- الجحود وقطيعة الأهل جريمة يعاقب عليها الإسلام
- "امتلاك الزوج" حالة مرضية تصيب بعض السيدات
- الإصلاح يحتاج لنهضةٍ جماعيةٍ وتحسين أداء الإعلام
تحقيق- مروة مصطفى
حالة غضب تجتاح الزوجات يطالبن بالاستقلال والعودة إلى أحضان الأهل في نفس الوقت الذي يسعون لقطيعة أهل الأزواج.. وهنا تساؤل يطرح نفسه: ما أسباب ذلك؟ مَن الجاني ومَن المجني عليه؟ هل أصبح بيت العائلة آيلاً للسقوط؟
إبراهيم عبده- محاسب- يحكي عن معاناته من زوجته؛ حيث تزوجا في شقةٍ في حيٍّ راقٍ وبعد إنجابها بدأت تلحُّ عليه ليأخذ شقةً بجوار أهلها في منطقةٍ شعبيةٍ فاستجاب لإلحاحها، وبدأت شروطها تتوالى؛ حيث رفضت زيارة أهله لها في شقتها فثار لأهله، فخيرته بين قبول الشرط وإلا الطلاق، فاختار الأمر الأخير، ولكنه يتساءل: ما ذنب ابنته الصغيرة أن تعيش في أسرةٍ مفككة؟!
خرج ولم يعد
محمود علي- رجل أعمال- تزوَّج في بيت أهل زوجته وأنجب منها، ولكنه لم يجد راحته فأخذ شقةً مستقلةً ولكنها لم تعجب زوجته وتشاجرا وتزوَّج غيرها، فجاءت بطفليها لتقيم معه هو وزوجته الثانية في نفس الشقة، وأصبح لكلٍّ منهما حجرة لها ولأولادها، واضطرتْ أن ترضى بالأمر الواقع.
جنة ونار
زكية أحمد- ربة منزل- تزوجتْ مع حماتها في نفس الشقة وتشكو من تدخلها في أدقِ التفاصيل بينها وبين زوجها، ولا تجد راحتها، خاصةً لوجود شقيق زوجها معهم في الشقة وحتى بعد استقلالهم عاشوا في بيت العائلة، وما زالت شكواها من تدخلهم في تربية ابنتها وتمييز الذكور على الإناث، وها هي ابنتها تعاني من حالةٍ نفسيةٍ تحتاج لتدخل متخصصين.
نموذج مختلف استأثرت به هاجر أسامة- أخصائية تحاليل طبية- حيث تزوجت في شقةٍ مستقلةٍ ثم أغلقتها لتعيش مع أهل زوجها المكونين من أمه وأخته وجدته، وتؤكد أنها مستقرة وسعيدة بالعيش وسطهم وسبل الراحة مُوفَّرة لها ولابنيها، ولا تتمنى أن تذهب لشقتها أبدًا.
الرضا بالمقسوم
جذبت انتباهنا زينب صلاح- ربة منزل- بقصتها حيث عاشت 25 عامًا في بيت العائلة، وترى أنها حياةً حافلةً بالمودة والتعاون، ورغم تقلُّب الظروف وطلاق أختها من شقيق زوجها، إلا أن ذلك لم يُؤثِّر في معاملتهم لها، فلم يمنعها زوجها من زيارةِ أختها، وهي تكن الحب والتقدير لزوجة شقيق زوجها التي احتلت مكان أختها، ولكنها لا تنظر إليها بهذه النظرة، ولا زالت تعيش حياتها الراضية المستقرة.
دائرة المسئولية
تدور فيها سناء لاشين- مهندسة- والتي عاشت في بيت العائلة 15 سنةً، وبعدها طلبت من زوجها أن يبني في بيت أهلها حتى تتمكَّن من خدمة أمها المريضة، وتبقى بناتها في كنف أخواتها، ولكنها وجدت نفسها في دوامةٍ من المسئوليات بين عملها وشئون بيتها وأولادها وزوجها وأمها المسنة المريضة، وفوق كل ذلك مرضها المفاجئ، وهي تطلب من ربها أن يمد في عمرها لتخدم أمها، ولكنها تشعر بالتقصير في حقِّ الجميع، ولسان حالها يقول: "إنني أدور في دائرةٍ مغلقةٍ، لا فرق بين بيت أهلي وأهله، كلها مسئوليات، وأحيانًا الناس البعيدون يكونوا أكثر تفهمًا للأمور من الأهل ذاتهم.
النفس الطويل
د. فاطمة عبد الستار- أستاذ علم الاجتماع جامعة الأزهر- تضع أيدينا على أسباب المشكلة؛ حيث إنه في بداية الزواج يحاول كلٌّ من الزوج والزوجة أن يثبت شخصيته المستقلة، ومع تدخل طرفٍ ثالث تظهر أمور غير مرضية منها الشعور بالقهر والإحباط وأسلم الطرق لتفادي هذه المشكلات هو الاستقلالية، بحيث يُدير الزوج مع زوجته حياتهما وعندما يحتاجا لمشورة الأهل لا بأسَ من ذلك، خاصةً إذا أعدَّ الزوج- أو الزوجة- نفسه ابنًا لهذه الأسرة الجديدة سيتقبَّل منهم.
وتحب أن تهمس في أذن كلِّ زوجةٍ أن تجعل سياسة النفس الطويل سياستها، وتنظر بعينها إلى الواقع الذي نحياه من ارتفاعٍ في نسبة العنوسة، وتدهور الأحوال الاقتصادية؛ لأن أهل زوجها يُوفِّرون لها جوًّا عائليًّا متوازنًا لتربية أولادها، وقد تستعين بهم في رعايتهم، خاصةً لو كانت عاملة، ووجود الشقة في بيت الأهل تُوفِّر لها إيجار الشقة؛ مما يساعد في تدبير شئون منزلها.
التنشئة الخاطئة
وترى د. جيهان بيومي القط- أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان- أن أكثر الأسباب التي أدَّت إلى هذه المشكلة هي التنشئة الاجتماعية الخاطئة، فأصبحنا نُربي أبناءنا على الاعتماد على غيرهم في إنجاز المهمات، والتدليل الزائد للبنات يجعلهن غير مؤهلاتٍ لتحمُّل مسئوليات بيوتهن، فلا تجد البنت حلاًّ أمامها سوى اللجوء إلى أهلها لتدبير شئون بيتها، كما أن وسائل الإعلام شوهت الأفكار عند الأسرة المصرية، فجسدت الحماة بأنها عدو لا بد من محاربته بكل الطرق، والحماة ترى أن قسوتها مفتاح كرامتها وحماية ابنها، وأضافت أن التجمل أثناء فترة الخطوبة جعل الطرفين يصطدمون بالحقيقة بعد الزواج ليرى كل منهما الآخر على حقيقته، كما أن قوانين الأحوال الشخصية تعدت بالمرأة مرحلة الندية بالرجل فأصبحت عاملةً لها ذمة مالية مستقلة تساهم ماديًّا في البيت، فكلمتها مسموعة وإصرارها على تنفيذ القرارات غير قابل للنقاش، لسنا ضد إعطاء المرأة حقوقها، ولكن الديانات السماوية حددت الأدوار لكل طرفٍ، فلو التزم كل منهم بدوره لأتقنه، وكان الآخر راضيًا، فكل ميسر لما خُلق له.
إعداد وتدريب
وترى أن الحلول تكمن في تطبيق تعاليم الإسلام؛ حيث نمط الحياة الاجتماعية وتحديد حقوق، وواجبات كل الأطراف، ويليها في الأهمية: تعديل أداء وسائل الإعلام تمهيدًا لتعديل المجتمع، ثم اهتمام مؤسسات المجتمع بالتربية في كل مراحلها، والاهتمام بالوازع الديني وإحياء دور المساجد في تثقيف الشباب ثقافةً دينيةً اجتماعية، وأخيرًا دور مكاتب الاستشارات الأسرية التي ظهرت أخيرًا.
هذه المكاتب تعد دوراتٍ تدريبيةً منها دورة تحت عنوان (إعداد الزوجة الصالحة) وتعليمها فنون الطهي، وتحمل مسئولية مصروف البيت والطرق الناجحة للتوفير وفنون الإتيكيت مع زوجها وأسرتها الجديدة، واستكملت حديثها بأن السير في طريق الإصلاح يحتاج لنهضةٍ جماعيةٍ والحلول الفردية لا تأتي بنتائج فعَّالة، ورسالتها للزوجات تقول: ارفعي من قيمة زوجك سترتفع قيمتك وحبي أهله تستأثري بحب الجميع.
مريضة نفسيًّا
الدكتورة إحسان محمود فهمي- أستاذة الأمراض النفسية جامعة بنها- تحلل لنا شخصية الزوجة التي تعاني من مرض حب التملك لزوجها، وترى أنه درجات منها المقبول ومنه العكس، وكون الزوجة تريد الجلوس جوار أهلها فهذا مردودة أنها لم تنفطم عنهم، وكنا قديمًا نرى الزوج مع الزوجة في بيت أهله، ولكننا الآن نرى أهل الزوجة يعيشون معها في شقتها نفسها لمشاركتها الإنفاق على البيت، وهذا النوع من الزوجات يرى في (بيت العائلة) نظامًا فاشلاً، يشبه الرقص على السلم لم يعطها الاستقلالية، كما أنه لم يدبر لها شئونها بالصورة الاعتمادية، وهذه الشخصية مريضة نفسيًّا، وحبها أناني عبر عنه الشاعر (وأغير من اللي يصون هواكِ أكثر مني)، ولو كانت تتمتع بشخصية قوية سوية لما كان هذا حالها.
وترى د. إحسان: أن الحلول تتركز في الآتي:
لا بد أن يكون واضحًا فإذا اتفق الزوج أن يعيش في بيت العائلة ثم تراجعت الزوجة، فعليه أن يكون قويًّا، ويصمد أمامها ويقنعها ويحل مشاكلها، ولو وصل الأمر للطلاق أعتقد أنها ستتراجع إلا في حالةِ التعدي على حقوقها من جانب أهل زوجها، فهنا ستختار الطلاق، والنقطة الثانية هي: مَن أين نستقي ثقافة الحقوق والواجبات؟
وتقول: إن للإعلام الهادف دوره في نشر الثقافة، خاصةً البرامج الدينية، ويليه تربية الأبناء على الحق والواجب والالتزام بالميثاق، ولكنها ترى أننا بحاجةٍ لتربية الآباء على الحقوق والواجبات قبل تربية الأبناء، فهم الأولى به الآن، ففاقد الشيء لا يعطيه.
الزوجة الأصيلة
ويوضح د. أحمد عبد الرحمن- أستاذ الفلسفة والأخلاق الإسلامية- أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بالعلاقات الطيبة مع الناس، وشدد عليها في حال النسب والمصاهرة؛ لأن الزيجات الناجحة سعادتها مرهونة بالعلاقات بين الأسرتين والتقاليد المصرية القديمة وعت هذا المعنى، واشترطت في الزواج اختيار الأسرة قبل اختيار الزوجة فالبيت الصالح يخرج لنا ثمرة صالحة تكون الزوجة فيه متحليةً بروح العون والمودة، قابلةً للنصيحة قادرة على احتواء مَن حولها من أهل زوجها ببرها وإحسانها وخدمتها لحماتها وتتشرف بلقب (الزوجة الأصيلة)؛ ولأن الإنسان من خصائصه التباين الذي من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، فترى النموذج الثاني زوجًا جاحدًا لأهل زوجته والأشد زوجات ناكرات لمعرفة أهل الزوج يشترطن القطيعة، لقد تناست بعض الزوجات الأوامر القرآنية بصلاتِ الأرحام، وتجاهلن الأحاديث النبوية بالبر والإحسان.
النضج الاجتماعي
ويتساءل د. أحمد عبد الرحمن: أين النضج الاجتماعي الذي كانت تتمتع به أمهاتنا الريفيات البسيطات ليعلمن بناتهن حقوق الآخرين عليهن، لا نراه الآن، ولكن نرى الجحود وقطيعة الأهل الذي لا يمكن وصفه إلا بالجريمة، ووجدنا نتيجته في حياةٍ منزوعةِ البركة؛ لأن التدين ثراء النفس ماليًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا وسعادة بكل المقاييس، فيقول سيدنا عمر بن الخطاب: "مَن لم يدخل جنة الدنيا لن يدخل جنة الآخرة"، ونفس الفكرة يؤيدها علم النفس بأن جحود الإنسان لمَن حوله يورثه المرض، فالسعادة الحقيقية في الاستقرار والشعور بمحبةِ الآخرين، والخير طبيعته متبادلة، فإن فعلت الخير فلن تجني إلا الخير.