"لا أعرف ماذا أفعل مع هذا الولد؟!".. لطالما سمعت هذه الجملة من والد الطالب "عادل" كلما قابلته وتحدثت معه بشأنه، وفي كل مرة لا أجد منه إلا آهات الشكوى وتعبيرات الغضب وتلميحات اليأس من إصلاح حاله.

 

الشكاوى لا تنقطع من سوء أدبه مع والديه من ناحية، وإخوته من ناحية، ورفضه المستمر لكلام والديه  وآرائهما، وحالة الغضب المتبادلة بينهما والتي لا تعرف الهدوء يومًا، ومع كل يوم يمر تزداد حالة التوتر والشد بين الأطراف، ويظل الجو "مكهربًا"، وفي حالة استعداد قصوى لأي ماس كهربائي بين الابن والوالدين والإخوة، معلنًا عن مشكلة جديدة وشكوى جديدة ويأس جديد!!

 

وكان من الطبيعي بعد أن استمعت إلى وجهة نظر الأب، أن أستمع إلى "عادل" لأعرف منه الوجه الآخر للمشكلة، وفي الحقيقة لم يكن غريبًا على الإطلاق أن يبدو "عادل" أمامي بعكس المظهر الذي رسمه لي والده.. أدب جمّ، ألفاظ مهذبة، اتزان في الرأي والتفكير إلى حد كبير!! صورة تختلف في ملامحها وتفصيلاتها كثيرًا عن تلك الرسومات السيريالية غير المفهومة التي رسمها لي الأب.

 

وليس معنى هذا أنني لا أصدق الأب، بل بالعكس أنا أصدقه تمامًا في كل ما قاله، ولم أظن للحظة أنه كان مبالغًا في شكواه، متجنيًا على ولده، ولكنني كنت أعرف وأفهم أنه لم يعرف أن ولده "عادل" الآن قد أصبح يحمل لقبًا مهمًّا وشهيرًا وعالميًّا وخطيرًا، وهو لقب: مراهق.

 

وعلى ما لشهرة هذا اللقب وخطورته، فإن معظم الآباء لا يحاولون إجهاد أنفسهم ولو قليلاً في قراءة كتاب عن خصائص مرحلة المراهقة، ومعرفة ما هي التغيرات النفسية والجسمية والعقلية التي تصاحب المراهق في هذه المرحلة، أو يحاولون أن يتصفَّحوا بعض صفحات شبكة الإنترنت بين الحين والآخر؛ للتعرُّف على بعض مشكلات المراهقة التي يواجهها الآباء مع أبنائهم، وكيفية الوصول إلى حل لها.

 

والنتيجة المؤكدة: هي التعامل الخطأ مع المرحلة، لا أبالغ أنها مثل محاولة طبيب إبطال مفعول قنبلة زمنية، أو محاولة مهندس إجراء عملية خطيرة في القلب، وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة الحتمية هي الفشل؛ لأن العمليتين تتمان دون دراسة وفهم لطبيعة المشكلة، وكيفية التعامل معها.

 

والأب والأم يظلان يعاملان أولادهما في سن المراهقة على أنهم أطفال، لا بد أن يستجيبوا للأوامر، وأنه ليس من حقهم إبداء الرأي والاعتراض المهذَّب، وأنهم سيظلون مهما كبروا صغارًا في عيون آبائهم.

 

ولهذه الأسباب كانت المشاكل الدائمة بين "عادل" ووالده ووالدته وإخوته، ولأنني كنت أعامل "عادل" باحترام، وأنصت إليه بإخلاص، وأمنحه دائمًا فرصة إبداء رأيه فيما حدث، وأحاول أن أقيِّم المسألة بميزان عدل، يظهر فيه الأب مخطئًا مرة، ويظهر هو على خطأ مرة، تقبَّل عادل الكلام، واعترف بأخطائه، واستجاب للنصح، وبدأنا معًا خطة العلاج.

 

والذي حدث أن "عادل" وجد إنسانًا يحتضنه، يستمع إليه بإخلاص، ويفهم مشكلاته بوعي، ويحترم تفكيره، ويقدِّر ما يحدث له من تغيرات، وعندما يجد المراهق هذا الشخص، يمنحة لقبًا غاليًا، لا يمنحه المراهق إلا للقليل القليل من البشر.. لقب: صديق.

 

وكلمة "صديق" هي كلمة السر في التعامل مع المراهق؛ فلا يستطيع أحد- مهما كان- أن يقوِّم سلوك المراهق ويصل به إلى برِّ الأمان، إلا إذا كان صديقه.

 

والواقع العربي المؤسف يقول إن هذا الاحتضان لا يجده المراهق مع والديه أو إخوته في المنزل أو مدرِّسه في المدرسة، فيظل يعاند الجميع، ويرهق الجميع، ويظل يشعر المراهق أن التعامل مع المجتمع أشبه بحرب لا بد أن يكشر لها عن أنيابه طيلة الوقت.

 

والواقع يشهد أيضًا أن الفئة الوحيدة التي تهتم بالمراهق، وتجتهد في البحث في مشاكله ومعرفة كيفية التعامل معه، هي فئة مشرفي المرحلة الثانوية.

 

لقد أثبتت التجربة أن مشرفي المرحلة الثانوية هم الأقدر من بين فئات المجتمع كله على التعامل مع المراهق؛ فهم الأكثر استيعابًا له، والأقدر على حل مشاكله، والأنجح في تقويمه، وغرس مجموعة من القيم والأخلاق، إنها الأكثر قدرةً على أن تجعله يخوض غمار الحياة بنجاح.

 

إنها الفئة الوحيدة في المجتمع، التي استطاعت أن تحتوي المراهق وتروِّضه، وتُشعره برجولته وتستثمر طاقته، وتنمِّي عقله، وتحفظ له دينه.

 

إنها الفئة الوحيدة التي استطاعت أن تفتح ذراعيها للمراهق، وتأخذه بكل حب، وتستقبله بالأحضان.