- تأليف: جون جوزيف

- ترجمة الدكتور: عبد النور خراقي

- سلسلة عالم المعرفة رقم 342 أغسطس 2007م

- قرأه وعلَّق عليه وناقشه الدكتور خالد فهمي (كلية الآداب- جامعة المنوفية)

 

إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم!
بهذا المفتتح الخلدوني استهلَّ المترجم الدكتور عبد النور خراقي ترجمته للكتاب المهم (اللغة والهوية) الذي ألَّفه اللساني ذو الأصول العربية جون جوزيف، ونُشرت ترجمتُه في واحدة من الدوريات أو السلاسل الشهيرة الراقية، وهي سلسلة "عالم المعرفة" التي يُصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت في شهر أغسطس سنة 2007م.

 

وقد شاع أمر العناية بهذا الموضوع في أروقةِ كثيرٍ من المؤتمرات اللغوية في العالم العربي منذ زمن ليس بالبعيد، ولا سيما فيما ينعقد من مؤتمراتِ جمعيات التعريب المصرية واللسان العربي ودار العلوم، وقد كان هذا الشيوع مثيرًا للانتباه لخطرِ ما تمثِّله العلاقة العضوية بين اللغة والهوية، ومثيرًا لأمر آخر، هو توحيد التيارات الفكرية في الاجتماع على الإجماع القاضي بالنظر إلى أمر العلاقة بين هذَين المصطلحَين من باب الضرورات، حتى استقرَّ النظر إلى أمر مناقشة هذه العلاقة على أنها من ضرورات الوقت، وواجبات المرحلة!.

 

وإذا كانت عبارة ابن خلدون التي افتتحنا بها هذه القراءة موجزةً مكثَّفةً، مع تناغمها مع فلسفة ابن خلدون التي تُقرِّر في مبدأ آخر له حضورَ الحاكم، وهو أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، لا يشذ من ذلك أمر اللغة؛ فإن تفصيلاً أكثر لهذه العبارة الموجزة يمكن أن نقرأه فيما كتبه كثيرٌ من المراقبين، الذين صدمتهم بعض الحقائق المنبثقة من خطر تفسُّخ العلاقة بين اللغة وهويتنا.. يقول فهمي هويدي في مقالته الرائعة: "عروبة الخليج من واجبات الوقت" جريدة (الشرق الأوسط) 10241 يوم الأربعاء 13 ديسمبر 2006م ص 15: "ثمة أسباب متعددة للهزيمة اللغوية التي مرَّت بها الأمة العربية، لعل أهمها حالة الهزيمة الحضارية والسياسية المخيمة التي جعلت المغلوب يسعى إلى تقليد الغالب وتمثله؛ مصداقًا لمقولة ابن خلدون، ونحن نشاهد تقليد ذلك التقليد في مختلف نواحي السلوك الاجتماعي؛ الأمر الذي لا يستغرب منه أن ينسحب التقليد على لغة التعامل بين الناس"!

 

من أجل هذا وكثير جدًّا غيره، تأتي قيمة هذا الكتاب الذي لا نبالغ إن قررنا أن المشهد الثقافي العربي كان في أمسِّ الحاجة إلى صدور ترجمته العربية، لا لغرابة الموضوع على الساحة الثقافية والعلمية العربية، ولكن لأن مسألته المعرفية التي يعالجها جاءتنا عن طريق أنابيب ثقافية تعلن هيمنتها على الساحة العالمية؛ ولأننا نعيش مرحلة الوقوع في أسر اللسان الإنجليزي!

 

جاء الكتاب في ثمانية فصول يتقدمها مدخل، ويتلوها خاتمة كما يلي:

مدخل 13- 16

1- مقدمة 17- 34

2- الهوية اللغوية ووظائف اللغة وتطورها 35- 66

3- مقاربة الهوية في التحليل اللغوي التقليدي 67- 100

4- وجهات نظر متكاملة من تخصصات مجاورة 101- 130

5- اللغة والهويات القومية 131- 180

6- دراسة الحالة (1) شبه قومية هونج كونج 181- 218

7- اللغة في الهويات الإثنية/ العرقية/ والدينية/ الطائفية 219- 258

8- دراسة الحالة (2) هويات المسيحي والمسلم في لبنان 259- 298

الخاتمة: الهوية ودراسة اللغة 297- 335

 

هدية الهوية

يقرر جون جوزيف في مفتتح مقدمته التي تأتي في الحقيقة، وهي تمثل نقطةً مركزيةً لبناء الكتاب لا يمكن أن يُستغنَى عنها، قائلاً: (ص 17): إن هويتك بكل بساطة هي ماهيتك.

 

وواضح جدًّا أن ثمة مظهرَين أساسيَّين لهوية الإنسان يمكن إجمالهما في ما يمكن أن نسميهما: عناصر التميز الكامنة في إنسان ما، وشيئًا آخر معقَّدًا عميقًا، مثقلاً برواسب الدين واللسان، وهو ما يمكن أن نسمِّيَه باسم الروح بالمعنى الثقافي، وليس البيولوجي الأحيائي.

 

وفي هذا السياق لا نملك إلا أن نقرر أن اللغة تلعب دورًا فاعلاً في تشكيل هذه الماهية الإنسانية، وفي صبغ هذه الروح؛ مما يجرُّنا إلى حقيقة التداخل بين الهويات الفردية، التي لا يمكن بحال أن تنفصل عن الهويات الجماعية التي تغذي رغمًا وقهرًا الهويات الفردية.

 

لقد تداخلت عناصر كثيرة في بناء هذه الهوية أو الماهية، حتى وهي تتسرَّب في مصطلحات أخرى، من مثل الذات والشخص، أو روح الشعب والجماعة، أو الشخصية والقناع، أو الفاعل والذات، أو التعرف والتعريف، لكن تظل كلمة "الهوية" هي الكلمة التي ترمز إلى معنى ماهية الناس! وهي الكلمة الفائزة التي تصدَّرت السباق.

 

وقد كان النجاح الذي حققته هذه العلاقة اللغوية أن كل بدائلها رهينٌ بسوء استقبال بعض إلى سوء تأويلها، لاختصام علوم كثيرة حولها، ومن هنا ارتقت الهوية في الاستعمال العلمي!!
لقد ناقش جون جوزيف بعض الآراء التي قرَّرت أن اللغة أنتجت الهوية وولدتها، مؤكدًا أن ظاهرة الهوية في عمومها يمكن أن تُفهَم باعتبارها ظاهرةً لغويةً؛ لدرجةٍ وصل فيها إلى القول بأن تشكل تصورات الهويَّة كامنٌ في بعض أركانه على طرائقنا في الكلام، أي أن الهوية في بعض تصوراتها منجز لساني لغوي!

 

ومن الخطر أن نذهب مع جون جوزيف عندما يقرِّر أن المشكل يكمن في ارتباط الهوية باللغة ذاته قد حظى بأهمية بالغة.

 

ويبدو أن التوترات الناتجة من تعدد الأصول الوراثية للدكتور جون جوزيف مؤلف الكتاب، لدرجة أننا يمكن أن نقول إن ما ساقه من مناقشات لآراء سماتس، وأندرسون، وإيتيان بونوت وغيرهم قادت إلى رأي يمثل صدمة للقارئ عندما قال (ص 34)، وفي النهاية آمل أن أكون قد بينت أن اللغة والهوية منفصلان في نهاية المطاف، وهو لم ينقل هذا البيان الذي أشار إليه بل إن الالتزام الثابت هو أن اللغة مشروع مستمر مدى الحياة في تشكيل ماهيتنا!

 

الهوية اللغوية ووظائف اللغة وتطورها

من الشائع الثابت في أدبيات الدرس اللغوي أن وظائف اللغة تكاد تنحصر في التصور التقليدي في وظيفة الاتصال أو التواصل مع الغير ثم تطور النظر إلى الوظيفة ليقال مسألة تمثله الكون ليصل إلى أن تكون وظيفة اللغة كامنة في أنها نشاط إنساني موسع!

 

ومن هذا التفريغ أمكن النظر في بعض الأحيان إلى أن الهوية اللغوية وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتفاعل اللغوي بين الناس ونوع من التواصل الاجتماعي.

 

على أن اللافت للنظر هو إقرار اعتبار الهوية وظيفة ثالثة أساسية ومعتبرة للغة، ومن جانبٍ آخر نستطيع القول بأن الهوية فرعٌ للتمثل الذي تقوم به اللغة للكون، ومن هنا فإن إدراك اللغة دون اعتبار للهوية لن يكون تامًا أبدًا.

 

وعن طريق القراءة أمكن أن نلمح أو نقرأ هويات الناس الذين يحيطون بنا، وتربطنا بهم علائق اعتمادًا على الميزات السلوكية الدقيقة دون أن نهمش منها الميزات اللغوية التي لا نبالغ إن قلنا إنها تحتل مركز الصدارة.

 

* مقاربة الهوية في التحليل اللغوي التقليدي

إن الانطلاق من حدود المفهوم الوظيفي للغة عند دوسوسير المتأثر بالعلاقات الاجتماعية وهو ما قاد إلى القول: إن اللغة تجسد العلاقات الاجتماعية لمستعمليها، وضمن هذا المفهوم، فإن الهوية الاجتماعية حاضرة في اللغة ذاتها، ومن هذا المنطلق أمكن تمييز الاتجاهات التالية:

 

1- الانتقال من فهم تلك المظاهر اللغوية المرتبطة بالهوية على أنها مجرد نتيجة ثانوية لنشاط آخر إلى كونها نشاطًا وظيفيًّا مباشرًا، ومهمًّا قائمًا بذاته.

 

2- الانتقال من فهم اللغة نفسها باعتبارها بناءً محددًا يحدد مباشرة مظاهر مهمة من حياة متكلميها إلى كونها شيئًا يتحكم فيه المتكلمون أنفسهم ويستعملونه لأغراضهم الخاصة.

 

3- الانتقال من التركيز بشكلٍ متفردٍ على هوية الذات لشخص أو جماعة ما إلى أهمية مماثلة للتأويلات التي يقوم بها الآخرون بشأن هوية شخصٍ أو جماعةٍ ما.

 

4- النظر إلى الهوية اللغوية على  أنها شيء متقلب ومتغير لكونها تتشكل وتتمثل!
وهذه المظاهر تُمثِّل خطرًا شديدًا من وجهة النظر الإسلامية؛ ولذلك ستعطي الفرصة لتمرير كثير جدًّا من قضايا العولمة اللغوية تحت ستارٍ من خلخلة العلاقة العضوية بين اللسان أو اللغة أو الذات أو الهوية، وهو وجه حداثي متسرب في ثنايا الكتاب الخطير الذي يمثل ولا شك حلقة جديدة في مقدمة التبشير بغلو الأفكار التي تنال من ثبات العلاقة بين اللغة والهوية.

 

ويظهر هذا التأرجح في أكثر من نقطةٍ في الكتاب الأمر الذي ظهر في أحيان كثيرة فيما يشبه المفارقة إذْ لم يستطيع جون جوزيف أن يُنكر أن اللغة وهي أداة لنقل الفكر جزء أساسي من الماهية الإنسانية.

 

ومن خلال استعراض ثنائيات مهمة في الدرس اللغوي المعاصر أمكن أن يصل جون جوزيف إلى إقرار أن الهوية لم تغب مطلقًا عن مقاربات التحليل اللغوي على اختلاف المدارس اللسانية، ومن أمثلة ذلك الوصول إلى ما يلي:

 

أ- إن الهوية الاجتماعية حاضرة في اللغة نفسها (فولوشينوف).

ب- إن إدراك المرء الحي للعالم يتحدد ببنيته اللغوية القومية (سابير)

ج- لقد كان علم اللغة التطبيقي النقدي مؤثرًا في إقناع أساتذة اللغة الأجنبية بأن للعمل الذي يمارسونه تأثيرًا مباشرًا على الهويات (هاليداي) هذه أمثلة تلخص المقاربات التي عالجت شكل الهوية في الدرس اللغوي الذي اكتفى جون جوزيف بوصفه بالتقليدية دون أن يوجه لهذه الأدبيات أي انتقادات مؤثرة قادرة على إقناع القاريء حتى هذه اللحظة بإسقاط الحقيقة القاضية بأن اللغة والهوية يتعاقبان تعاقبًا يصعب إن لم يكن مستحيلاً الفصل بينهما مهما اختلفت مداخل المناقشات أو المقاربات.

 

اللغة والهويات القومية.. طبيعة الهويات القومية

افتتح المؤلف هذا الفصل مقررًا أن الانطلاق من اللغة وما تقدمه من رسم للطبيعة الروحية للإنسان تقود إلى التقليل من أهمية الحواجز الخارجية.

 

وإذا كان الحديث عن لفظ الأمة باعتبارها كلمة غامضة على حد جون جوزيف فإن من المهم أن تتفهم السر وراء هذا التقويم بين يدي هذا الفعل صحيح أن قدرًا من العلاقات الشائكة تكتنف تحديد المكونات الدلالية لهذا اللفظ العميق المشكل لكنه ليس غامضًا!

 

وقد قاده هذا إلى أن يقرر أنه ليس ثمة أحكام مطلقة تتعلق باللغة والهوية القومية لقد كانت الأمثلة التي قادت جون جوزيف إلى هذا الرأي المقلل من قيمة الارتباط بين اللغة والهوية هي المسئولة عن ذلك التوجه؛ ذلك أنه استقاها جميعًا من خلال ما يسمى بالمركزية الغربية التي تركن إلى تتبع علامات الظاهرة في الوسط الغربي فقط.

 

وقد كان للتبدلات التي أصابت اللغات الكبرى في الغرب بدءًا من اللاتينية أثرها في توجه فكر جون جوزيف، وهو الأمر الذي يخرج نطاق تطبيقه عن حدود اللسان العربي المرتبط عضويًا قابلاً ومؤثرًا بالقرآن الكريم!

 

ومن ثَمَّ فإن النتائج التي رتبها جون جوزيف من تأمل حالات اللغة الإيطالية مثلاً؛ الأمر الذي قاد إلى أن يقرر في غير صراحة أن الهوية القومية الإيطالية قائمة بمعزل عن اللغة!
غير صحيحة التطبيق على العلاقة في ارتباطها باللسان العربي التي لعبت اللغة العربية فيما ُسمَّى بظاهرة المعجم الإسلامي أو الألفاظ الإسلامية إذا لعب هذا المعجم دورًا مؤثرًا في تشكيل المفاهيم الشرعية والعقدية ومحل تصورات الدين الجديد التي شكلت تحايز الهوية الإسلامية عبر أنبوب اللغة.

 

ومن هنا فإن علينا ألا نصدق الفكرة غير المدعومة التي يقول فيها: من المهم أن نلاحظ أنه على الرغم من كل هذه المزاعم التي يشكلونها ويستقبلونها حول الهوية القومية ليس من هذه المزاعم ما يعد أكثر أهمية أو قوة من الادعاء الذي يفيد بأن الهوية هي في واقع الحال ثابتة!

 

وهنا فإن على جون جوزيف إن كان مصرًا على فكرته أن يجيب عن سؤالٍ جوهري مهم هو لماذا حرصت كل حركات الاحتلال لبلدان أخرى على محاربة اللسان، كما نرى في العالم العربي والإسلامي، ولماذا يتوجه نظر المناقشة عمل كمال أتاتورك في مواجهته للعربية وفرص التتريك ومقاومة الأبجدية العثمانية العربية، وهو ما توصل إليه ليقطع علاقة مسلمي الترك بتراثهم المدون؟

 

وفي فصل تال ومن خلال ما نقله جون جوزيف من بعض الآراء حول عروبة كلمات مما سماه الأعجمي في القرآن الكريم، من مثل: عيسى وإبليس وأسباط وغيرها، وخرج من ذلك إلى اتخاذ ذلك دليلاً على سلطة الأيديولوجيا!

 

وعلى هذا الكلام عدد كبير جدًّا من الملاحظات يمكن الإشارة إلى كثيرٍ منها فيما يلي:

أ- لم يُشِر جون جوزيف إلى أن جمهرة اللسانيين أو اللغويين العرب القدامى والمعاصرين يرون أن هذه الكلمات وغيرها من الأعجمي أو من المعرَّب ذي الأصول الأجنبية، ولعله يكفي في هذا السياق أن نقرر أن حجة القائلين بعجمة أصول هذه المفردات قالوا إن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعطاء وغيرهم- وهم من القائلين بوجود ألفاظ ذات أصول أجنبية في النص العزيز وهم صحابة وتابعون- أصدق، وإن آراءهم باعتبار معرفتهم بالنص أعلى في ميزان العلم.

 

ب- إن الذين قالوا بعروبة هذه المفردات لم يكن قائدهم إلى ذلك ما قرره جون جوزيف سلطة الأيديولوجيا على الملاحظة التجريبية، وإنما قالوا ذلك لشبهةٍ في توجيه الدليل النقلي القائل بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين.

 

ج- أن الذين قالوا بعروبة هذه المفردات يمكن أن يجمل رأيهم على أن العربية والعبرية والحبشية والسريانية لغات من أصول سامية، وأن الإجماع منعقد على أن العربية أقدم اللغات السامية التي تمثل الأصل التاريخي لها.

 

إن جون جوزيف لم يستطع أن ينكر سطوة اللسان العربي في لبنان، وهي الحالة التي أقام عليها دراسته الثانية، الكتاب لسيطرة أن مسألة أن العربية كانت لمدة ألف سنة اللغة الأكثر امتيازًا وثقافة في العلم والتعلم مما زاد من جاذبيتها عند المسيحيين الشرقيين مما يشرح سبب إقبالهم على اكتسابها.

 

ويختتم جون جوزيف دراسته للهوية واللغة مقررًا أن أهمية البحث في اللغة والهوية تتجلى على نطاقٍ واسعٍ في إسهامه في إعادة صبغ علم اللغة بالصبغة الإنسانية وتوصل إلى الحقائق التالية التي ينبغي التركيز عليها بعد محاولات الهدم التي يمكن أن تتسرب إلى نفسية القاريء ولا سيما إذا لم يكن متخصصًا في اللسانيات- للعلاقة العضوية بين الهوية واللغة.

 

1- أهمية الدفاع عن أهمية الهوية اللغوية ضمن فهم علمي للغة.

2- الهوية لا يكتمل مدلولها إلا في جوهر اللغة وفي كيفية الوظيفية التي تؤديها.

3- الهوية أمرًا أساسيًّا بالنسبة إلى اللغة باعتبار وظيفة التواصل وباعتبار وظيفة تمثل الكون وباعتبار وظيفة الاستقلال.

4- صحيح أن بدء مشروع أنسنة اللغة بصورةٍ متقطعةٍ منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي إلا أن الضرورة داعية إلى تفسيرٍ مفصلٍ للتواصل اللغوي.

 

وإذا كان علم اللغة يعتمد على قدرتنا على أن يعيد ابتكار الدقة والصرامة بطريقةٍ تسمح بتحقيق جميع التطبيقات العلمية الممكنة لهذا الحقل المعرفي.

 

وأما عن الدعوة إلى العناية بدفع عربة أنسنة اللغة فهي الظاهر دعوة للعناية باللغة باعتبارها نشاطًا إنسانيًّا، وهي دعوة تستلهم العناية بالمشكلات الإنسانية من خلال فحص اللغات وقضاياها.

 

لكن المهم ألا يكون ذلك داعية للانفصال عن السماء وداعية للتقدم أكثر نحو القفز غير المتناهي نحو تحطيم المرجعيات، وهو ما يكمن في  مقولات تفجر الدلالة المتواصل، وانعدام الإحالة بعد سقوط المرجعيات وتفشي التيه.

 

إن علينا أن نؤمن وندعم أن اللغة مسألة مركزية بالنسبة للهوية، وأن قدرًا كبيرًا من التوتر في فهم هذه العلاقة راجع إلى تهميش حواكم أخرى لعل أهمها هو الدين الذي يشكل رؤيتنا للكون، ومن هنا علينا أن نقرر أن اللغة هي الأساس الصلة الذي تقوم عليه قصة الأمة.

 

إن ما يتعلق بالذهن بالرغم من كثير جدًا من التحفظات التي يمكن أن تصيب القاريء بقدر من التوتر والتأرجح الرزئ هو أن الكاتب يخلص إلى حقيقة هي أن هناك تفاعلاً وثيقًا بين اللغة والهوية إلى حد يصعب فيه الفصل بينهما على حد تعبير المترجم، وإن كان قد اضطر في كثير من الأوقات مناقشة كل من اللغة والهوية فيما يوحي بانفصالهما!

 

وخطورة المسألة المطروحة على بساط البحث في هذا الكتاب المهم تكمن في أنه يعترف بأنه يطرح رؤية ليست جديدة في مجملها لسبق مناقشتها منذ القديم.

 

ومع ذلك فإن إعادة إحياء المسألة من جديد مؤثر في مجموعات وساعة من الميادين والمجالات المختلفة التي تسهم اللغة في مناحي دراسات علم اللغة الاجتماعي واكتساب اللغة وتحليل الخطاب والمقاماتية (أو التداولية) وإضافةً إلى علم اللغة فإن الحقيقة قائدة إلى القول بأن رؤية الهوية المتجذرة في اللغة والمتجذرة في الهوية تكتسب أهمية متعاظمة في مجالات علم الإنسان والتربية والاجتماع والعلوم السياسية والآداب والدراسات الثقافية، وقيادة الجماعات، والتخطيط المعرفي اللغوي، ومقاومة العولمة.

 

وبالإمكان أن نقرر من خلال الحالة التي أقام عليها جون جوزيف بعض نتائجه أن نقرر أن العربية تعد اللغة الأم لأكثر سكان العالم العربي بما فيه لبنان، وإنها تشكل القوة الأساسية المرتبطة المنتجة للوحدة القومية بالنسبة إلى أولئك الذين يحددون في الوقت ذاته هويتهم بالدرجة الأولى من خلال اختلافاتهم مع الآخرين، سبب اعتقادي أو غيره.

 

وإذا كانت لبنان أو العالم العربي من بقية الدول لغة واحدة فستكون العربية لا محالة، وإذا كان لا بد من تخصيص ملكية لأمة ما فسيؤكد العديد من الناس أنها أمة الإسلام.

 

ومن هنا فإن بالإمكان أن نستنبط أن الإسلام والعربية كان لهما تأثير ضخم على المستوى الحضاري والثقافي في بناء العالم العربي باعتبارهما شكلين لماهية الإنسان العربي؛ حتى إن كان متدينًا بغير الإسلام، ويصبح ثمة اختلاف في وظيفة العربية من المسلم العربي مقارنةً بغير المسلم العربي، لكن ذلك ليس لاغيًا لإسهام العربية في تكون أجزاء كبيرة من دائرة تشكيل الهوية عند غير المسلم العربي، إذ ستؤدي لغة أخرى كالسريانية وظيفة الطقوس الدينية، وتتفرغ العربية لأداء بقية الأنشطة الوجدانية والعقلية والحيوية الأخرى.

 

إن الكتاب يُفجِّر أسئلةً حول الانتباه إلى خطورة ما يتم من عملية إزاحة للسان العربي، وهو ما سوف ينتج إن تحججنا به عملية لعب في جينات هوية الأمة، ولعله أمر مقصود في سبيل الاجهاز على الهوية العربية الإسلامية في سبيل محو الإنسان الحامل لجرثومة هذه الهوية.

 

على أنه من المهم أن يبقى في وجداننا وخلفيتنا المعرفية أن أي تحليل لهويات الناس لا بد أن يعتمد على الميزات السلوكية الدقيقة التي يتحركون بها ومن بينها الميزات اللغوية التي تحتل مركز الصدارة في قوائم هذه السلوكيات؛ مما يؤكد العامل الفعَّال للغة في بناء هويات الأمم.

 

لقد قرر جون جوزيف أن الاكتشافات العظيمة لعلم اللغة الاجتماعي لا يمكن أن تهمل بحال من الأحوال الحقائق التي تقول إن الهويات الجماعية تظهر أحيانًا قبل كل شيء في الميزات اللغوية وتتجلى العلاقة العضوية فيمثل الحقيقة التي تقرر (ص45) أن الهوية وقراءتها تشكلان بمعنى آخر الأسس الجوهرية للتواصل البشري والتفاعل الذي يطعم الفقه في المفهوم المعتاد.

 

ومن الضروري أن ننتبه إلى أنه مع الإقرار بقدم تناول شكل العلاقة بين اللغة والهوية قد تداخلت في هذا التناول فلسفات وأبعاد جد مختلفة، وثرية التنوع مما يمكن أن يشكل خطرًا يقود إلى التباسات في صدور المسلم المعاصر لما ينبغي أن يحصله اعتقادًا في النظر إلى طبيعة هذه العلاقة.

 

وليس يلزمنا أيًّا من التصورات القديمة بدءًا من أرسطو وأبيتور حتى فلاسفة اللغة المعاصرين، إلا إذا اقترب من حدود الرؤية التي تقرر أن لنا تميزًا صنعه تعانق شهير بين الاعتقاد واللسان، وهو وجه ربما فسر ظاهرةً غربيةً جدًّا على دراسات المعجم العالمي عبر الثقافات، وهي ظاهرة انتقال قوائم الألفاظ الروحية والدينية والعقيدية والتشريعية العربية إلى معاجم اللغات الأخرى التي دانت شعوبها بالإسلام من غير للغاتها أو ألسنتها كالفرس وغيرهم.