وُلد في الشرقية، ثم انتقل مع أسرته إلى محافظة كفر الشيخ؛ حيث نشأ الأستاذ علي أبو شعيشع علي في أسرة مكوَّنة من الأب والأم وشقيق وثلاث بنات، وكانت أسرةً متوسطةَ الحال، وُلد في 26/12/1918م، وبالرغم من ذلك حرص أبواه على إلحاقه بالتعليم حتى تخرَّج في كلية الهندسة جامعة فؤاد الأول.

 

عمل في بداية حياته كمنفذ بمطار ألماظة الحربي، وظل في هذا العمل قرابة ستة شهور حتى اعترض على المقاول لمخالفاته للمواصفات فَفُصل من العمل، وبحث عن عملٍ آخر حتى وجده في مدينة دمنهور، وظل في عمله بدمنهور حتى نُقل لكفر الشيخ عام 1969م، وظل فيها حتى خرج على المعاش.

 

مع دعوة الإخوان

رضع علي أبو شعيشع المعاني السامية في طفولته، وترعرع على حب الإسلام والعمل لله، وما كاد زميله محمد فاضل يدعوه عام 1937م لمحاضرة في المركز العام للإخوان المسلمين بميدان العتبة الخضراء، ويلقيها الشيخ حسن البنا حتى سارع للتعرف على أسرار هذه الدعوة الكريمة.

 

واظب على الحضور إلى المركز العام، وساعده على ذلك دراسته في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًّا)، وفي إحدى اللقاءات همس له أحد الإخوة بعدم الانصراف، وبقي ما يقرب مع أربعين شابًّا كانوا تشكيلةَ الكتيبة التربوية الثانية التي شكَّلها الإمام البنا لتربية أفراد الصف تربيةً جيدةً، وكانت الكتيبة الأولى قد تكونت من الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد وعبد الحكيم عابدين وغيرهم.

 

حافظ على حضور كتيبته حتى توقفت قبل الامتحانات بشهر ونصف الشهر، وهذا ما يطبقه الإخوان مع الطلبة، وبعد تخرجه تسلَّم تعيينه في مدينة دمنهور، وقد انتقل إليها وحمل في قلبه حب الدعوة والعمل لها، ولم يكن قد تعرَّف على أحدٍ من الإخوان بها، وانتظر وهو يدعو الله أن ييسر له الله العثور على أحد من الإخوان، واستجاب الله دعاءه؛ ففي مسجد أبو عبد الله بـ"حارة السبعة"، قام أحد الطلبة بعد صلاة الجمعة يعلن عن محاضرة ستُلقى بمقر جمعية الإخوان المسلمين، فتوجه إلى هناك، وانتظر بعد المحاضرة لعله يتعرف عليه أحد، فتوجه إليه الطالب محمد الخوالقة، وأخذ يشرح له مبادئ الدعوة كأنه مستجد، لكنه اكتشف أن الأستاذ علي أحد الإخوان الذين تتلمذوا على يد الإمام البنا، وكانت بداية الانطلاق، فبدأوا بالعمل المنظَّم، فنظَّموا الرحلات والزيارات إلى القرى المجاورة لنشر الدعوة، وبدأوا تشكيل فرق الجوالة وتنظيمها، حتى إنه كان أحد الذين وصلوا للمستوى الثاني للترقي في الجوالة.

 

وأثناء الحرب العالمية الثانية اشتدت الغارات الألمانية على الإسكندرية، فهرب أهلها إلى دمنهور، فقرر مع إخوانه تشكيل فريق عمل لنجدة المنكوبين فكانوا يقومون بدور الحمَّالين لحمل الأمتعة والأطفال الصغار إلى أماكن الإيواء.

 

نشطت المنطقة في الدعوة وبدأت الشُعب تُفتح، ونشطت الأقسام، وكان لها أثرها الجليل، حتى إنهم أصدروا عددًا وحيدًا باسم (الإخوان المسلمون)، وقد نشط مع إخوانه بالبحيرة في دراسة قوانين الجوالة، وعملوا على سلامتها، من رتبة كشاف إلى رتبة جوال، وكانت على ثلاث مراحل:

1- امتحان تحريري للمبادئ العشرة.

2- امتحان شفهي ويتناول المعلومات العامة.

3- امتحان عملي في كيفية إقامة المعسكرات وإشارات المرور.

 

اشترك في تنظيم معسكر الجيش المرابط الذي أقامه المركز العام للإخوان تحت إشراف الأستاذ سعد الوليلي (المسئول عن قسم الجوالة في المركز العام) بدمنهور، ونهض في تكوين فرقة جوالة في حي شبرا وأبو الريش وغيرهما بدمنهور، وأخذ يجوب المراكز والقرى لتكوين فرقة الجوالة، والتقى في جوالته بالإخوة مبروك هنيدي وشقيقه أحمد سالم وعبد الواحد البيومي والحاج حامد الطحان وغيرهم.

 

سافر إلى الإسماعيلية عام 1945م أثناء الإعادة في الانتخابات النيابية بين الأستاذ البنا وسليمان عبيد؛ وقد سافر مع مجموعةٍ من إخوانه لحثِّ الناس على الصدق في الإدلاء وانتخاب الصالح، غير أن الإنجليز تدخَّلوا وعملوا على إنجاح سليمان عبيد.

 

كما شارك الأستاذ علي في يوم حرق الكتب الإنجليزية بعد أن أدَّت الجوالة عرضًا طيبًا، وشغلت البوليس عن مكان إحراق الكتب والعلم الإنجليزي، ومن النوادر في ذلك أنه أثناء حرق الكتب جاء عسكري الدورية، فوجد أن النار أوشكت أن تنطفئ، فنصحه صاحب محلِّ بقالة بوضع الجاز عليها لتظل مشتعلةً حتى يحضرَ البوليس ونجحت الخطة.

 

انضمَّ إلى النظام الخاص في فترةٍ مبكِّرة من نشأته، وشارك في جمع السلاح أثناء حرب فلسطين، وكانت ترسل للجنة وادي النيل لترسله للمجاهدين في فلسطين، ومع هذه المشاغل الكبيرة فقد كان يمتلك قلبًا حنونًا، أحب إخوانه حبًّا جمًّا، وآثرهم على نفسه، فقد عثر على وظيفة مهندس ببلدية طنطا، وكانت أفضل من وظيفة مهندس بالمساحة، غير أنه بعد ما قدّم مسوّغاته، وتم تعيينه دون غيره فشعر بالحنين لإخوان دمنهور فترك الوظيفة وعاد إليهم مرةً أخرى، وظل بها حتى حُلَّت الجماعة، واعتُقل من دمنهور.

 

وأثناء زيارة الإمام البنا لدمنهور كان يقوم بالتجول معه أثناء زياراته لشُعب البحيرة لتفقد أحوالها، وأثناء عبوره معه إلى فوة عبر مركب صغير أخذت الأمواج تقذفها، وشعر الجميع بالخوف، غير أن الإمام البنا توجه إلى الله بالدعاء، وكان آخر عهده بالإمام البنا في حفلٍ عام أُقيم بكفر الدوار، حضره عمال شركة الغزل لسماع الإمام البنا، بعدها دخلت الجماعة في طور المحنة.

 

تأثَّر ببعض الشخصيات الدعوية في دمنهور، أمثال: الأستاذ صالح أبو رفيق، والأستاذ محمود عبد الحليم، والشيخ أحمد عبد الحميد، أحد الأربعة الذين ذكرهم الإمام البنا تحت عنوان: (الدعوة في نفوس أربعة).

 

اعتقل مع عددٍ من إخوانه وبعد خروجه إليهم مرةً أخرى في فبراير 1950م ذهب لكي يتسلم عمله فوجد قرارًا بالفصل لكنه عاد للعمل مرةً أخرى، وقد نُقل إلى الأقصر بعد أن أسقطت مدة خدمته السابقة ثم انتقل لإسنا ثم قنا، ومع تنقلاته كان يُسلِّم نفسه لإخوانه، وكان يشاركهم أعمالهم جميعها، وفي إسنا سافرت له والدته ومكثت معه فترةً من الزمن ترعى شئونه، كما كانت هذه المدينة أيضًا ملتقى التعارف بينه وبين المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان الجديد، وبعد قيام الثورة في 1952م نُقل إلى دمنهور مرةً أخرى واستلم عمله في أبي المطامير، كما صدر حكمٌ قضائي بالتعويض له عن مدة فصله والتي تجاوزت 22 شهرًا.

 

الزواج ومسيرة الكفاح

أثناء عمله في دمنهور عرض عليه أحد الإخوان الزواج من ابنته وذلل له الصعاب، وطمأنه على توفير كل الاحتياجات غير أنه كان يقول: "لم أكن مهيأً نفسيًّا لها إيمانًا مني بأن متطلبات الدعوة فوق متطلباتي الشخصية التي قد تعوقني عن مواصلة المسيرة"؛ غير أن الأخ اشتكى للإمام البنا رفْض الأستاذ علي من الزواج من ابنته، فاعتنى الإمام البنا بذلك، وأرسل له خطابًا يقول له: "إذا لم تكن قد ارتبطت بزيجةٍ فإني أُزكي ابنة الأخ لزواجك بها"، وكانت مخرجًا له من المأزق فاعتذر للأخ بأنه مرتبطٌ فقبل الأخ العذر لكنه بعد أن بلغ سنَّه الثانية والثلاثين أراد الارتباط فحاول أن يجد زوجةً لكن لم يتيسر الحصول على الزوجة المطلوبة، وتحدَّث مع الأستاذ عبد المنعم مكاوي في ذلك.

 

وفي هذا الصدد يقول: "بلغتُ سن الثانية والثلاثين، وأحسستُ بحاجةٍ ملحةٍ إلى الزواج، وأحسَّ إخوان دمنهور بذلك فنشطوا، وكان على رأسهم الأخ (أحمد نجيب الفوال)، لكن لم يتيسر الحصول على الزوجة المطلوبة، ولما كان الأخ عبد المنعم مكاوي على صلةٍ وطيدةٍ بأسر الإخوان فقد رأيتُ أن أفاتحه، وفي لقاءٍ بمنزله في سخا فاتحته برغبتي، وأخذ يستعرض شقيقات الإخوان فوجدني على علمٍ بظروفِ بعضهن، وعدم ارتياحي لهن، وإذا به يُفاجئني في أسلوبٍ مرح "خلاص يا سيدي عندي أختي.. تعال أجوزها لك، ومتنعاش هم الفلوس.. أدي طقم الصالون، ونجهز لك حجرة نوم"، وكانت مفاجأةً، فأجبته بالموافقة، فاشترط أن أراها، وتم ذلك، وأردتُ أن أستوثق بمعرفةِ شيءٍ عن حياتها، فاتصلتُ بالأخ جلال عبد العزيز- لأنه على معرفةٍ بهم- فأجابني على أسئلتي، وأخيرًا قررتُ الزواج بها لثقتي وحبي للأخ عبد المنعم، وصارحتُ والدتي فوافقت، واتفقتُ مع أهل العروس على أن يكون البناء في يناير 1954م، غير أنه لم يتم بسبب اعتقال شقيقها في يناير 1954، ولم يخرج إلا في مارس، ثم انتقلت العروس للحياةِ معي إلى أبي المطامير- بحيرة- بعد أن تمَّ الزفاف في 1/6/1954م".

 

صبر على المحن

 الصورة غير متاحة

د. حسن علي أبو شعيشع

لم يكد قرار رئيس الوزارء النقراشي باشا يُذاع في 8/12/1948م بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين حتى بدأ البوليس السياسي في اعتقال الإخوان وإيداعهم السجن، كان هو أحد الذين اعتقلوا في هذه المحنة؛ حيث قضى خمسة أيامٍ في سجن دمنهور ثم رحل إلى الهايكستب ثم إلى جبل الطور ثم رحل إلى معتقل عيون موسى، وكانت فترة الاعتقال عبارة عن مدرسة تعلَّم فيها معاني الصبر وحسن التوكل على الله، وفي هذه الأثناء رحل إلى الهايكستب، وفي مساء يوم 5/3/1950م، أُفرج عنه ليعود مرةً أخرى إلى استئناف نشاطه الدعوي في الصعيد، وهي المكان التي نقل إليه بعد عودته للعمل، ففي 20/9/1950م، ودَّع إخوانه بدمنهور وتوجَّه إلى الصعيد لتبدأ مرحلةً جديدةً من حياته.

 

نشط في العمل الدعوي في مدن الصعيد، وظل محتسبًا صابرًا حتى قامت الثورة، وهو ما زال يعمل في إدفو حتى نُقل مرةً أخرى إلى أبي المطامير بالبحيرة بعد أن أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بإعادة الموظفين الذين نُقلوا من بلادهم لأماكن أخرى بسبب انتمائهم للإخوان المسلمين، وقد عاد إلى أبي المطامير عام 1953م.

 

وبعد أن ساءت العلاقة بين الإخوان ورجال الثورة وحدثت حادثة المنشية في 26/10/1954م، واعتقال الآلاف من الإخوان شُددت الرقابة عليه في البيت والعمل، ثم نُقل إلى تفتيش كوم حمادة، وتعرَّض لأزمةٍ ماليةٍ لدرجة تعذر توفير الخبز للأولاد، حتى إن أحد القياسيين كان يشتري لهم الخبز بالأجل، وبالرغم من ذلك كان شيمته الصبر، ومرت الأيام مريرةً عليه وعلى أسرته بسبب الضيق النفسي الذي كانوا يحيون فيه للمراقبة الدائمة حتى كانت ليلة 8/9/1965م، والتي حُوصر فيها منزله وتم اعتقاله لأنه خطير بنسبة تزيد على 60% على حدِّ قول الضابط؛ وودَّع أهله ورحل إلى السجن الحربي؛ حيث فُتحت عليه أبواب جهنم واستقبل بالكرابيج والضرب، واعتقل معه الحاج حامد الطحان ومبروك هنيدي، وفي داخل السجن الحربي حقق معه وأُفرج عنه بعد أيام ثم حققت معه مباحث دمنهور ثم أخلت سبيله، وبعد خروجه شددت عليه المراقبة حتى طلب منه ألاَّ يُغادر كوم حمادة إلا بتصريحٍ مسبقٍ من المباحث، ووصلت درجة التضييق أنه أثناء زيارته لأهله بكفر الشيخ كانت مباحث كفر الشيخ تلغي الزيارات أحيانًا قبل أن يرى أهله، وبعد هزيمة 1967م، تم تحويل ملفه إلى اختصاص مكتب مباحث مديرية التحرير، وكان يستدعيه يوميًّا بل كانوا يترددون عليه يوميًّا في عمله وبيته.

 

صدرت أكثر من حركة ترقية وتنقلات لكنه حُرِمَ منها بسبب انتمائه للإخوان حتى صار مرءوسًا لزملائه ممن هم أدنى منه في الأقدمية والمؤهل، لكنه كان قد تربَّى على الصبر، حتى توسَّط له الأستاذ عباس السيد أحد المفتشين وتمَّت ترقيته ونُقل لكفر الشيخ، وبعد أن انتقل استدعاه الضابط نبيل سويلم ليخبره بالحضور إليه مرةً كل أسبوع كما طلب منه أن يحضر له كل الخطابات التي تصل إليه من صهره الأستاذ عبد المنعم مكاوي.

 

وبعد انتقاله لكفر الشيخ عام 1969م، وموت عبد الناصر نشط في تبليغ دعوة الله وسط الشباب حتى تم اعتقاله هو وصهره الأستاذ عبد المنعم مرةً أخرى ونجله حسن في أكتوبر 1981م، وتم ترحيله إلى سجن بور سعيد كما رُحِّل نجله إلى سجن المنصورة ومنه إلى طرة.
وأثناء القبض عليه قال له الضابط في لهجةٍ جافة: "أنتم ربنا حينتقم منكم لأنكم سيطرتم على الشباب بفكر معوج"، فردَّ عليه بعزيمةٍ وإيمان قائلاً: "لو أن غيرك قالها... فأنتم تعلمون كم بذلنا من جهدٍ لضبط عواطف الشباب"، وقد اعتقل معه عددٌ من إخوان كفر الشيخ أمثال الدكتور محمد فؤاد عبد المجيد وموسى زايد، وظلَّ في السجن حتى أُفرج عنه بعد عشرة شهور.

 

لحظة وداع

بعد خروجه من المعتقل أخذ يتنقل بين ربوع المحافظة يُعلِّم الشباب ويُربيهم على الفهم الصحيح الذي جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعمل الإمام البنا على غرسه في نفوس الشباب وعاونه إخوانه الذين آمنوا بدعوةِ الله وحملوها بكل حبٍّ وإخلاصٍ ونهضوا بها حتى انتشرت داخل كفر الشيخ.

 

وفي 30/7/1990م، رحلت شريكة حياته التي كانت تُخفف عنه هموم الدنيا وظلَّ متذكرًا لها حزينًا على فراقها حتى لحق بجوار ربه يوم 17/11/1992م، كما لم تمضِ سنوات معدودة حتى لحق بهما صهره ورفيقه على الطريق الأستاذ عبد المنعم مكاوي في مايو 1998م.
فعليهم جميعًا رحمة الله ورضوانه.

 

-----------

المراجع:

1- علي أبو شعيشع: يوميات بين الصفوف المؤمنة، دار التوزيع والنشر الإسلامية،1421هـ، 2000م.

2- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2005م.

3- حديث شخصي مع الدكتور حسن أبو شعيشع.

-------

* باحث تاريخي- Abdodsoky1975@hotmail.com