ظاهرة جديدة بدأت في الانتشار داخل البيوت المصرية والعربية على حدٍّ سواء، وهي ظاهرة الزوج العاطل أو بالأحرى الذي يقبل أن تنفق عليه زوجته، وحتى إن كان ينفق على البيت إلا أنه يأبى أن يتحمَّل أية مسئولية ويقوم بإلقائها على كتف زوجته التي تتحول بشكلٍ لا إرادي إلى عائل الأسرة وكبيرها رغم وجود الزوج، ولعل ما يُنشر على صفحات الحوادث كل يومٍ من جرائم قتل زوجٍ لزوجته بسبب محاولاته الاستحواذ على أموالها أو لأنه لا يقوم بمهام وجباته، دفعنا إلى طرح هذه القضية مطلقين جرس إنذار لخطورة هذه الظاهرة.

 

في البداية تؤكد د. هدى محمد- أستاذة جامعية- أنه من المعروف أن لكلٍّ من الزوج والزوجة واجباتٍ ومهامَّ معينةً في الأسرة عليهما القيام بها، ولكن أحيانًا تجبر الزوجة على تحمل أعباء الحياة الزوجية وحدها، وكان هذا هو الحال معي، فعلى الرغم من أن زوجي أستاذ جامعي وميسور الحال إلا أنه بخيل ويرفض المشاركة في تحمُّل أعباء الأسرة وخاصةً المادية، فدائمًا ما يتحجج بأنه ليس لديه المال الكافي للإنفاق على الأبناء وبعد سنوات من الزواج وجدت نفسي أتحمل مسئولية الأبناء كاملةً، أحيانًا أُفكِّر في الطلاق ولكنني سرعان ما أستبعد هذه الفكرة من مخيلتي خوفًا من انهيار حياتي وخشيةً على ضياع أبنائي، فأنا أسيرة أسرتي.

 

الاعتماد على النفس

أما ميرفت إسماعيل- عاملة بمصنع ملابس- فتقول: تزوجت بطريقة تقليدية جدًّا، فقد كان زوجي زوج شقيقتي الكبرى وبعد وفاتها تقدم لي فوافقت حفاظًا على ابن شقيقتي- رحمها الله- في بداية زواجنا كان يعطيني مبلغًا ضئيلاً جدًَّا من المال كمصروفٍ للبيت، فكنت أضطر للاقتراض من والدي أو أخي حتى أوفر أساسيات الحياة، ولكن بعد سنوات من الزواج وجدت نفسي أعجز عن دفع إيجار المسكن، وخاصةً بعد أن امتنع زوجي عن المشاركة في تحمُّل أعباء البيت المادية والمعنوية، وهكذا تحملتُ مسئولية تربية ابن أختي وأبنائي الثلاثة كاملةً، فقررتُ الاعتماد على نفسي وعملتُ كي أعيلهم دون طلب المساعدة من أحد.

 

أرفض الطلاق

أميرة السيد- ممرضة- تقول إنها تزوجت بعد قصة حُبٍّ ولإيمانها التام بأن الحياة الزوجية السعيدة لا بد وأن تقوم على المشاركة بين الزوجين اتفقت مع زوجها أن تدفع إيجار الشقة على أن يقوم هو بالإنفاق وتوفير احتياجات المنزل، ولكن بعد أن رزقنا الله بالطفل الأول اكتشفت أن زوجي بخيل، وكنت أتظاهر بعدم ملاحظة هذه الصفة السيئة به، وتحملتُ العيش معه وصبرت من أجل أسرتي، وبدأت أُساهم في مصروف البيت بجزءٍ آخر من راتبي، ولكن مع قدوم الطفل الثاني رفض زوجي المشاركة، وترك لي تحمُّل أعباء الأسرة بالكامل إلى جانب دفع إيجار الشقة، واضطررت للعمل ليل نهار لتوفير احتياجات المنزل، ففكرتُ في الطلاق أكثر من مرة، ولكنني أخشى حمل لقب "مطلقة" في مجتمعٍ لا يرحم المرأة المطلقة؛ لذلك سأصبر وأتحمل العيش مع مثل هذا الزوج.

 

عفوًا لن أشاركك

أمل محمد- مدرسة- تزوجتُ بعد قصة حُبٍّ كبيرة، أنجبت بعدها محمد (5 سنوات) ولقناعتها بأن الزوجة الصالحة يجب أن تتحمل عيوب زوجها؛ حيث إنه ليس هناك إنسان كامل، صبرت وتحملت، ففي بداية زواجنا اشترط زوجي أن أشاركه تحمُّل أعباء الأسرة المادية فوافقتُ وبعد عامٍ من الزواج اكتشفتُ أن زوجي مستهتر وأناني ولا يستطيع تحمُّل المسئولية، فهو ينفق راتبه بالكامل على احتياجاته الشخصية دون الاهتمام بي أو حتى بابنه متناسيًا أن على الزوج والزوجة عددًا من الواجبات عليهما القيام بهما على أكمل وجه للحفاظ على كيان الأسرة، ولكن زوجي لا يعترف بذلك فدائمًا ما يطلب مني الذهاب إلى أسرتي واصطحاب ابني لتناول طعامنا هناك مع اقتراض بعض المال لتوفير احتياجاته الشخصية فقط.

 

وعندما أرفض يعاقبني بالضرب أمام ابني؛ لذا أتظاهر أحيانًا بتنفيذ أوامره والذهاب إلى أسرتي، ولكنني عادةً ما أذهب لإحدى الصديقات ثم أعود للبيت بعد خروجه للعمل وأجهز الطعام لابني ونأكل سرًّا في البيت دون علمه.

 

ابني مكتئب ومحبط دائمًا بسبب ما يراه من والده من خلقٍ سيئ وتصرفات غير لائقةٍ به كرَبِّ أسرة، لقد صبرت على كل شيء من أجل أسرتي وتحملت المسئولية وحدي ولكن زوجي نسى حقوق الله عليه وحقوق أسرته.

 

وهي نفس المشكلة التي منها سميرة محمد- موظفة بمكتب بريد-؛ حيث تركها زوجها تتحمل مسئولية الأبناء كاملةً متناسيًا ما عليه من واجبات ومهام، ودائمًا لا يذكر سوى شيء واحد وهو ضرورة طاعة الزوج وتنفيذ أوامره.

 

وتقول سميرة إنه في بداية زواجها طلب منها زوجها المساهمة في مصروف البيت فوافقت وعملت ليل نهار لتوفير احتياجات أبنائها، ولكن بعد سنواتٍ من الزواج اكتشفت أنها لا تتحمل مسئولية البيت فقط، ولكنها تتحمل مسئولية توفير احتياجات زوجها وأصدقائه، فعلى الرغم من أنه محاسب بأحد البنوك ويحصل على راتبٍ شهري مرتفع، إلا أنه يأخذ جزءًا من راتبها بالإكراه بحجة أن راتبه لا يكفيه، وأنه إذا لم يأخذ منها جزءًا من راتبها فكيف يكون مظهره أمام أصدقائه؟!

 

وتضيف: لقد تحملتُ كل هذا من أجل أسرتي ومن أجل المثل القائل: ظل رجل ولا ظل حيطة، فأين حتى هذا الحائط؟ فأنا أعجز أحيانًا عن دفع إيجار الشقة واضطر للاقتراض من والدي أو أحد أخوتي، ولكن والدي لا يستطيع مساعدتي في كثيرٍ من الأحيان؛ لأنه كبيرٌ في السن ودخله محدود، ويومًا بعد يوم بدأتُ أكره زوجي وأتمنى لو أنني كنتُ أرملةً على أن أرى زوجي على مثل هذه الحالة.

 

خلل التنشئة

هذه الحالات عرضناها على د. اعتماد علام- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- والتي أكدت أن هروب الزوج من تحمُّل أعباء الأسرة يرجع إلى عوامل متعددة، من أهمها حدوث خللٍ في أساليب التنشئة الاجتماعية والأسرة باعتبارها المصدر الرئيسي لتنشئة الأبناء لها تأثير كبير عليهم، بحيث يمكن القول بأن الأسرة لها الدور الأكبر في غياب الإحساس لدى الأبناء بقيمة الأسرة؛ وذلك من خلال أسلوب التنشئة السيئ وعدم تعويد الأبناء على تحمُّل المسئولية منذ مرحلتي الطفولة المبكرة والطفولة المتأخرة؛ مما يترتب عليه تزايد احتمالات هروب الأزواج من تحمل نفقات ومسئوليات الأسرة التي لم يعد هو سيدها والمسيطر عليها.

 

وأضاف أن أسلوب التنشئة بهذه الطريقة يرجع لأسبابٍ عديدةٍ منها أنه قد يكون الولد الوحيد في الأسرة أو الوحيد على البنات أو يكون ترتيبه الأخير بين الإخوة، فكل هذا من الممكن أن يجعل الابن مدللاً بحيث يعمل الوالدان بطريقةٍ غير مباشرة على ألا يمر ابنهما بخبراتٍ تُمكنه من تحمُّل المسئولية، وهذا في مرحلتي الطفولة المبكرة والمتأخرة، وقد لا يتحمل المسئولية أيضًا في مرحلة الشباب، فعند تجهيز بيت الزوجية لا يُساهم ولو بالقدر القليل في الأثاث أو حتى تكاليف الزفاف، ويرجع ذلك لارتفاع المهور وتكاليف الزفاف.

 

لذا تقوم الأسرة بتحمُّل المسئولية كاملةً دون إشراك الزوج وقد لا تغرس الأسرة قيمة الإيثار والعطاء، مما يجعل الشخص أنانيًّا، ليس لديه القدرة على العطاء بالقدر الذي يجعله يتحمل مسئولية الأسرة.

 

وتضيف د. علام: أما خارج نطاق الأسرة فنجد أن للأصدقاء (أو الشلة) دورًا مهمًّا وفعالاً في تدعيم سلوك عدم تحمل المسئولية؛ بحيث يمكن القول بأنه إذا كان نمط السلوك السائد بين الأصدقاء هو التخلي عن تحمُّل أعباء الأسرة، فإن الشخص بالطبع سيسلك هذا النمط في حياته.

 

وهكذا فإن كل هذه العوامل مجتمعةً تزيد من احتمالات هروب الأزواج من تحمل أعباء الأسرة.

 

وترى د. علام أن للزوجة دورًا مهمًّا وفعالاً في تعديل هذا السلوك لدى الزوج؛ وذلك من خلال إشراك الزوج وبالتدريج في تحمُّل أعباء الأسرة، ولا ننسى هنا توزيع الأدوار من هذا السلوك، فعلى سبيل المثال يقوم الزوج باصطحاب الأبناء إلى المدرسة؛ وذلك أثناء ذهابه إلى العمل، إلى جانب المذاكرة لهم ومتابعتهم في حين تقوم الزوجة بالأعباء المنزلية، وهناك واجبات مشتركة بين الزوجين فيما يخص أي قراراتٍ متعلقةٍ بإدارة المنزل وتربية الأبناء، والزوجة هنا يجب أن تعامل زوجها كشريكة حياة وليست كمديرة منزل، كما يجب أن يتسم أسلوبها باللطف واللين لا بصيغة الأمر والنهي.

 

وهكذا فإن توزيع الأدور والمشاركة في اتخاذ القرارات يجعل الزوج يشعر بالتدريج بأن لكلٍّ من الزوج والزوجة مسئوليات معينة في الأسرة، وأن لكل منهما عددًا من الواجبات والمهام عليهما القيام بها حفاظًا على كيان الأسرة.

 

المشاركة والقوامة

وترى د. إحسان محمود فهمي- أستاذ الأمراض النفسية بجامعة بنها- أن هروب الأزواج من تحمُّل أعباء الأسرة أصبح ظاهرةً تضرب صميم التماسك الأسري؛ مما يزيد من احتمالات حدوث خلافات بين الزوجين، ومما يلفت النظر هنا زيادة أعداد الأزواج الذين يتخلون عن تحمُّل أعباء الأسرة تاركين المسئولية كاملةً للزوجة.

 

 الصورة غير متاحة

 فمن منظورٍ تاريخيٍّ نجد أن المرأة دائمًا لها دور مهم وفعَّال في حياة الرجل بحيث يمكن القول بأن المرأة كانت تشارك الرجل في تحمل مسئولية تربية الأبناء وأعباء المنزل والعمل في بعض الأحيان كما في المجتمعات الريفية؛ حيث تساعد الزوجة زوجها الفلاح في عمله في الحقل، ولكن مشاركة المرأة هنا لا تعني عدم مشاركة الرجل، فالقوامة للرجل.

 

وتؤكد أن المجتمع الذي أصبحنا نعيش فيه قد تغيرت قيمه عن ذي قبل، فالمرأة نفسها لم تعد توفر لزوجها الجو الأسري الملائم والذي يجعله يحافظ دائمًا على بناء الأسرة وتماسكها، فالمرأة أصبحت متسلطةً بحيث يمكن القول بأن المرأة تنافس الرجل على السلطة ولا تكتفي بالمشاركة فقط؛ لذلك فإن الحق اليومي لصورة المرأة المتسلطة والمطالبة بالمساواة في الواجبات والمهام التي يقوم بها الزوجان يجعل الزوج سلبيًّا حيث يقرر الانسحاب والتخلي عن تحمُّل أعباء الأسرة تاركًا المسئولية بالكامل للزوجة، وهروب الزوج هنا يعود لأسبابٍ عديدةٍ منها شعور الزوج بالضعف والهوان أمام الزوجة إلى جانب استسهال مثل هذا النوع من المعيشة والتخلي عن المسئولية، وكرد فعل طبيعي لمطالبة المرأة بالمساواة ومنافسة الرجل على السلطة، وهو الأمر الذي يرفضه الرجل.

 

وهنا تفيق الزوجة على وضعٍ مؤلم،ٍ وهو تحملها لأعباء الأسرة بالكامل دون مشاركة الزوج، وحتى تتمكن الزوجة من تعديل هذا النمط لدى الزوج عليها القيام بعدة خطوات إيجابية وهي:

- على الزوجة أن تتبنى مفهوم المساواة في الحقوق والواجبات لا التنافس على السلطة وإعطاء الرجل القوامة في المنزل ورفع شعار: "أنا لا أنافسك على السلطة، ولكننا متساوون في الحقوق والواجبات".

 

-  أن تدرك الزوجة أن الأسرة شركة بين اثنين لا بد أن تعود عليهما بالنفع لا بالخسارة فهل تنجح شركة لها مديران؟ بالطبع لا.. لذا ينبغي الفصل بين مفهوم المساواة ومفهوم القوامة للرجل، وحتى لا تغرق مركب الحياة الزوجية لا بد أن يكون الكل من الزوج وللزوجة مسئوليات معينة في الأسرة، وباختلاف هذه المسئوليات فإن لكلٍّ منهما مهامَّ معينةً عليهما القيام بها على أكمل وجه حتى تستمر حياتهما الأسرية بسلام.