تصفو أنفسنا وتستبشر كلما اقتربت بنا سفينة الحياة من أيام الجنة، أقصد أيام الحج العظيمة، ففي كل صلاةٍ نُنادي المولى جلَّ وعلا، ونستقبله سبحانه في بيوتنا، وقد أخذنا زينتنا وطهرنا أماكن سجودنا، أما في الحج فإننا نُنادي المولى جلَّ وعلا فيدعونا سبحانه ويستقبلنا، ولكن في هذه الأيام المباركة يستقبلنا في بيته هو وقد قام بتطهيره خليله إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: من الآية 125).
وفي بيوتنا وباختلاف وتفاوت الحالة الاجتماعية لكل شخصٍ فإن المكان المعد لاستقبال الضيوف يتميز عن باقي أرجاء البيت بنظافته وتوفر بعض الترتيبات فيه مع إضافة بعض الزينة إليه، فهذا للضيف العادي من البشر العاديين، فما بالنا بالله تعالى وهو يستقبل ضيوفه، فنجده سبحانه يتخير خير الأرض وأحبها إليه؛ حيث رُوي في صحيح ابن ماجةَ (2533) قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "والله، إنك لخير أرض الله، وأحب أرضِ الله إلى الله".
وميَّزه سبحانه بأنه أول بيتٍ وُضع للناس.. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)﴾ (آل عمران)، وزيَّنه سبحانه بالكعبة المشرفة، وفي كل عامٍ يصطفي من عباده مَن ينالهم حسن ضيافته، فيشعر الحاج وكأنَّه في الجنة وحتى اختيار آدم وحواء في الجنة يسري عليه فهناك أشياء يتمتع بحلالها طوال العام، ولكن في هذه الأيام المباركات، وعلى هذه البقعة المباركة يُحرِّمها سبحانه اختيارًا وتمحيصًا كما حرَّم الأكل من الشجرة على آدم وحواء، ففي الجنة مَن أراد أن يتمتع بفضل الله ورضاه لا بد له من اتباع أمره.
فإن نجح في جنة الأرض الفانية، فالجزاء من جنس العمل، وهي الجنة الباقية الدائمة، فعن جابر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وهذه هي هدية الله الخالدة لضيوفه الحجاج إن أحسنوا واتقوا، فقد حرَّم الله في هذه الأيام على الحجاج لقاء الزوجين الشرعي، وهو حلال، بل يُرغِّب فيه سبحانه الزوجين ويُجزل لكليهما الأجر والثواب الجزيل، وسبحانه يُطهِّر أخلاق العباد من كل شائبةٍ حتى يشعر الحاج ولو لعدة أيامٍ كم هي حياة الصفاء والاصطفاء سعيدة، فلا فسوقَ ولا جدالَ في الحج.
وحتى الحيوان أمَّنه الله في هذه الأرض المباركة، وحرَّم صيده في تلك الأيام النورانية فنجد الابتسامة على وجوه الحجاج مهما لاقوا وعانوا من متاعب، ويتنافس الجميع على إماطة الأذى عن الطريق والمحافظة على بقاء الأماكن نظيفة، وكل حاج جاء لله صابرًا محتسبًا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يتسابق من أجل الحصول على أحسن مقعدٍ بالطائرة، ولا أحسن حجرةٍ بالفندق، ولا يُميِّز نفسه بأفضلية، بل يتنازل لإخوانه راضيًا بما عند الله، ولا نجده يتشاجر أو يظهر التأفف والتبرم من الزحام وتأخير الوقت الذي قد يمتد إلى ساعاتٍ وهو محشور داخل الباص، بل نجد لسانه ذاكرًا وقلبه ملبيًّا.
ويتضح ذلك على وجهه بابتسامةٍ شبه دائمة، وكما أنه لا يقطع زهرةً ولا شجرةً، ولا يؤذي طيرًا ولا حيوانًا، يفعل ذلك مع ضيوف الرحمن فلا يؤذي مسلمًا في هذا البيت العتيق والأرض المباركة، بل صادق الصبر في كلِّ أفعاله وتصرفاته حتى ينجح في الاختبار فيحصل على هدية الرحمن، وهي الجنة الخالدة، دومًا لا يصبو إلا إليها ولا يرى سواها بكرم الله ورضاه.
ويستمر إصرار الحاج على تحري الحب والوئام مع الآخرين، ويكون في حالة ذكرٍ دائمٍ لله سبحانه.. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: من الآية 203)،﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 198)، ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: من الآية 28)، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: من الآية 198)، ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (الحج: من الآية 28)، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (الحج: من الآية 36)، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: من الآية 200).
فيتفاعل مع تلك الآيات، وينشغل بذكر الله فيمتلئ قلبه بحبه فيكون هو سبحانه شغله، ولِمَ لا وقد سمح له أن يطوف حول البيت الحرام فيتذكر طواف الملائكة حول عرش الله.. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (الزمر: من الآية 75).
فيحاكيهم ويُسبِّح الله طوال طوافه، وتتوافد عليه أفعال الآياتِ وليس تلاوتها فقط.. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (غافر: من الآية 7) فيجدد العهد إيمانًا وإخلاصًا لله ثم يرهف السمع لدعائهم.. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: من الآية 7)، فيستغفر لنفسه ويطلب العفو للمؤمنين جميعًا الأحياء منهم والأموات، ويردد دعاءهم وهو يطوف حول البيت العتيق.. ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: من الآية 7)، وما زال يردد دعاء الملائكة، ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(8)﴾ (غافر)، ويشعر بتجاوبٍ كبيرٍ مع هذه الأدعية المبهرة.
وما زالت الأشواط لم تنتهِ فيستمر في ترديد دعاء الملائكة الأطهار..﴿وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (غافر: من الآية 9)، فيشتاق للملائكة والصالحين فيلح على الله بالدعاء أن يمنَّ عليه بالجنة ليلتقي بهم؛ فييسر سبحانه على الحجيج التوبة والاستغفار بحطِّ الخطايا، فيُروى عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطًّا".
وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" (صحيح الجامع للألباني (1629) إسناده حسن).
وبعد أن ينتهي الطواف سبع مرات بسبع سموات يستشعر الحاج وكأنه اقترب كثيرًا من رضا مولاه فيصلي ركعتين عند مقام إبراهيم يجدد العهد مع أبيه وأبو الأنبياء الذي سمَّاه من قبل مسلمًا، ويؤكد لإبراهيم عليه السلام أنه على دربه يسير ويقتدي بهداه ويسقيه سبحانه شربةَ ماء زلول تخفيفًا عليه ومعونة له وشد من أزره، وله أن يطلب من الله ما شاء، وما أراد، فهو لا يعجزه شيء سبحانه في الأرض ولا في السماء، فهو إلهٌ عظيمٌ قادرٌ مستجيب، وقد استجاب من قبل لأمه هاجر، وها هو السعي ليس منه ببعيد، فليسع سعيها ويتذكر أمرها ويدعُ ما شاء من الدعاء وهو يتذكر قول الله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: من الآية 197)، فسبحان الله!!
المطلوب التزود من العمل الصالح، فليس المطلوب فقط العمل الصالح، ولكن التزود منه لنتزود به على التقوى التي لا تأتي من فراغٍ، ولكنها أعمال خير وصلاح وبالإكثار منها لله تكون التقوى، وهي خير الزاد فأخذ في سعيه يعاهد الله على حياةٍ جديدةٍ لا يشوبها كدر من الآثام، ولنتركه في رحاب السعي، ولنا لقاء بإذن الله مع بقية المناسك وجنة الأرض للمسلم.