- الإمام البنا منعني من حرب فلسطين لحاجة والدي وعمي إلي

- شاركت في تأمين المركز العام أثناء لقاء البنا برياض الصلح

- الإخوان لا يتغيرون.. وزمان أفضل من الآن في العمل والحرية


حوار- عبده دسوقي

الحاج سعد زكي محمود الجزار؛ المشهور بسعد الجزار، من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، وأحد شهود العيان على حركة الإخوان المسلمين؛ وُلد في منطقة طرة بجنوب القاهرة، في 12 أبريل عام 1925م، كان والده من محبِّي مصطفى كامل ومحمد فريد، وهو ما جعله ينشأ في أسرة محيطة بما حولها من أحداث بخلاف عادة الناس وقتها، وقد عمل الحاج الجزار نجَّارًا في بداية حياته في ورشة والده، وظلت هذه المهنة تلازمه حتى كبرت سنه وتركها.

 


تزوج وهو صغير من ابنة خالته عام 1945م، والتي تُوفيت بعد عامين ونصف العام من الزواج، فتزوج من أختها عام 1948م، ورزقه الله بـ"وداد" عام 1952م، و"سمية" عام 1955 بعد دخوله المعتقل، و"أسماء" عام 1965م قبل "الحبسة الثانية".


تعرفه على الإخوان كان عن طريق عمه، ليبدأ من وقتها رحلةً وصفَها بأنها حجرٌ صغيرٌ في بيت كبير اسمه الدعوة إلى الله..


التقينا به، وفتشنا معه في ذكرياته عن الإخوان، وعن مصر، ورغم تجاوزه الثانية والثمانين من عمره، إلا أن ذاكرته حاضرة، وخاصةً عندما يتذكر الإمام حسن البنا، وإلى نص الحوار الذي بدأناه بهذا السؤال:


* كيف تعرفت على جماعة الإخوان المسلمين؟

** كان عمي عبد الحميد محمود الجزار- رحمه الله- موظفًا بمصلحة المساحة بالجيزة، وكان له صديق فدعاه عمي لزيارته فوافق، وطلب مني عمي أن أكون موجودًا وقت وجود الضيف، وكنت سعيدًا، وجاء الضيف وقدمت لهما واجبَ الضيافة، وكانا يتحدثان في الدين، وكنت لا أفهم شيئًا مما يقولان.

 

وفي أحد الأيام كانت معه مجموعة من الناس، وكان بينهم الأستاذ حسن البنا، واتفقوا أن يكون هناك موعد أسبوعي بينهم يحضره الأستاذ البنا أو غيره من الإخوة، مثل الشيخ أحمد الباقوري وعبد اللطيف الشعشاعي، واستمر هذا الحال من عام 1934 حتى 1936 حتى جاء البوليس لبيت عمي وجمَع كل الأوراق مما كان له أثر عميق في نفسي، خاصةً بعد أن مزَّق الورقة المكتوب عليها قول الله عز وجل ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)﴾ (الذاريات)، وانقطعت الأخبار عن أصحابه حتى عام 1942م؛ حيث كنت أسير في شارع 54 بالمعادي، فوجدت دارًا وقد كتبت عليها لافتة كبيرة (الإخوان المسلمون - شعبة المعادي)، فاقتربت منها فوجدت واحدًا بداخلها ينادي عليَّ باسمي، وكان الأستاذ عبد العزيز رسلان أستاذي في المدرسة، فسلَّم عليَّ وسألني عن عمي وبعض الناس، ثم قال لي: "ألا تكبُرون وتكونون رجالاً وتُقيمون شعبة عندكم؟"، ولم أفهم وقتها ما يريده ولكنني قلت بتلقائية سأبحث هذا الموضوع، فقال لي ابحث عن شقة وأخبِرني بعد أن تؤجِّر المكان وأنا أحضر لك الأثاث.


وأثناء عودتي لمنزلي بطرة وجدت يافطات كثيرة كتب عليها "الإخوان المسلمون"، و"الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا"، فسألت: من كتب هذه الأشياء؟ فقالوا الشيخ هاشم، وهو من الطريقة الرفاعية؛ فذهبت له وقلت لماذا كتبت هذه الأشياء؟ فقال لا أدري إنما أعجبتني الكلمات فكتبتها، فقلت له لا بد من عمل، ونحن بصدد تأجير مكان لعمل دار للإخوان المسلمين، ومن وقتها أصبحت من الإخوان وأصبح لنا دار، ولم يعترض أبي على سيري مع الإخوان المسلمين، وكان يأتي الشيخ محمود سعيد والأخ فريد عبد الخالق ليحاضرا فيها، ولقد كنت زعيمًا لرهط الجوالة في طرة، ثم أمينًا لصندوق الشعبة، ثم سكرتيرًا لها فترةً، ثم وكيلاً للشعبة، حتى انتُخبت نائبَ الشعبة حتى وقت حلِّ الجماعة عام 1948م.


وبعد عودة الجماعة وإلغاء الأمر العسكري تابعت الشعبة نشاطها، وأخذنا دارًا أكبر من التي كانت موجودةً، وبدأنا العمل الدعوي، وقد نشطت الأقسام بعد عام 1951م، مثل قسم الطلبة، كما قمنا بتأجير قطعة أرض، وأقمنا عليها ناديًا رياضيًّا للعبة البنج بونج والتنس وغيرهما من الألعاب.

علاقتي بالبنا

* معنى ذلك أن هناك لقاءاتٍ جمعتك بالإمام البنا رحمه الله؟
 
 الصورة غير متاحة

الإمام الشهيد حسن البنا

**

كان الأستاذ طاهر عبد المحسن- وهو من الرعيل الأول للدعوة وعضو مكتب الإرشاد في عهد الإمام البنا- يهيِّئنا لمبايعة الأستاذ البنا وبايعنا، وأصبح يحضر معنا كتائبنا في المركز العام، وكنا نحافظ على حضور محاضراته، حتى إنني أثناء الكتيبة كان يغالبني النوم لطبيعة عملي المرهِقة في النجارة، فكان يسمح لي بالانصراف لكي أرتاح.


وكنا نحافظ على حضور المؤتمرات، كما كان يعرفني معرفةً شخصيةً، وكنت دائمًا محافظًا على زيارته في بيته، وعندما قُتل أحمد ماهر واعتُقل الإمام البنا، بعد خروجه ذهبت لزيارته وكان معي ابن عمتي عبد الفتاح، وبعد أن جلسنا معه قلت له: أستأذن سيادتكم لأن عبد الفتاح وراءه موعد الآن؛ فقال: عبد الفتاح يذهب لموعده ويخبر خاله أنك ستتأخر بعض الوقت، ثم قال: اتجه أنت إلى سطح المركز العام وانتظر فوقه، فتوجَّهت إلى سطح المركز العام فاعترضني بعض الإخوة فقلت لهم: كنت مع الإمام البنا وقال لي اذهب إلى سطح المركز العام فأذِنوا لي، وبعد ذلك رأيت وفودًا من سوريا ولبنان مع الإمام البنا منهم "جميل مردم ورياض الصلح"، وعلمت أننا كنا نقوم بتأمين المكان.


* في هذه الفترة حدثت حرب فلسطين فهل شاركت فيها؟

** كنت أحد أفراد الجوالة أثناء حرب فلسطين عام 1948م، وقد كتبت اسمي ضمن المتطوعين، إلا أن الإمام البنا رفض سفري لمعرفته بارتباط والدي وعمي بي جدًّا، لكنني كنت أقوم بجمع السلاح وإرساله إلى المجاهدين في فلسطين عن طريق الهيئة العليا تحت رئاسة المجاهد أمين الحسيني، وفي إحدى المرات أقمنا حفلاً بمناسبة المولد النبوي في مسجد الجزار- التابع للعائلة- وأرسل إخواننا شيكات على بياض للتبرع لفلسطين مع الأخ علي عثمان وعلي عصام، وأمسكت الشيكات، وخطبت في الناس أن يتبرَّعوا؛ فسارع كل واحد منهم للتبرع حتى نفدت الشيكات على اختلاف فئاتها، ولكن كانت التبرعات مستمرة، ففتحت حجر ثوبي وأخذت أتلقَّى التبرعات بعد نفاد الشيكات.

التنظيم الخاص

* بعد مقتل الخازندار ظهر اسم "التنظيم الخاص" للإخوان، ورد اسمك ضمن أعضائه في تحقيقات النيابة في حادث السيارة الجيب.. فما علاقتك بهذا التنظيم؟

** أنا لم أكن في النظام الخاص في فترة الإمام البنا، لكنني كنت أسمع عنه خاصةً بعد حادث الخازندار والسيارة الجيب، وكل ما كنت أقوم به داخل الشعبة أو خارجها هو حراسة المركز العام، خاصةً المطابع الموجودة في الدار القديمة، وكنا نقسم أنفسنا إلى مجموعتين، كل مجموعة عدة أيام، وكانت لي صلة قوية بالمهندس السيد فايز؛ فهو كان أيضًا مقاولاً، وكنت أنا صاحب ورشة نجارة؛ فكان بيننا تعامل، وقد ألمح لي للانضمام للنظام الخاص حتى علمت أنه اغتيل فحزنت حزنًا شديدًا.

 
الجزار في شبابه
 

وبعد أن تم التشكيل الجديد لنظام بعد عبد الرحمن السندي، تم اختياري ضمن النظام الخاص، وقد رشحني الأخ عبد المتعال مدني، وكانت مجموعتي مكونةً من محمد ماهر وسعد عمار ودرويش إسماعيل وأحمد مصطفى، وكنا نقوم بتنفيذ البرامج الإيمانية والتدريبات العسكرية في معسكر حلوان، كما كنا نتدرَّب على السلاح لمحاربة الإنجليز، خاصةً أنهم كانوا يعيثون في الأرض فسادًا في منطقة المعادي؛ فكان يجب أن نردعهم، وأذكُر- وأنا صغير- أنني قمت أنا وابن عمي حسن بجلب البارود ووضعه على الطريق أمام الإنجليز فانفجر؛ حتى إن جزءًا من الطريق سقط في النيل فخاف الإنجليز من هذه العمليات، لكننا لم نكلَّف بعمل شيء أثناء وجودي في النظام الخاص، بل بالعكس استفدت كثيرًا بكوني أحد أفراد النظام ونائب الشعبة؛ حيث كنت أمنع الأخبار والمعلومات التي أرى أنها ستثير البلبلة وسط الصف، خاصةً في الفترة التي كان التوتر ظاهرًا بين الإخوان ورجال الثورة فيها.


* حدِّثنا عن فترة اعتقالك؟
 
 الصورة غير متاحة

الجزار في شبابه

** في الساعة الحادية عشرة مساء ليلة 26/10/1954م كنت أعلم أن عبد الناصر سيخطب في ميدان المنشية، وفي هذه الساعة سمعت أن عبد الناصر أُطلق عليه النار، لكنه نجا، وأنَّ الذي أطلق عليه النار واحدٌ من الإخوان، وفي 30/10/1954م اعتُقلت من الموسكي وذهبوا بي إلى سجن مصر ثم إلى مجلس قيادة الثورة، وكان التعذيب شديدًا هناك على يد عدد من ضباط الثورة؛ أمثال: علي صبري، والدسوقي الششتاوي، وعلي شفيق، ومحمد عبد الرحمن نصير، ثم ذهبوا بي إلى سجن القلعة، وكان مكانًا موحشًا بعيدًا عن العمران، ومكثت فيه فترةً ثم نقلوني إلى السجن الحربي، وكانت تهمتي أنني أحد أفراد الجهاز السري الذي يهدف إلى قلب نظام الحكم، وحُكم عليَّ بعشر سنوات قضيت تسعًا منها في سجن الواحات وعامًا قضيته في سجن أسيوط قبل الخروج عام 1964م.


وقد تم ترحيلنا لسجن الواحات في 16/5/1955م، وكان به كل قيادات الجماعة؛ فكان معظم أعضاء مكتب الإرشاد هناك مثل الأستاذ محمد حامد أبو النصر وعمر التلمساني وحسين كمال الدين وكمال خليفة، وأحمد شريت، وغيرهم من الإخوان، مثل الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد الحالي، وفي سجن الواحات استقبلونا بحرق ملابسنا وألبسونا ثياب السجن، وهو مكوَّن من قميص وبنطلون في الشتاء والصيف، وكان معنا عدد من الشيوعيين لكنهم خرجوا بعد أن هدَّد رئيس روسيا أنه لن يمدَّ مصر بدعم لتنفيذ مشروع السد العالي إلا بعد إطلاق سراح الشيوعيين وتقليدهم الإعلام.


وكعادة الإخوان في أي معتقل؛ فإنهم كانوا يحيون حياتهم بالعبادة والطاعة وتوثيق عرى الأخوَّة؛ حتى إن الأخ محمد سليم كان في العيد يحضر لنا الشاي وأي شيء يطلبه الإخوان، واستطعنا التأقلم مع الظروف التي كنا فيها، حتى خرجت في أكتوبر 1964م، لكن لم نمضِ فترةً كبيرةً بالخارج حتى صدر قرار باعتقالنا مرةً أخرى في 11/8/1965م وذهبوا بنا إلى القلعة، وأخذوا يسألونني عن الجِوال الذي وزَّعتُه على محمد عبد المجيد وحسن كامل- من الإخوان أصحاب ورش النجارة- وفي هذا التوقيت كانت الخامات قليلةً، وما هذا الجوال إلا جوال "غرة" كنت قد حصلت عليه- وعلقوني وبدأت العلقة الساخنة حتى أعترف، ثم رحلت إلى سجن الفيوم، وقضيت به فترةً ثم نقلت إلى السجن الحربي، وعُذِّبت تعذيبًا شديدًا بسبب أن علي عشماوي قال إن سعد الجزار عضو في التنظيم الخاص، وعندما واجهته وسألوه عني قال لا أعرفه؛ فقد كان يقصد الأخ سعد الذي كان يعمل جزَّارًا، لأن الناس كانت تناديه سعد الجزار، وبعد السجن الحربي انتقلت إلى أبو زعبل، وبعد النكسة رحلت إلى معتقل طرة حتى خرجت في 28/11/1970م.


* ما هي الذكريات التي لا تنساها مع الإخوان وخاصةً في المعتقل؟

** خارج المعتقل هناك موقف لا أنساه أبدًا؛ حيث كنت نائبًا للشعبة؛ فكان الأستاذ طاهر عبد المحسن يأتي ليعلمنا الدعوة وأهدافها ومبادئها، وفي إحدى المرات قال له وكيل الشعبة- وكان أكبر مني سنًّا-: الله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فقلت له: لا يا أستاذ فلتأتِ بالآية من أولها ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، والتهلكة هي الإمساك عن الإنفاق، لكنَّ الإخوان اعتبروني أخطأت في هذا الردِّ لصغر سنِّي عنه، وبعدها اجتمع مجلس إدارة الشعبة وقرر إيقافي ثلاثة أيام، فاستجبت لهذا القرار، وخرجت من البلد حتى لا يأتي إليَّ أحد من الإخوان ويحدثني وأحدثه في أمور الدعوة كنائب للشعبة، وسافرت إلى المحلة الكبرى عند الأخ مصطفى الغنيمي، وبعد أن مرت الثلاثة أيام عدت للشعبة وكأن شيئًا لم يحدث.


وفي داخل المعتقل هناك مواقف لا أنساها؛ منها أن الإخوان كانوا يسيرون مع بعضهم البعض؛ فكان الدكتور أحمد الملط- وهو طبيب- يسير مع الأستاذ حسني عبد الباقي وهو مزارع والأخ عبد العزيز زعير وكان بقَّالاً؛ فكان قائد المعسكر ينادي عليَّ ويقول: هؤلاء الثلاثة طول الطابور يتحدثون مع بعضهم، ففيم يتحدثون؟ رجل طبيب ومزارع وبقَّال، فقلت له: الدكتور الملط طبيعي سيتحدث عن القلب لكن ليس القلب الذي تعرفه، بل القلب الذي ذكره الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ألا إن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب"، فهو يتحدث عن القلب المعنوي لا الحسي، وحسني عبد الباقي مزارع يفهم حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسْها"، فهو يتحدث عن تعمير الأرض وزراعتها؛ فقال أجل، طيب والبقَّال قلت البقال: هو تاجر فهي كلمة مقسمة إلى (ت) وهي تقوى والـ(أ) تعني أمانة، والـ(ج) تعني جريئًا، والـ(ر) تعني أن يكون رءوفًا، ثم قلت له: كل الإخوان يتكلمون في المعاني التي يستطيعون أن يخدموا بها إسلامهم، فقال: أنا أتعجب من طبيب ومزارع وتاجر في هذه الجماعة العجيبة.

 

ذكريات رمضانية

* ونحن في شهر رمضان.. هل هناك زكريات لم تمحها ذاكرة الحاج سعد الجزار؟!

** لقد حُكم عليَّ بعد حادث المنشية بعشر سنوات، وكان من الضروري أن أتأقلم مع ظروف الحياة، وقد قضيت تسع سنوات في سجن الواحات؛ حيث الحرارة المرتفعة جدًّا نهارًا والبرد القارس جدًّا ليلاً، ومع ذلك كنا نقضي رمضان في العبادة وقراءة القرآن؛ فكنا نشعر بالروحانية العالية بين الأفراد والتزود من العلم؛ حيث كان الأخ الدكتور كمال خليفة وحسين كمال الدين يقومان على محوِ أمية الإخوان الأميين.


كما كنا ننشغل بأعمالنا؛ حيث كنت أعمل نجارًا، وكانت لي ورشة داخل السجن، وكان يساعدني الأخ دسوقي بقنينة من دمنهور والأخ محمد العدوي، كما كان الأخ محمد مهدي عاكف يقوم على شئون الرياضة والتمارين الرياضية، وكنا نلعب كرة القدم وننظِّم الدورات الرياضية تحت إشراف الأخ عاكف.


* كيف كانت مشاعرك وأنت تقضي رمضان بعيدًا عن زوجتك وأولادك؟

** لم نفكر في هذا الأمر لحظةً قط؛ فقد كنا نعلم أننا ابتلينا في سبيل الله فاحتسبنا كل أمر لله، وكانت زوجتي وأهلي يقدِّرون هذا الأمر، بل بالعكس كنا نشعر بسعادة أننا نقضي رمضان على هذه الصورة ونحن محتسبون الأمر لله.


* كيف كنتم تتعاملون فيما بينكم في رمضان داخل السجن؟

** لقد كانت تحيطنا مشاعر الأخوَّة الصادقة؛ فقد كنا عشرةً في الغرفة، توثَّقت عرى المحبة بيننا، فكنت ترى الألفة والمودة والمحبة بين كل الإخوان، ولم يوجد أي سوء تفاهم حتى إنني كان من عادتي أن أضع قدمًا فوق الأخرى وآخذ راحتي في الجلسة، فكنت أقول لهم: إخواني، نحن سنقضي عشر سنوات مع بعضنا، فلا أستطيع أن أجلس مؤدبًا طوال هذه المدة، فضحكوا وقالوا خذ راحتك، لكن كان هناك واحد كنت أستحيي أن أجلس أمامه هكذا، وهو الأستاذ عمر التلمساني؛ فعندما كان يدخل علينا كنت أهبّ واقفًا.

 

إخوان زمان.. وإخوان الآن

* باعتبارك من شهود العيان على تاريخ الإخوان هل هناك اختلاف بين الإخوان زمان والإخوان الآن؟

** منهج الإخوان ثابت لا يتغير، وطبائع الإخوان كذلك؛ ولكن هذا لا يمنع أن هناك تغيرًا في المناخ العام؛ ففي أيامنا كان هناك احتلال وثورة، وكانت الحياة مفتوحةً وسَلِسَةً أكثر مما هي عليه الآن، ويكفي أن الإمام البنا مثلاً أو الأستاذ حسن الهضيبي، وكذلك الأستاذ التلمساني، كانت عندهم الفرصة للتحدث للحكام وتقديم النصيحة لهم، وهو أمر يصعب وجوده الآن أمام ما نشاهده من محاكم عسكرية وحرب شرسة على أعضاء وأفراد الجماعة.


* هناك من يرى أن الجماعة زمان كانت أفضل؛ لأنها الآن تخلت عن منهجها الدعوي لصالح السياسي؟

** هذا قول خطأ؛ فالجماعة طوال تاريخها تسير بنفس المنهج، وأعتقد أن مواقف الإخوان من الاحتلال الإنجليزي ثم قيام الثورة ونشاطهم في الجامعات في السبعينيات دليل على أن السياسة أحدُ أهدافنا للغاية الأكبر، وهو إصلاح المجتمع، وأنا عايز أسألك: إذا كان الإصلاح لا يأتي إلا من خلال مجلس الشعب.. فلماذا لا ندخله؟!