا اختلفنا حول ماذا اختلفنا، ونُركِّز حملاتنا ضد الخصم لا ضد أنفسنا.

-----------

* الشرق الأوسط 2/12/2007م