- عدم اعتقالي في محنة 54 ابتلاء ومفتش مباحث أمن الدولة بالمنصورة أنقذني
- أبو النصر رفع على رأسه خطاب حسن الهضيبي باستبعاده وقال "سمعًا وطاعة"
- عاكف طالب بتنحية الأكبر من 70 عامًا من انتخابات المرشد، وبكى عندما اخترناه
- للهايكتيسب تاريخ سيئ مع الإخوان منذ محنة 48 وحتى 2007م
حوار- علاء عياد
الأستاذ محمد هلال (عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين) من مواليد 1920م بقرية ميت علي مركز المنصورة محافظة الدقهلية، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) سنة 1950م، عمل محاميًا منذ تخرجه وحتى الآن بمقر إقامته بالمنصورة، التحق بجماعة الإخوان المسلمين عام 1943م أثناء وجوده في الجامعة، وبعد تخرجه أُسندت إليه مهمة سكرتير المكتب الإداري لمحافظة الدقهلية، ثم أصبح مسئولاً عنه عام 1954م، وقُدِّم للمحاكمة عام 1965م، وبَعد خروجه من المعتَقل عام 1970م كان مكتب المحاماة الخاص به قد أُغلق، فسافر ليعمل مستشارًا قانونيًّا بجامعة الإمام "محمد بن سعود" بالرياض لمدة سنتين، وجدد العقد إلا أن مدير الجامعة أنهى العقد؛ لأنه قال كلمة حق في أحد السوريين من الذين تجنسوا بالجنسية السعودية، وطالب بأن يتساوى في جميع حقوقه مع أي سعودي آخر، فعاد إلى مصر وعمل بالمحاماة مرةً أخرى.
وفي أوائل التسعينيات أصبح عضوًا بمكتب الإرشاد حتى هذه اللحظة، الحوار مع الأستاذ هلال ممتع فهو صفحة من صفحات تاريخ الإخوان تتحرك على الأرض، التقينا به ودار معه هذا الحوار:
* في البداية كيف كانت نشأتك وتعرفك على الإخوان؟
** لقد نشأت في قريةٍ صغيرةٍ بريف محافظة الدقهلية، وكان والدي يعمل بالزراعة بينما الوالدة كعادة نساء الأرياف تعمل في بيتها، وقد انتقلت إلى القاهرة عندما التحقتُ بكلية الحقوق التي تعرفت فيها على أحد الإخوة كان أصلاً من الدقهلية هو الأخ مصطفى كامل الذي ظل يتابعني ويزورني كأنه يدرس حالة، بمعنى أصح "عملني شغلته"، وكان سكنه يحتم عليه أن يمر على البيت الذي كنتُ أسكن فيه بالجيزة يوميًّا فكان في طريق ذهابه إلى الكلية يمر علي، وكذلك ونحن عائدون نكون أيضًا صحبة، كما كان يصطحبني كل ثلاثاء إلى المركز العام في الدرب الأحمر لحضور درس الثلاثاء.
وتعرفتُ من خلال الكلية على الكثير من الإخوان مثل الأستاذ سعيد رمضان والأستاذ مصطفى مؤمن، فكان الغالبية العظمى من طلبة الكلية بل طلبة جامعة فؤاد الأول من شباب الإخوان المسلمين، ووصل عدد الإخوان في كلية الحقوق وحدها إلى 46 تقريبًا.
إبراهيم عبد الهادي باشا
* وما قصة استبعادك من الكلية؟
** في سنة 1948 فُصلت من الكلية مع مجموعةٍ من الإخوان وتمَّ استبعادنا نهائيًّا من الجامعة، وكان في نفس التوقيت مقتل رئيس الوزراء النقراشي باشا وتولَّى إبراهيم عبد الهادي الذي أقام قيامة الدولة لمقتل النقراشي واعتقل الآلاف ممن لهم صلة بالإخوان بطريقةٍ عشوائيةٍ في نفس المكان الذي يُحاكم فيه الإخوان الآن محاكمة ظالمة غير شرعية وغير قانونية، في الهايكستب، واجتهد كل واحدٍ منا في ظل هذه الأزمة أن يجد له مكانًا بعيدًا عن أعين الأمن، فذهبتُ إلى قريتي، إلا أن خبر إبعادنا عن الكليات وخبر الاعتقالات وصل إلى أهالينا، وعرف والدي بخبر الاعتقالات والفصل من الكلية فقال لي: "ليس من المناسب أن تبقى هنا حتى يلقوا القبض عليك، فطالما أنك قررت أن تهرب منهم، فهذا المكان لا يصلح، وسيكون مكانك في القاهرة أفضل"، وبالفعل اتجهتُ إلى القاهرة، وهناك بدأ الأمن يطرق أبواب البيوت التي كان يسكنها طلاب وشباب الإخوان، وكنت وقتها أسكن في إمبابة مع مجموعةٍ من الإخوة منهم الشهيد هنداوي دوير، وبالفعل ظللت فترةً في هذا المكان دون أن يعرف أحد مكاني، إلى أن اشتدت الأزمة واعتقلت.
* وما ذكرياتك بالنسبة لأول مرة اعتقال؟
** هناك في مكان احتجازنا في الهايكستب قابلتُ ضابطًا كان زميلاً معي في مدرسة المنصورة الثانوية اسمه عز الدين شرف، وكان والده كبير أطباء في مديرية الدقهلية؛ حيث لم تكن بعد محافظة، فكان أسفًا أن يكون زميلاً وحارسًا عليَّ في نفس الوقت، ولكن دخلني بعض الاطمئنان برغم أنه كان ما يزال ملازمًا، وكان من ضمن الإخوة الموجودين معنا الدكتور حسان حتحوت الذي يُقيم الآن في أمريكا ومن قيادات الإخوان هناك.
ومن الذكريات التي لا تُنسى عندما أراد قائد المعتقل أن يؤدب الإخوان بسببٍ أو حتى من غير سبب، وكان التأديب عبارة عن ضربٍ بالعصي، وكان الضعاف أمثالي يأتي إليهم الإخوان أصحاب الأجسام الفارعة ليكونوا عليهم مظلة، فيتحملون هم الضرب ونحن نُعلي أصواتنا بالصراخ حتى يكفوا عن الضرب، وبعد فترةٍ جاء قرار المباحث العامة أو القلم السياسي بترحيلنا إلى معتقل الطور على ساحل البحر الأحمر، وكان هذا المكان معدًّا في الأساس لاستقبال الحجاج والمعتمرين العائدين من السعودية يمكثون فيه فترة الحجر ثم يعودون إلى بلادهم، وفي هذا المعتقل كان يوجد خمسة أماكن يسمونها الحذاءات عبارةً عن مساحةٍ كبيرةٍ جدًّا محاطة بأسلاك شائكة، وكل حذاء ينفصل عن الآخر بالأسلاك الشائكة.
![]() |
وكانت رحلة الوصول إلى هناك عن طريق الباخرة "عايدة" التي كانت في الأساس عبارة عن باخرة لنقل الماشية إلى الموجودين من الحجاج والمعتمرين في هذه الحذاءات، ونزلنا من الباخرة "عايدة" التي كنا مشحونين عليها مثل المواشي، وطوال رحلة الباخرة "عايدة" أو الرحلة إلى جبل الطور لم يفقد الإخوان روح الدعابة والإخوة، ونزلنا من الباخرة وسرنا طوابير إلى المعتقل، وكان من بين الإخوان المعتقلين معنا رجل كبير اسمه الشيخ محمد جبر التميمي الذي كان يجلس بنا عقب صلاة التراويح في شهر رمضان لإرسال تلغرافات إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والذكر، وظللنا على هذه الحالة طيلة شهر رمضان، وفي يوم الوقفة إذ بالأخبار تأتي بعنوانين في الصحف "هدية الملك فاروق للمصريين.. إقالة إبراهيم عبد الهادي"، وتم الإفراج عن كل الإخوان، ورد الإخوان الجميل للوفد في 3 يناير 1950؛ حيث انتخب الإخوان حزب الوفد ونجح في تشكيل الوزارة منفردًا.
* برغم أنك مررت بمحنة 48 إلا أنه من الغريب أنك لم يتم اعتقالك في محنة 54، فما السبب وراء ذلك؟
** شاء الله أن لا أدخل المعتقل سنة 1954، وكان ذلك لسببٍ غريبٍ فمفتش مباحث أمن الدولة في الدقهلية مصطفى جنيد، كان أخوه زميلي في كلية الحقوق، وكان يعرف الصلة التي بيني وبين أخوه، وشاء الله عزَّ وجل عندما أراد أن يعتقل الإخوان أن يسقطني من الحساب، وبرغم أنه لم يتم اعتقالي إلا أنه كان ابتلاء لي؛ لأن كل الإخوان دخلوا السجون ونفر قليل هم مَن لم يدخلوا السجن، فكان أمرًا صعبًا على النفس أن يكون كل الإخوان داخل السجون وأن نكون في بيوتنا.
* لنعود إلى قصة استبعادك من الكلية، كيف استطعت إذًا إكمال دراستك وحصولك على ليسانس الحقوق؟
** بعد خروجنا من المعتقل كان حسين سري رئيس الوزراء، والعشماوي باشا وزيرًا للمعارف، وكان ابنه أخونا المستشار حسن العشماوي الذي تعرَّفتُ عليه في بيت أخونا المستشار منير الدلة الذي كان متزوجًا من ابنة العشماوي باشا، والذي كان يعقد عنده طوال هذه الفترة اجتماعات مكتب الإرشاد، وكنت اصطحب في هذا الوقت الدكتور خميس حميدة الذي كان عضوًا بمكتب الإرشاد، فطلبتُ من الأخ حسن عشماوي أن يطلب من والده مقابلتنا، وبالفعل قابلناه في إدارة الجامعة وشرحنا له ما مرَّ بنا من ظروف الاعتقال ومنعنا من أداء الامتحانات، وفي نفس اليوم جمع العشماوي باشا مجلس الجامعة وقرر عقد امتحانات داخل السجون ولمَن أُفرج عنه لكل شهادات النقل ما عدا الكليات العملية؛ وذلك في غير وقت الامتحانات.
المرشدون العظام
الإمام الشهيد حسن البنا

* لقد ذكرت أسماءً كبيرة كانت هي المسئولة عن الجماعة مع الإمام حسن البنا.. فهل معنى ذلك أنك عايشته رحمه الله؟
** كل علاقتي بالإمام كانت من خلال حديث الثلاثاء في مقرِّ الجماعة بالحلمية، ولكني أردتُ أن أتعرف عليه عن قرب، فقمتُ بزيارته مع أحد الإخوان الذي مات شهيدًا بعد ذلك، وعندما دخلتُ بيته وجدته متواضعًا "كنبتين إسطنبولي ليس عليها مراتب بل كليم"، ووجدتُ حسن البنا الذي تهتز له المنابر ويعمل له العالم ألف حساب وحساب وهو الرجل الذي هزَّ عرش فاروق، رجلاً متواضعًا جدًّا، وأذكر أن ذلك كان في نهاية عام 48 ودخل علينا الإمام البنا وهو ممسكًا في يده "صينية الشاي"، وكان رحمه الله يكتفي بلقيمات يقمن صلبه، ولو أراد الدنيا لفتحت له كل أبواب العظمة والجاه، لكن حسن البنا كانت وجهته إرضاء الله عز وجل، فحينما يذهب من القاهرة إلى قنا أو أسوان وهو راكب درجة ثالثة لا يفتأ أن يتحدث مع الركاب أو مَن يقابلهم حديثَا شيقًا يجذب الانتباه، وقد يكون في حاجةٍ إلى النوم فيحرم نفسه من النوم من أجل أن يدعو مَن يلتقي به إلى الإسلام، ليأخذ بيدهم من الضلالة التي يعيشون فيها إلى الخير الذي يريده الله لهم، لا يستطيع أحد أن يُصوِّر حسن البنا أو أن يكتب تاريخه رغم كل ما كُتِبَ عن حسن البنا، إنما كان إنسانًا ربانيًّا باع الدنيا من أجل الآخرة، ودعا الناس ولم يسترح حتى لقي الله شهيدًا بيدٍ آثمةٍ بتدبير فاروق وإبراهيم عبد الهادي.
* وماذا وجدت من المرشدين الذين جاءوا بعد الإمام حسن البنا؟
المستشار حسن الهضيبي

** جاء المستشار حسن الهضيبي الذي كان لي معه وقفات، ولم يكن هذا الرجل خطيبًا مفوهًا ولا عالمًا ملمًا بكل أمور الإسلام، ورغم ذلك كان رجلاً إذا قُيس بالخطباء المفوهين والفقهاء العالمين لا يمكن أن تقول إنهم يفضلونه بشيء فكان حقًّا قارئًا في الفقه وفي كتاب الله، ولكنه كان قليل الكلام كثير التوجيه والعمل، وخلال فترة سجنه سواء في السجن الحربي أو في مزرعة طره كان نموذجًا فريدًا صائب الرأي عظيم الهمة، إذا التقى بعتاة المجرمين من ضباط أمن الدولة أو الشرطة وهو جالس يضع رجلاً على رجل لا يتحرك مهما حاولوا أن يرعبوه وكانوا حينما يسيرون طابور التعذيب في السجن الحربي وهو جالس ليرى إخوانه وهم يعذبون ويجوعون كان يُقوي من عزيمتهم ويقول لهم اصبروا فإن الله معكم، ويلجأ إلى الله تبارك وتعالى أن يرفع الظلم عنهم.
ومن المفارقات التي لا يمكن المقارنة فيها، أن نقارن بين حسن البنا الذي كانت تعرفه الدنيا كلها بأنه الخطيب المفوه والعالم الجليل والداعية الذي لا يشق له غبار وبين حسن الهضيبي الذي جاء بعده وهو ليس بخطيبٍ ولا مفوه، بالفعل كان هناك فرق كبير جدًّا بين الشخصيتين، ولكن من الخطأ أن يستقر في أذهان العالم أن الداعية إلى الله من الضروري أن يكون خطيبًا مفوهًا أو عالمًا في الفقه، فكان حسن الهضيبي بصمته يهز الدنيا كلها والجبابرة في السجن الحربي الذين حاولوا أن ينالوا منه كان ينظر إليهم رغم الظلم الذي رآه هو وإخوانه قائلاً "هداكم الله"، فقدر الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون في هذه الفترة الزمنية هذا الرجل الشامخ الصلب الذي لا ترهبه أفعال الظلمة وهو صامد كان صمته أكبر تعبيرٍ عن عظمته وصبره واحتسابه لله تبارك وتعالى.
![]() |
|
الأستاذ عمر التلمساني |
ثم أتي بعد ذلك عمر التلمساني الرجل السهل الممتنع الداعية الصوام القوام الذي قال في وجه الظالم "لو أني ظُلمت من أحدٍ غيرك لشكوته إليك، ولكني أشكوك إلى الله".. فانتفض السادات من موقعه وكاد أن يسقط من على كرسيه؛ لأن الكلام هزَّه من أعماقه.
ثم جاء الرجل المتواضع العظيم الأستاذ محمد حامد أبو النصر الذي قدَّر الله لي أن أكون بجواره طيلة الفترة التي كان مرشدًا فيها أجلس بجانبه، فكان هذا الرجل بحق عملاقًا شامخًا عظيمًا، وكان من كبار القوم في الصعيد له قيمته وكرامته، وقد أمضى عشرين عامًا في السجون، وحينما كان مع الإخوان في سجن قنا رأى المستشار حسن الهضيبي والذي كان في ذلك الوقت بسجن مزرعة طرة أن يرعى الإخوان ويُدبِّر شئونهم أحد الإخوان غير الأستاذ حامد أبو النصر؛ لأنه كان كبيرَ السن ومريضًا، فأرسل له المستشار الهضيبي كتابًا يقول له: "سلم الأمانة التي في يدك إلى فلان"، فما كان منه إلا أن رفع الخطاب على رأسه وقال: "سمعًا وطاعة".
وجاء بعد ذلك مصطفى مشهور الذي عاش ومات داعيًا إلى الله تبارك وتعالى، وقد قُدِّر له أن يخط بيده عددًا من المؤلفات كلها في صميم الدعوة وتُكرِّس كل ما من شأنه أن يؤكد أن هذه الدعوة باقية إلى يوم القيامة.
أما المأمون الهضيبي فقد عايشته كثيرًا طيلة المدة التي كُلِّفت فيها أن أكون في مكتب الإرشاد، وكنتُ كثيرًا ما أختلف معه فإذا عُرض الأمر على مكتب الإرشاد وأُخذ الرأي كان أول الملتزمين حتى لو كان القرار ضد رأيه، فكان عالمًا وكان قادرًا على أن يقود الإخوان في فترةٍ من أحلك الفترات التي مرَّت بها دعوة الإخوان.
حكاية عاكف وهلال
*بعد وفاة الأستاذ المأمون الهضيبي، وجدنا ولأول مرةٍ في تاريخ الإخوان أن يكون هناك مرشد لمدة أسبوع، بل ويحمل لقب "مرشد سابق"، وكان هذا الشخص هو أنت، فما ذكرياتك خلال هذه الفترة؟
** تبدأ الحكاية عندما كنتُ في عمرةٍ مع أحد بناتي قبل وفاة الأستاذ المأمون وهناك وجدتُ أمرًا يلحُّ عليَّ ليل صباح، وهو أن الله إذا قضى بوفاة الأستاذ المأمون أصبحتُ حسب اللائحة قائم مقام هذا المرشد لأني أكبر أعضاء المكتب سنًّا، وهو أمرٌ ما كنتُ أحبه ولا أطلبه.
ولم يفارقني هذا الأمر وأنا ساجد بين يدي الله في الكعبة وقلت: "يا رب أنت أعلمُ بحالي وأنا لا أستطيع ولا أملك أن أتعرَّض لهذه المحنة"، واستمرت الأيام وانتهت فترة العمرة وعدتُ إلى مصر وحدث ما كنت أخشاه.
ومن عادتي النوم مبكرًا، وفي يوم الوفاة وإذا أنا في منتصف الليل اتصل بي أحد الإخوة وقال "البقاء لله في الأستاذ المأمون" فاستجمعت كل قواي وقلت "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وجهزتُ حقيبة السفر وسافرت على الفور إلى القاهرة وتوجهتُ مباشرةً إلى المركز العام بالروضة، وهناك وجدتُ الأستاذ عاكف الذي قدَّمني لأصلي الفجر بمَن وصل من أعضاء مكتب الإرشاد الذين جاءوا من محافظاتهم، وبالفعل قرر مكتب الإرشاد العام أن أقوم بمهام المرشد العام؛ طبقًا للائحة جماعة الإخوان المسلمين التي تنصُّ على أن يتولى أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنًّا المسئوليةَ في حالة غياب أو وفاة المرشد؛ وذلك لحين الانتهاء من إجراءات انتخاب المرشد العام الجديد.
وكان في نفس هذا اليوم موعد انعقاد مكتب الإرشاد العالمي ومجلس الشورى العالمي، وكانوا قد انتهوا من اجتماعهم في لندن، وبعد إعلان الخبر تم استدعاء الحضور مرةً أخرى بعد أن توجهوا إلى المطارات إلى الاجتماع ثانيةً ليسموا المرشد العام الذي سيختاره جميع الإخوان من كل الأقطار، وفي الواقع إذا قسنا هذا الموضوع نجده ربانيًّا أن يكون في يوم الوفاة اجتماع مكتب الإرشاد العالمي ومجلس الشورى العالمي، فإذا كان الإخوان انصرفوا إلى بلادهم كان الأمر يقتضي مدةً قد تتجاوز الشهر وأكثر أن يسمى المرشد الجديد، ولكنها مشيئة الله عز وجل خففت عنا هذا العبء.
وبعد تشييع الجنازة والعزاء الذي انتهى عند منتصف الليل عاد أعضاء مكتب الإرشاد إلى المركز العام، ولم يكن هناك مَن تأخَّر سوى الدكتور رشاد بيومي الذي كان مريضًا، وكانت الاتصالات بيننا وبين لندن في هذه الأثناء مستمرة نُخطرهم أولاً بأول بظروف اجتماع مكتب الإرشاد، وظلوا منتظرين مَن نرشحه بالإضافة إلى ترشيح باقي الأقطار، وفي اليوم الثاني كان اجتماع مكتب الإرشاد واستمرت المشاورات، وانتهينا إلى أنه لا بد أن نُسرع من العمل والاختيار حتى نستطيع أن نبلغ إخواننا الذين كانوا قد انصرفوا على المطارات برأي القاهرة، وفي حالة تعذر انعقاد مجلس الشورى العام يأخذ مكتب الإرشاد صلاحيات مجلس الشورى العام؛ لأنه في الأصل أن الذي يرشح المرشد هو مجلس الشورى العام وليس مكتب الإرشاد.
![]() |
|
الأستاذ محمد مهدي عاكف |
* وما كواليس انعقاد مكتب الإرشاد هذه المرة؟
** أثناء انعقاد المكتب وقف الأستاذ محمد مهدي عاكف وقال يا أخ محمد هلال: "أنا بقول كل مَن تخطَّى السبعين من عمره ينسحب وتجرى الانتخابات على الباقين من الإخوان"، فرددتُ عليه وقلت له: "يا أخ عاكف، هذا ليس بحقنا، ولا نستطيع أن نخالف اللائحة"، ثم وزعت الأوراق على الإخوان لإبداء الرأي وقلتُ لهم "الجميع مطروحون للاختيار ما عدا الذي يجري الانتخابات وهو أنا، وتمَّت القرعة، وكان ينبغي أن يُعاد الأمر مرةً أخرى؛ لأنه لم يحصل أحد على أكثر من 50%، وأعدنا مرةً ثانيةً فحصل الأستاذ عاكف على أكثر من 50% يليه الدكتور حبيب ثم يليهما المهندس خيرت الشاطر، وبكى عاكف كثيرًا، ودعا له الجميع في هذه المهمة الصعبة الشاقة التي اختاره الله لها، وأخطرنا لندن وجاءت مكالمات باقي الأقطار تؤكد موافقة كل الأقطار على مثل اختيار مصر، برغم أن لائحة الإخوان ليس فيها ما يُفيد أن يتم اختيار المرشد العام من مصر بل من أي قطر، ولكن أعتقد أن جميع الإخوان في كل الأقطار يعلمون أن القاهرة هي بلد نشأة الدعوة، فجرى العمل تفضلاً منهم وعلمًا بأن مصر هي التي قدمت من الشهداء والإخوان الذين عُذبوا وأنها محضن الدعوة ومنشأها.
ومنذ أن أعلنت أن اسم المرشد العام محمد مهدي عاكف هدأت نفسي، ومن الأمور التي ما زلتُ أذكرها أنه قبل الإعلان عن اسم المرشد كانت الفضائيات تأتي إليَّ لتأخذ مني تصريحات حول طريقة اختيار المرشد ونظام الجماعة، وبعد أن أعلنتُ أن محمد مهدي عاكف هو المرشد العام إذْ بالفضائيات تتسابق إليه ليتحدث إليها وكنتُ في هذه اللحظات بجانبه، فإذا به يقول "عن أذنك عشان عاوزين حديث معي"، فرددتُ عليه "يا أخي، دا أنا لسه مسلمك الأمانة"، فضحك الجميع وكان مزاحًا ظريفًا بطريقة عاكف على فطرته سليمة الطوية وبنفسه الطيبة البسيطة، فلم يكن عنده أي تعقيدات، المهم باختصار أني سلمتُ الأمانةَ وعدتُ إلى المنصورة، واستغرقتُ في نومٍ عميقٍ بعد هذه المرحلة الصعبة التي مررتُ بها.
وكان الثاني في الأصوات هو الدكتور حبيب والثالث المهندس خيرت الشاطر، فبادر الأستاذ عاكف وطلب أن يكونا نائبين له، وسارت الأمور بعد ذلك بصورةٍ طبيعيةٍ، وانعقد مجلس الشورى العالمي مرةً أخرى في بيروت وصدَّق على اختيار الأستاذ مهدي عاكف.


