- عبقرية الطفل المصري تتراجع بدخوله الدراسة ومحمود الأول عندنا

- المستوردون وراء فشل مشروعات الإنتاج المحلي

- الزيادة السكانية ليست مشكلة لأنها تزيد الأيدي العاملة

 

حوار- علاء عياد

قديمًا كان الناس يعتقدون أن هناك علاقةً بين العبقرية والجنون، وكانوا دائمًا يتحدثون عن العبقري بشيءٍ من الرهبة والوجل، فهو شخصٌ غريبُ الأطوار مُعقَّد الشخصية يختلف عن جميعِ البشر، مما جعل البعض يظن أن العبقريةَ مرضٌ عقلي، إلا أنه منذ منتصف القرن الماضي وجدنا مَن يحلل لنا هذا الأمر ويكشف حقيقة العبقرية.

 

ويوجد الآن في مصر برنامج يعد الأول من نوعه على مستوى العالم لرعاية العباقرة، يحاول أن يكتشف العباقرة ويرعاهم.. لكن كيف يتم تنفيذ ذلك؟ وما المعايير التي تحدد ما إذا كان الشخص عبقريًّا أم لا؟ وما صفات وملامح العبقري؟ ومَن أول عبقري في مصر؟ والعديد من الأسئلة الأخرى التي سنكشف عنها في حوارٍ خاص لـ"إخوان أون لاين" مع الدكتور هاني زهيري- رئيس برنامج رعاية العباقرة في مصر-:

 

* في البداية كيف بدأت فكرة برنامج رعاية العباقرة؟

** كانت البداية تقريبًا منذ سنتين ونصف، وتحديدًا في شهر يناير 2005م، باكتشاف الطفل محمود وائل الذي أثار تفوقه في جمع وطرح وضرب وقسمة حتى 12 رقمًا في أقل من 10 ثوانٍ أسرع من الآلة الحاسبة، بالإضافةِ إلى حفظه الأرقام بمجرد سماعها انتباه كل المحيطين به رغم أن عمره لم يكن يتجاوز 6 سنوات- وكانت المشكلة الأساسية في كيفية تبني هذا الطفل-، وفي هذا الوقت كنتُ أعرف أن هناك عبقريةً وذكاءً وأنها موهبة من الله، إلا أنني لم أكن قد درست الموضوع بعد أو تعمقت فيه من قبل، وعرفت آنذاك أن هناك جمعيةً للنابغين لا تقبل الأقل من 8 سنوات "والنابغون من وجهة نظرهم هم المتفوقون دراسيًّا"، وكان عمر محمود وقتها 4 سنوات ونصف السنة، ولم يدخل المدرسة بعد، واستثناءً للائحة قامت الجمعية بإجراء اختبارٍ له، فأدهشهم ذكاؤه، وقرر رئيس الجمعية أن يُخرج كارنيهًا استثنائيًّا لمحمود، ليكون أصغر عضو في جمعية النابغين، لكن الجمعية للأسف لم تستطع أن تُقدِّم له شيئًا أكثر من كونه عضوًا فيها، وبحكم علاقتي بوالدي الطفل طلبا مني بعد إلحاحٍ طويلٍ أن أفعل شيئًا لمحمود، فأخذته وذهبت به إلى مدير مستشفى منشية البكري الدكتور محمد يسري رجب وعرضتُ عليه الموضوع، فاقترح أن نقوم بعمل اختبار قياس نسبة الذكاء IQ، وبالفعل تمَّ إجراء الاختبار، وكانت المفاجأة بالنتيجة التي جعلت مدير المستشفي يطلب إعادة الاختبار حتى يتم توثيقه، فتمت إعادة الاختبار بعد يومين، ورغم أنه من المفترض ألا يُعاد الاختبار قبل 6 أشهر نتيجة المجهود الذهني والعصبي والنفسي الذي يستهلكه الاختبار، إلا أنَّ محمود حقق درجةً أكبر من المرة السابقة، واتضح بالفعل عبقرية هذا الطفل، ومن هنا جاءتني فكرة التحول والاهتمام الحقيقي بموضوع العبقرية، ثم قررت توسيع دائرة البحث، فطالما أن هناك محمود فلا بد أن يكون هناك مثله الكثيرون الذين لا يجدون مَن يوجههم أو يكتشفهم، وأطلقت دعوةً أن نُجري اختبارات ذكاء في المدارس لعل أن نجد مثل محمود.

 

 

بعض الألعاب تساعد على تنمية ذكاء الأطفال

* وماذا وجدت بعد أن تبنيت دعوة اختبارات الذكاء في المدارس؟

** كان ذلك في نهاية شهر مارس 2005م وقرب انتهاء العام الدراسي؛ لذلك اقترح عليَّ كلٌّ من الأستاذة عبير عيسى والأستاذ حسام عثمان المسئولين عن العلاقات الخارجية بمكتبة الإسكندرية أن أبدأ المشروع بمكتبة الإسكندرية بعد أن عرضت عليهم فكرة المشروع؛ وذلك أثناء زيارتي لمكتبة الإسكندرية لحضور عرض برنامج ياباني لتنمية الذكاء عن طريق عداد حسابي يسمونه "يوسي ماس"، الذي شكك أحد التربويين الكبار في أن يقوم هذا العداد بزيادة المعدلات الذكائية والتركيز، خاصةً بعد أن سأل الوفد الياباني عن الأدوات التي يستندون إليها لإثبات أن الذكاء ينمو في كل الاتجاهات، ولم يكن لهم إجابة على ذلك.

 

وبالفعل وافقتُ على هذا الاقتراح، على أن أؤجل دعوة المدارس للعام القادم، ومن هذه اللحظة بدأت أطرق أبواب التربويين والأطباء والإرشاد النفسي لأعرف كيف يمكن أن نتعامل مع هذا البرنامج.

 

* وكيف كانت النتيجة؟

** المشكلة أني وجدتهم يتكلمون في اتجاهاتٍ أخرى، فوجدتُ نفسي في ورطة؛ لأني كنتُ قد قررت أن أُجري مهرجانًا لاكتشاف العباقرة والموهوبين، وكنتُ أتخيل أني سأدير ندوةً وسأجد مَن يُشبع رغباتنا في اكتشاف الموهبة، وفي الإجابة عن أكثر من أربعين سؤالاً مطروحة، واضطررت أن أذاكر لفترةٍ طويلة لأصل إلى نتائج مرضية.

 

ووجدت أن هناك برنامجًا لتنمية الذكاء، وأن الشكل العالمي له عبارة عن حصة أسبوعية لمدة 3 سنوات، وبما أنه من الصعب أن تجد عربي يمكن أن يصبر ثلاث سنوات، فحولت هذا البرنامج إلى برنامجٍ مصري بحت في 6 أشهرٍ على مراحل يتحدث عن مشاكلنا بصورةٍ ليست افتراضية.

 

* أفهم مما سبق أن الطفل محمود يعد أول عبقري عرفته مصر؟!!

** نعم.. محمود هو أول عبقري خضع لاختبار الذكاء، ولكن ملابسات العبقرية موجودة عند الكثير من المصريين وأكبر مثال لفكرة شخصية العبقري المهندس ملازم أول احتياط محمد حسن صاحب فكرة موتور المياه لاختراق خط بارليف في الوقت الذي كان الحديث منحصرًا في القنبلة الذرية أو القنبلة الهيدروجينية وإمكانيات أخرى غير موجودة، وهو الذي كتب خطة هدم الساتر الترابي من نسخةٍ واحدةٍ في كشكول وذهب به إلى المشير أحمد إسماعيل بعد أن ترك الجيش، وقام المشير إسماعيل بتقديم هذه النسخة إلى الرئيس السادات، وظل هذا الكشكول نسخةً فريدةً، وبُنيت خطة الحرب على هذه الفكرة، واستطاع هذا الرجل بعبقريته أن يُغيِّر تاريخًا.

 

* الكثير منَّا يُفكِّر ويضع خططًا ثم يُفاجأ بأنه لا يستطيع تنفيذها.. فهل هناك علاقة بين التفكير والتنفيذ؟

** نعم.. هناك فرقٌ بين أن اخترع فكرة وأن أنفذها، فدائمًا العبقرية تكون عبقرية التفكير، ومشكلة مصر أنه يمكن أن يكون لديها عبقرية التنفيذ، ولكن أين الفكرة في حدِّ ذاتها؟!

 

والشعب المصري بطبيعته فهلوي، والفهلوة جزءٌ من الذكاء، لكن مشكلتنا أننا لا نتعمَّق في شيء، ونخلط الحابل بالنابل في ذكائنا، وكثيرًا ما نخرب الدنيا بهذه الفهلوة، إلا أنها في كثيرٍ من الأوقات تؤول إلى النصب منه إلى تأدية المهمة.

 

 الصورة غير متاحة

د. أحمد زويل

ولكن لا نستطيع أن نتحدث عن عبقري دون أن ننظر إلى تاريخ العبقرية، وبداية تقييم العبقرية كانت في عام 1950م الذي وضع فيه استنفر دانييه مقياس الذكاء، ومن بين الذين تمَّ تقييمهم عالميًّا على أساس مقياس استنفر الدكتور أحمد زويل الذي قيم على أنه أمريكي وحصل على 165، وحصل كسبروف بطل الشطرنج العالمي على 179، بينما حصل رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو على 181، وحصل كل من بوش وكلينتون على الترتيب 131، و137.

 

* ومتى يمكن أن تستفيد مصر من هذا البرنامج؟

** لا أحد يختلف على الكمِّ المتوارث والرهيب الذي نعيش فيه من المشاكل، وحتى هذه اللحظة لم يجد هذا الكم ذكيًّا أو عبقريًّا يقوم بإيجاد حلٍّ له، وبالرغم من أن هناك حلولاً مطروحةً إلا أنها تحتاج إلى منظومةٍ تفاعليةٍ من مجموعة أناس يحبون هذا البلد ويريدون مصلحته، فمن غير المعقول أن نستورد حلولاً من الخارج لمشاكلنا.

 

ومصر كدولةٍ متاح لها أن تستفاد في التو واللحظة، فالكثير من الشعب المصري بالفعل عبقري لم يتم تقييمه، ولكن المشكلة أن أي شخصٍ يأتي بفكرةٍ جديدةٍ يُتهم بأنه مجنون، وحتى لا يُقال إن كلامي وحي خيال، فمنذ فترة اكتشف شخصٌ نباتًا ذا قيمةٍ غذائيةٍ عالية تصلح كعلفٍ للحيوان في الوقت الذي نستورد فيه الذرة وأغلب مكونات الأعلاف، وكان اسم هذا العلف "علف الفيل"، ونادى هذا الشخص بعلف الفيل في كل مؤتمرٍ يحضره إلى أن اتهموه بالجنون، دون أن يبحثوا الموضوع من الأساس، ليتضح في النهاية أن من الرافضين للمشروع شخصٌ من أكبر مستوردي الذرة وآخر من أكبر مستوردي الإضافات، ولهذا رُفِضَ المشروع ومُنِعَ من الظهور على السطح، رغم أنه كان سيُوفِّر لخزينة الدولة ملايين الدولارات، قسْ على ذلك الكثير من المصريين في كلِّ مجال، فأين الانتماء والعطاء والحب الذي يجعلنا نحل مشاكلنا؟.

 

ومشكلة المنظومة المصرية هي أننا في منطقةٍ مختلفةٍ ومتفردة بعيدًا عن الخليج وبعيدًا عن أوروبا وأمريكا، وحتى تستطيع أن تنجح لا بد أن يكون لديك أحد مقومين، إما أن تكون وارثًا أو تعرف كيف تعمل، ومشكلة مصر أنها غير وارثة، وفي نفس الوقت ليس لدينا نظام يُمكنِّك من أن تعمل؛ لذلك "إحنا بنتعذب".

 

لذلك عندما يولد طفل جديد نقول "يا نهار أسود فم جديد انفتح"، أما في الخارج فيقولون يد جديدة امتدت للعمل، فنحن نحمل همَّ الرزق وهم يريدون يدًا تعمل.

 

فحاليًا هناك أناسٌ يجيدون التفكير، ولكن المشكلة أن تُتاح لهم فرصة العمل، ونحن من خلال هذا البرنامج نحاول بصورةٍ فرديةٍ أن نبعث وبروحٍ قتالية عالية في المجتمع كيف يمكن أن تحل مشاكله، وكيف يمكن أن يكتشف أبناءه دون أن نجد أدنى نوعٍ من أنواع الدعم.

 

* يُقال إن الطفل المصري دائمًا حتى عمر الست سنوات يكون أكثر ذكاءً، فما السبب وراء تراجع هذا الذكاء بعد ذلك؟ 

 ** من خلال دراستنا للعبقرية والتفكير وجدنا أن الطفل يعيش في عالمٍ خاصٍّ بلا حدود عن عالمنا الذي نعيش فيه، ويحاول الطفل من خلال هذا العالم أن يكتشف المجهول، وأن يُحاكي هذا العالم؛ لذلك يكون خيال وخبرات الطفل خلال هذه المرحلة مفتوحة، ويظهر لنا ذكاؤه.

 

وعندما يبدأ هذا الطفل يحاط بقيودِ الدراسة وغيرها، يذهب إلى غياباتِ الجب، ويدخل معنا في رحلة الأموات التي نعيشها.

 

الذكاء والمناهج

 
* هل تقصد أن المناهج الدراسية تفرض قيودًا على ذكاء الأطفال في المستقبل؟

** ليست المشكلة في المناهج الدراسية بقدر أن المشكلة في طريقة التدريس النمطية التي يتم التلقين من خلالها، فليست المشكلة في المعلومات بقدر أن المشكلة في طريقة توصيل المعلومة، والمناهج الدراسية الموجودة تغطي كمعلوماتٍ النسبة الكبيرة من الطلاب العاديين، وأؤكد المناهج كمعلومات وليست طريقة تدريس، ولكن هناك الطلاب العباقرة والموهوبين الذين يجب أن يتم تصنيفهم للاستفادة منهم والاهتمام بهم.

 

* خضنا في الحديث عن البرنامج إلا أنك لم تحدد لنا بعد معنى العبقرية بشيء من الدقة؟

** لكي نعرف ماذا تعني كلمة "ذكاء" أو "عبقرية" يجب أن نطرح عدة تساؤلات أهمها: هل الذكاء هو سرعة البديهة؟، أم قوة الملاحظة؟، أم سرعة التفكير؟، أم القدرة على التعلم والاحتفاظ بالمعلومات طوال الوقت (الحفظ)؟، أم استنباط النتائج من البديهيات؟، أم التحليل المنطقي للمعطيات والنتائج والخروج منها بنظريات جديدة تقبل التعميم على الظروف المماثلة؟.

 

في الحقيقة ربما تكون كل هذه التساؤلات هي ما نطلق عليه كلمة "ذكاء"، ولكن هناك تعريفًا خاصًّا جدًّا للذكاء ربما يلخص كل هذه التساؤلات وهو ببساطة "مقدرة العقل على اكتساب المعلومات وتحليلها بدقة وسرعة"، وهذا ما استقرَّ عليه كثير من الأخصائيين.

 

* وهل الذكاء مرتبط بالوراثة أم بالبيئة التي ينشأ فيها الطفل؟

** أغلب هذه القدرات لها جانب وراثي وجيني وهو ما نطلق عليه الذكاء الفطري ولكن أيضًا الظروف الاجتماعية والبيئية والتعليمية المحيطة بالطفل تستطيع أن تحسن الأداء العام للعقل عن طريق تنمية وتطوير كثير من المهارات منذ الصغر، وهو ما نسميه بالذكاء المكتسب.

 

وهذا صحح فكرة أن الاختراع قرين العبقرية لدى الناس، والحقيقة أن العبقري ببساطة شديدة هو من يعرف كيف يحل المشكلة أيًّا كانت هذه المشكلة، بل ويستطيع أن يوجد لها أكثر من حل بصورة يمكن تنفيذها بالمعطيات الموجودة دون أن يبحث عن إمكانيات.

 

 الصورة غير متاحة

 المخ يعمل على أساس الحاجة إلى المعرفة

* وما خصائص الشخص الذكي أو العبقري؟

** يتكون المخ من جزءَيْن متماثلين هما الفص الأيمن والفص الأيسر، وكل منهما مسئول عن عدة خصائص، والأشخاص العباقرة هم الذين يستطيعون أن يفكروا بكلا الفصين الأيمن والأيسر بنفس نسبة التوازن، فهم يتعلمون منذ بداية حياتهم أن ينموا مهارات استغلال عقولهم كاملةً، الاستغلال الأسرع والأفضل.

 

* هل لكل فص وظيفة معينة أم أن كليهما يكمل الآخر؟

** الفص الأيسر من المخ مسئول عن الذاكرة والحساب والكلام واللغة والاستنباط والبديهيات وتحليل العلاقات والإدراك الجزئي وإدراك الوقت، أما الفص الأيمن فهو مسئول عن المهارات الفنية الدقيقة والأعمال الميكانيكية والإبداع والمنطق والتخيل والتذوق الموسيقى والعاطفة والتوازن وإدراك المسافات.. ومن هذا يتضح لنا لماذا بعض الأشخاص لديهم قدرات ومهارات ممتازة في بعض الأمور بينما يكونون ضعفاء في أمور أخرى؛ وذلك لأنهم يستعملون أحد الفصين الأيسر أو الأيمن من المخ، وليس كلا الفصين كما في الأشخاص شديدي الذكاء أو العباقرة.

 

وأيضًا هذا يُفسِّر لنا بعض التصرفات التي قد نراها غريبة من بعض الأطفال، فهناك أطفال لا يحبون الدراسة ولا يرغبون في التعليم المنتظم في المدرسة؛ ذلك لأنهم من ذوي الفص الأيمن في التفكير وهم عادةً ما يكونون أقل ذكاءً من الآخرين لأن كمية الذكاء المكتسب عندهم بمرور الوقت تصبح قليلة، وهي أساسًا تأتي من المران ومن المعلومات الأساسية، ولكنهم يتمتعون بالقدرة على الإبداع وعلى الأفكار الجديدة؛ وذلك لأن عندهم القدرة على الإدراك الكلي للأشياء قبل إدراك الفرعيات، ولكنهم ربما لا يمكنهم تطوير هذه الأفكار؛ لأن التحليل استكمال الدراسات للفكرة الجديدة تكون من خصوصيات الفص الأيسر؛ ولذلك لا تظهر أفكارهم وإبداعاتهم إلى النور لأنها يتم نسيانها بمجرد استنباطها ولا يتم حفظها في الذاكرة؛ حيث إن الذاكرة أيضًا من صفات الفص الأيسر.

 

* طالما أن الفصين الأيمن والأيسر للمخ موجودان لدى كل إنسان.. فلماذا إذًا لا يكون كل الناس عباقرة أو شديدي الذكاء؟

** أغلب الناس يُفكِّرون بالجانب الأيسر من المخ؛ لأن بدايات تعلمنا دائمًا تبدأ وتنحصر في تعلم الكلام واللغات والكتابة والحساب والبديهيات؛ وبذلك فنحن نزيد من مهارات الجانب الأيسر من المخ، بينما نترك الجانب الأيمن بدون تدريبٍ فيظل كسولاً وتصبح مهاراته غير جيدة؛ لأننا لم نتدرب عليها منذ الصغر وتصبح مهارات الإدراك غير المرئية غير جيدة مثل الإبداع والتخيل والرؤية بعيدة المدى، وهذا يُفسِّر لنا لماذا نكون في بعض الأمور ممتازين بينما في البعض الآخر ضعفاء.

 

تقييم العبقرية

* وكيف يتم تقييم العبقرية أو قياس شدة الذكاء؟

** يتم تقييم الذكاء بالعديد من النظم، ولكن أكثر النظم انتشارًا على مستوى العالم هو اختبار "استنفر دانييه" لقياس نسبة الذكاء والمعروف باسم اختبار IQ والمعترف به حتى الآن منذ 1950م، ومشكلة هذا المقياس أنه يقيم الإنسان ككل، بأن يكون الشخص عبقريًّا أو متوسطَ الذكاء أو غبيًّا وأبلهَ، وحسب درجات المقياس يكون أقل من 68 غبيًّا، ومن 90:  110 يكون متوسط الذكاء، وحتى 130 يكون الإنسان ذكيًّا، وأكثر من ذلك هو الشخص العبقري، وبعد خروج هذه النظرية أُصيب العالم بإحباطٍ بسبب تصنيفه للأشخاص بمبدأ الأبيض والأسود.

 

وفي 1982م نظر العالم "جارنر" إلى نصف الكوب الممتلئ، وقال إن كل إنسان له مقدار من الموهبة أو الذكاء، مثلما نجد عالمًا من العلماء متفوقًا وعبقريًّا في عمله إلا أنه فاشل اجتماعيًّا، من هنا جاء "جارنر" بنظرية الذكاءات المتعددة، وبدأ بستة ذكاءات ثم زاد عليها نوعين، ويعمل الآن في التاسع، وكل فترةٍ يزيد نوعًا من أنواع الذكاءات، على أساس أنه يجد لكل نوعٍ من الذكاء مجموعة من الخلايا القشرية بالدماغ، وكان جارنر بهذه النظرية السبب في تغيير نظم التعليم في العالم؛ لأنه حلَّ مشكلة ما بين العبقري ومنخفض الذكاء التي لم يجدوا لها تفسيرًا.

 

* هل هناك فرق بين نظرية الـIQ ونظرية الذكاءات المتعددة؟

** عند دراسة النظريتين، قد يُهيَّأ للبعض أن نظرية الـIQ أو اختبار قياس نسبة الذكاء ونظرية الذكاءات المتعددة تناقض كل منها الأخرى، فالأولى تتحدث عن نظرة تقييمية والثانية نظرية مهارية، إلا أنه ليس هناك تعارض في الحقيقة بين النظريتين، بل يجب تقييم الإنسان على أساس هاتين النظريتين، لأنهما يفسران معًا لماذا نجد إنسانًا متوسط الذكاء وبارعًا في شيء آخر، أو عبقريًّا في شيء وضعيفًا في شيءٍ آخر.

 

* وكيف يمكن أن يكتشف الإنسان مميزاته ومواهبه؟

** لا يوجد أحدٌ لا يعرف نفسه، ولكن هناك بعض الأشخاص تتزاحم طموحاتهم مع بعضها خلال مرحلةٍ من الحياة وهؤلاء الأشخاص يكونون أكثر ذكاءً؛ لذلك يظنون أنهم يمكنهم أن ينجحوا فيما فشل فيه الآخرون أو يقومون بأشياء أكثر من غيرهم، وهؤلاء الأشخاص إما أن تسير حياتهم حسبما يقدر الله لهم ويستطيعوا أن يحققوا ذاتهم في شيء أو أكثر، وهناك آخرون يظلون دون أن يكتشفوا أنفسهم طوال حياتهم وسط هذا التزاحم من الطموحات، وهذا الصنف إذا وجد مَن يرشده إلى الطريق فسيوفر له الكثير من الوقت، أما إذا اعتمد على نفسه فمن المفترض أن يقوم بترتيب أولوياته حسب إمكانياته مع طموحاته التي يتمنى أن يحققها، بينما هناك أشخاص آخرون تكون طموحاتهم أقل فيكون الطريق أمامهم أوضح.