فهمي هويدي

من مفارقات الأقدار أنه في الوقت الذي تستعد فيه "إسرائيل" للاحتفال بمناسبة مرور 60 عامًا على تأسيسها، عبر تأكيد الهوية اليهودية للدولة، وإلزام كل تلاميذ المدارس- بمن فيهم عرب 48- بالتوقيع على وثيقة الاستقلال، فإن دلائل فشل مشروع "الأسرلة" وطمس الهوية الفلسطينية أصبحت تتجلى على نحو لا تخطئه عين.
ذلك أن الخطاب السياسي "الإسرائيلي" ما برح يلحُّ على تعميم فكرة أن "إسرائيل" دولة اليهود فقط، حتى أشارت التسريبات الصحفية إلى أن أولمرت طلب النص على ذلك في إعلان المبادئ أو المصالح الذي يُفتَرَض أن يصدر عن مباحثاته مع أبو مازن، بالمقابل فإن الناشطين العرب من فلسطينيي 48 يتحركون في اتجاه معاكس تمامًا، يتمسك بحقهم في الوجود واعتبار "إسرائيل" دولة كل مواطنيها، وليس اليهود وحدهم.
ويسجَّل للدكتور عزمي بشارة أنه من خلال حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أسسه، ومن خلال وجوده كنائب في الكنيست، كان أول مَن طرح هذا الشعار في عام 1996، الذي اجتمعت حوله وتجاوبت معه مختلف التيارات السياسية والفلسطينية، في الوقت الذي أحرج السياسيين "الإسرائيليين" وفضح زيف ادِّعائهم للديمقراطية.
في هذا الصدد يُذكر أنه منذ العام 1966، عندما اضطرت الحكومة "الإسرائيلية" إلى إنهاء الحكم العسكري الذي كان مفروضًا على فلسطينيِّي 48، حاولت مؤسسة الحكم العبرية استخدام القوة الناعمة في تدجينهم ودفعهم نحو الانصهار في دولة الاحتلال، ومن ثم القضاء على المركبات الإسلامية والعربية والفلسطينية التي تشكِّل هويَّتهم الوطنية، ومن أجل ذلك فإنها عمدت على تشجيع المثقفين الفلسطينيين على الاندماج في الأحزاب الصهيونية القائمة، التي حاولت إغراءهم لكي ينضموا إليها، بزعم أن هذه هي الوسيلة المُثْلَى للقضاء على مظاهر عدم المساواة التي تمارسها الدولة ومؤسساتها ضدهم.
وقد وجدت جميع الأحزاب "الإسرائيلية" في فلسطينيِّي 48 الاحتياطي الانتخابي لها؛ حيث كان معظمهم يصوِّتون لحزب العمل والأحزاب التي تقع على يساره، التي كانت تخصص مقعدًا مضمونًا لممثل عنهم، ولا مفر من الإشارة إلى أن مشروع "الأسرلة" حقَّق بعض النجاح في بداياته؛ إذ إن نسبةً من فلسطينيِّي 48 كانت تصوِّت حتى للأحزاب اليمينية، مثل الليكود والمفدال وشاس، واستطاعت مؤسسة الحكم إيجاد نخبة سياسية بين الفلسطينيين تعاطت مع مشروع "الأسرلة"، وعملت على تسويقه والدفاع عنه.
ومن المعايير التي وضعتها المؤسسة الحاكمة في "إسرائيل" لقياس مدى نجاح مشروع "الأسرلة" كان حرصها على قطع وشائج التقارب بين فلسطينيِّي 48 وإخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، واتبعت وسائل عدة من أجل تحقيق ذلك.
من ناحية ثانية، عملت الدولة على التعامل مع فلسطينيِّي 48 وفق شعار "فرِّق تسد"، وتجاهل الرابط القومي والوطني الذي يجمع هؤلاء، فعمدت إلى إيجاد مؤسسات تتعامل مع المسلمين فقط، وأخرى مع البدو، مع العلم أنهم مسلمون، ومؤسسات تتعامل مع المسيحيين، وأخرى مع الدروز والشركس.
لكن مؤسسة الحكم في "إسرائيل" صُعقت عندما تبيَّن في النهاية أن مشروع "الأسرلة" لم يفشل فقط في تحقيق أهدافه، بل إنه دفع الفلسطينيين عمليًّا إلى تبنِّي أجندة متحدية للدولة ومؤسساتها، وقد تمثل فشل مشروع "الأسرلة" لأول مرة في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، عندما برزت الأحزاب العربية لتمثيل فلسطينيِّي 48، وأخذ يتلاشى بشكل كبير ولافت.
ولعل أكثر ما مثَّل لمؤسسة الحكم فشل مشروع "الأسرلة" تطوران هامَّان، هما:
أولاً: بروز الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح، التي وجدت المؤسسة الحاكمة أن مجرد انطلاقها واتساعها وتمثيلها لقطاعات عريضة من الفلسطينيين يشكِّل دليلاً قويًّا على فشل مشروع "الأسرلة".