- د. الغزالي: الحكومة تكرر ما حدث مع أموال التأمينات والمعاشات

- د. عبد الحليم عمر: الفكرة مقبولة من حيث المبدأ وابتعاد الدولة عنها ضرورة

- د. القرنشاوي: أزمة الثقة في المؤسسات الحكومية ستؤدي لعزوف الأهالي عنها

- د. عبد الفضيل: توزيعها من خلال الأفراد أفضل لمنع التضارب مع الضرائب

 

تحقيق- حسونة حماد

أثارت موافقة مشيخة الأزهر الشريف على إقامة هيئة مصرية لجمع أموال الزكاة بمختلف أنواعها بالتعاون مع الهيئة العالمية للزكاة والغرفة الإسلامية واتحاد الغرف التجارية المصرية وبنك ناصر الاجتماعي؛ بهدف إنفاقها على الفقراء المحتاجين؛ ضمانًا لتحقيق أكبر استفادة ممكنة للفقراء من أموال الزكاة، وذلك عبر إنشاء فروع للمؤسسة في مختلف محافظات الجمهورية.. أثارت جدلاً واسعًا داخل مختلف الأوساط الدينية والاقتصادية وحتى السياسية.

 

وأبدى عدد من الخبراء تخوُّفَهم من سيطرة الدولة على هذه الأموال، كما فعلت من قبل في أموال المعاشات والتأمينات الاجتماعية، وبالتالي تذهب أموال الزكاة في غير مصارفها الشرعية، وفي الوقت الذي رحَّب فيه البعض بهذه الفكرة من حيث المبدأ، قال البعض الآخر إن هناك احتمالَين لتطبيق التجربة: الأول أن تسيطر عليها الهواجس الأمنية، وبالتالي سيتم إبعاد الكثيرين من المؤمنين بالتجربة، وتحقق التجربة فشلاً ذريعًا، والثاني أن تترك بالفعل للمجتمع الأهلي، وبالتالي ستكون نسبة نجاحها عاليةً بشرط إبعاد يد الأمن عنها، ووضع ضمانات محددة تحُول بين الهدف من إنشاء الهيئة والتوظيف السياسي لها من قِبَل أي طرف، سواءٌ من قبل اتحادات الغرف أو الحزب الحاكم أو التيارات السياسية المختلفة.

 

وتستهدف الهيئة الجديدة- والتي ستتخذ من الغرف التجارية بالمحافظات مقارَّ لها- تثقيف المجتمع بأهمية الزكاة، ونشر الوعي لأحكام وقواعد الزكاة ومصارفها، وطريقة حسابها وصرفها، وستسعى الهيئة للعمل مع الجهات المختصة لخصم الزكاة التي يدفعها المكلّف للهيئة من الضرائب المستحقة على المكلف.

 

وأكدت اتفاقية إنشاء الهيئة التي وقَّع عليها كلٌّ من الدكتور سيد طنطاوي شيخ الأزهر والشيخ صالح كامل رئيس الغرفة الإسلامية ومحمد المصري رئيس اتحاد الغرف المصرية، أنه لا يجوز للهيئة القيام بأعمال تمس الأمن الداخلي أو الاستقرار الدولي، أو تتنافى مع الأنظمة والقوانين السائدة.

 

 الصورة غير متاحة

د. عبد الحميد الغزالي

 

 (إخوان أون لاين) يعرض من خلال هذا التحقيق آراء الخبراء في المجالات المختلفة حول فكرة تطبيق هذه التجربة في مصر، وطرحنا عليهم بعض الأسئلة الشائكة، أهمها: هل تسعى الدولة من خلال إنشاء هذه الهيئة لجمع الأموال من الشعب والسيطرة عليها وصرفها في المسارات غير الشرعية لها؟ وهل هناك تداخل بين الضرائب والزكاة؟ وهل لو أدى الفرد ما عليه من زكاة فإنه سيُعفى من الضرائب أو أن العكس هو الصحيح؟!

 

في البداية أكد الدكتور عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة- وجود تخوفات قائمة من سيطرة الدولة على هذه الأموال بعد جمعها واستخدامها في مصارفها غير الشرعية، مشيرًا في هذا الصدد إلى سيطرة الدولة من قبل على أموال المعاشات والتأمينات الاجتماعية.

 

ورحَّب د. الغزالي من حيث المبدأ بفكرة وجود هيئة مستقلة لجمع أموال الزكاة من خلال قانون ينظمها، بشرط أن تكون مستقلة تمامًا عن الجهاز الإداري للدولة، ويتشكَّل لها مجلس أمناء من الشخصيات العامة المشهود لها بالأمانة والنزاهة والدين، مشيرًا إلى أن الهيئة بالشكل الذي تم الإعلان عنه سيكون فيها نوعٌ من الشك في مدى إنفاق أو صرف أموال الزكاة التي سيتم جمعها من الناس.

 

ويرى الدكتور محمد عبد الحليم عمر- مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي التابع للأزهر الشريف- أن إنشاء مؤسسة مصرية لجمع أموال الزكاة شيء جميل جدًّا، بشرط أن يكون تحت إشراف شعبي وجهاز رقابي، كالجهاز المركزي للمحاسبات، موضحًا أن الزكاة شكل مؤسسي في الأساس، وركن من أركان الإسلام، وأن أداءها مسئولية كل مسلم مالك للمال، كما أنه مسئولية الدولة في إطار واجبها المقرر بحراسة الدين وسياسة الدنيا، وبالتالي لا بد أن يكون هناك تنسيقٌ ونظامٌ بين تحصيل الأموال وصرفها.

 

 الصورة غير متاحة

د. محمد عبد الحليم عمر

 وأشار د. عمر إلى أن تنظيم الزكاة عن طريق قانون سيعود على جميع الأطراف بالخير؛ حيث سيوفر للمزكِّين أُسسًا تستند إلى الأحكام الشرعية لتقدير ما عليهم من زكاة، مضيفًا أنه لا سبيل من تعزيز الاستفادة القصوى من فريضة الزكاة إلا بتطبيق قانون للزكاة؛ لما له من دواعٍ شرعية ومالية وتنظيمية،  للوصول إلى حصيلة أكبر يمكن بواسطتها تحقيق أغراض الزكاة بكفاءة وفاعلية.

 

مشيرًا إلى أنه يتم صرفها الآن بطريقة عشوائية، إلى جانب وجود مجموعة من محترفي الحصول على الزكاة من الأفراد والمؤسسات القائمة، ويحرم منها المتعفِّفون؛ الأمر الذي يتطلَّب تنظيم ذلك من خلال قانون وإدارة حكومية تُشرف على تنفيذه، كما أن قيام الحكومة بشئون الزكاة يخفِّف العبء عن الموازنة العامة للدولة، بما تنفقه على الضمان الاجتماعي الذي يبلغ الآن نحو 21 مليار جنيه، وحصيلة الزكاة حسب تقديرات آخر إحصائية لمركز صالح كامل للاقتصاد 17 مليار جنيه، وأيضًا فإن قيام الدولة بشئون الزكاة فيه حفظ لكرامة الفقراء والمساكين، كما أنه يوصل الزكاة إلى مستحقيها.

 

أزمة ثقة
 
 الصورة غير متاحة

د. حاتم القرنشاوي

في المقابل انتقد الدكتور حاتم القرنشاوي- أستاذ الاقتصاد الإسلامي- الأسلوبَ الذي تُجمَع به الزكاة، والأوجه التي تُصرَف فيها، واعترض على إصدار قانون للزكاة، قائلاً: "إن هناك أزمة ثقة في المؤسسات التي تقوم على تجميع الزكاة، سواءٌ كانت رسميةً أو أهليةً"، موضحًا أن إصدار قانون أو إنشاء وزارة تابعة للدولة لن ينجح في تحقيق الهدف منه؛ لأن ارتباط تحصيل الزكاة بالمؤسسة الرسمية ثبت فشله على مدار التاريخ الإسلامي، واقترح إنشاء مؤسسات أهلية تقوم بتجميع الزكاة في أقاليم جغرافية صغيرة، تتوافر في القائمين عليها الثقة الكاملة حتى يؤدي الناس ما عليهم من زكاة، وهم متأكدون من أنها سوف تُنفَق في مصارفها الشرعية.

 

الروتين

 

د. جمال عبد الهادي

 
ويرفض الداعية الإسلامي الدكتور جمال عبد الهادي- أستاذ التاريخ الإسلامي- إنشاء مثل هذه المؤسسة، مشيرًا إلى أن إنشاء مثل هذه المؤسسات سيجعل الروتين والبيروقراطية هي سيدة الموقف حتى يحصل الإنسان المستحق للزكاة على حقه؛ فالوضع القائم لا بأس به، فالأفراد لديهم المعرفة الكاملة بالظروف الاقتصادية التي يعيشها المستحقون للزكاة، فضلاً عن أنها بذلك تشيع جوًّا من المودة والرحمة داخل المجتمع المسلم؛ فالغني يدفع للفقير رضاءً لا إجبارًا على خلاف ما سيحدث عندما تشرع هذه المؤسسات في عملها من خلال القانون الذي يطالب به البعض.

 

ويُرجع د. عبد الهادي نجاح مثل هذه التجربة في دولة الكويت مثلاً إلى أن الكويت بلد صغير، ويندر وجود الفقراء في هذا البلد؛ لأنه بلد غني، وما يطبَّق هناك قد لا ينجح بالضروة في مصر، متسائلاً في دهشة: ألم يسمع أعضاء مجمع البحوث الإسلامية عن القرار الأخير للكونجرس الأمريكي بتقسيم العراق حتى يناقشوا هذا الأمر ويحذِّروا من مخاطر تطبيقه، أم أن الأمور الهامشية أصبحت الشغل الشاغل لهذه المجمع؟!

 

التطبيق هو المهم

ويوضح الدكتور محمود عبد الحي- مدير المعهد القومي للتخطيط الأسبق- أن الفكرة ممتازة من حيث المبدأ، لكنَّ المهم في تطبيق الفكرة، واقترح أن تكون المؤسسة أو الهيئة التي سيتم إنشاؤها ليست لجمع أموال الزكاة من المسلمين فقط، بل جمع أموال العشور أيضًا من المسيحيين؛ لتكون مثالاً طيبًا للتعاون المشترك بين المسلمين والمسيحيين، على أن يشكَّل لهذه الهيئة المستقلة مجلسُ أمناء أو إدارة، يمثله مسلمون ومسيحيون، ولا مانع من وجود ممثلين للحكومة.

 

وطالب بألا يقتصر دور هذه الهيئة على جمع الأموال وتوزيعها فقط، بل يجب أن تضع لها أهدافًا تقوم عليها، كتوفير الأمن الغذائي للفقراء، ومساعدتهم في أمور الدراسة والزواج على سبيل المثال، وتحويل جزء من هذه الأموال لإنشاء مصانع ومزارع توجَّه لدعم وخدمة الفقراء فقط، وبالتالي المساهمة في عملية التنمية وتوفير فرص عمل للشباب.

 

وفيما يتعلق بالتخوُّفات من سيطرة الدولة على هذه الأموال قال د. عبد الحي: إن مثل هذه التخوفات تمنع أعمال خير كثيرة في العالم العربي والإسلامي، مشيرًا إلى أن هذه التخوُّفات قد تكون حقيقيةً في بعض الأحيان، وقد تكون مصطنعةً في أحيان أخرى.

 

مناخ الفساد

أما الدكتور حسن عبد الفضيل- الخبير الاقتصادي- فيؤكد أن أداء الزكاة ليس هدفًا اقتصاديًّا وإنما هدف إنساني وهدف ديني في الأساس؛ لأنه فرض من فروض الإسلام وأنه من الأفضل أن يتم توزيعها من خلال الأفراد؛ لأن الفرد أكثر معرفةً بالأفراد المستحقين لهذه الزكاة، ويمكن أن يبدأ بأقاربه الفقراء المستحقين لها أولاً، ثم أهالي قريته أو المنطقة التي يعيش فيها.

 

ويشكِّك الدكتور عبد الفضيل في إمكانية أن تصل أموال الزكاة إلى مستحقيها، من خلال الإدارات والمؤسسات، إضافة إلى أن الفرد الذي يؤدي الزكاة يشعر بأنه يؤدي فريضة من فرائض الله، كما أن جمعها عن طريق هذه المؤسسات سيؤدي إلى حدوث تداخل بينها وبين جمع الضرائب التي هي حق للدولة؛ لأن الفرد من الممكن جدًّا أن يحجم عن دفع الضرائب، بزعم أنه يدفع قيمة الزكاة المستحقة للدولة، وكذلك فإن تحويل أموال الزكاة إلى مشروعات استثمارية يجعل هناك أناسًا غير مستحقين يحصلون على مبالغ كبيرة منها، فضلاً عن تسلل الفساد والإفساد إلى هذه المؤسسات في ظل مناخ الفساد التي تعاني منه كافة قطاعات الدولة.

 

وطالب عبد الفضيل بتأسيس جمعية عامة، تكون مهمتها التنسيق بين الآلاف من لجان الزكاة والجمعيات الخيرية التي تجمع الزكاة وتنفقها؛ حتى تكون هذه الجهات تحت قيادة واحدة، وذلك للقضاء على عشوائية إنفاق هذه الأموال.

 

ويرى الشيخ أحمد عبد القادر أحمد- من علماء الأزهر- أن الزكاة في مصر لا تؤدي دورها كما يجب؛ لأنها لا توجه بالشكل الصحيح، وكثيرًا ما تذهب إلى غير مستحقيها؛ بسبب غياب التنسيق بين الجهات القائمة على شئون الزكاة، موضحًا أن الدولة يجب أن تتولى مسئولية جمع الزكاة، وذلك من جهة مستقلة بعيدة عن أموال الحكومة، على أن تصرفها في مصارفها الشرعية المحددة في القرآن الكريم.