- عسكر: القرار "مسخٌ" للأزهر وعلى شيخه أن ينأى عن القيل والقال
- لبن: كله إلا الأزهر والقرار غير قانوني وسنلاحقه في المجلس
- الفرماوي: ما يحدث كارثة والحل في تنقية المذاهب وتطويرها لا إلغائها
- الطلاب: لا يمكن تصور الأزهر بلا مذاهب و"الوسيط" لا يسمن ولا يغني
تحقيق- أحمد زايدة
ردود أفعال غاضبة استقبل بها الأزهريون قرارَ إلغاء المذاهب الفقهية واستبدالها بكتاب (الوسيط) لشيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، وأكد الأزهريون والخبراء الذين سألناهم في هذا التحقيق أن إلغاء المذاهب الفقهية حلقةٌ من حلقات تفريغ الأزهر من محتواه، وأن المخطط الذي تسعى إليه الحكومة يهدف إلى تجفيف منابع التعليم الديني في مصر، وتحويل الأزهر إلى مؤسسة تعليمية فارغة من مضمونها، كانت آخر حلقات هذا المسلسل المدمر للأزهر مع بداية العام الدراسي الحالي إلغاء المذاهب الفقهية التي عُرف بها الأزهر، واستبدالها بكتاب (الوسيط) الذي اختزل كل هذه المذاهب في كتاب من تأليف شيخ الأزهر، رغم أنه متخصص في التفسير وليس الفقه المقارن، وهو الكتاب الذي أصبح أساسيًّا من هذا العام، بعد أن كان للاطلاع والمراجعة فقط العام الماضي.
وعندما سألنا أحمد علي- الطالب بكلية الشريعة الإسلامية جامعة الأزهر الشريف- عن رأيه في هذا القرار ظهرت على وجهه علامات التعجُّب والدهشة، وتساءل: كيف يستطيع المجلس الأعلى للأزهر أو حتى شيخ الأزهر نفسه أن يصدر مثل هذا القرار؟! ولا أستطيع أن أتصوَّر أن الأزهر الذي تعلمت فيه وتربَّيت فيه الآن بلا مذاهب ولا يوجد به كتاب "الإقناع" العظيم ولا كتاب "الاختيار".. والله هذا حرام!!
مضيفا أن هذا القرار معولٌ جديدٌ يدمِّر الأزهر ويخرِّبه، خاصةً أن هذا الكتاب الجديد الذي تَمَّ إقراره لا يسمن ولا يُغني من جوع مقارنةً بكتب المذاهب التي تحتوي على أبواب المعاملات والعبادات والجهاد والزكاة والآداب، وغيرها من الأبواب الفقهية، وما تحتويه من آراء متعددة واختلافات وردود؛ مما يجعل لدى الطالب ثروةً فقهيةً هائلةً ويقوِّي لديه قواعد الاستنباط.
وهو ما اتفق عليه أيضًا محمد يسري- الطالب بكلية الطب جامعة الأزهر- والذي قال إن هناك أبعادًا أخرى وراء هذا القرار الذي سيؤدي إلى إضعاف حصيلة الطالب الأزهري من الأسلوب اللغوي والبلاغي لكتب الفقه وكتب التراث، وإذا تَمَّ ذلك فلن يستطيع الطالب الأزهري بعد ذلك أن يفهم كتب التراث بنفس الكفاءة التي كانت لديه سابقًا.
ويتساءل يسري: أليست هذه المناهج الملغاة هي التي خرَّجت كبار العلماء والمشايخ؟! مؤكدًا أن التركيز على تغيير المناهج دون تغيير طريقة التدريس أو المدرِّسين أنفسهم أو المنظومة التعليمية بأكملها يعدُّ تخريبًا.
![]() |
|
إلغاء تدريس المذاهب يهدف لتجفيف منابع التعليم الديني! |
ولم يختلف رأي عمر عمران- الطالب بكلية الهندسة جامعة الأزهر- عمن سبقوه؛ فيقول: بالطبع إحساسي أن هذه خطوة جديدة للحطِّ من المستوى العلمي للطالب الأزهري أكثر مما هو عليه، ونحن الآن إذا نظرنا إلى أي إنسان غير أزهري وأعطيناه كتابًا من كتب التراث فإنه لا يستطيع أن يقرأ سطرًا كاملاً ويفهمه؛ لأنه لم يعتدْ قراءة مثل هذا الأسلوب من قبل, فإذا تم إلغاء مثل هذه الكتب من مناهج الطالب الأزهري فإنه سيكون مثل نظيره، وتلك هي المصيبة الكبرى.
ويضيف عمران أن كتب شيخ الأزهر- باستثناء التفسير- المضمون العلمي فيها ضعيف جدًّا، وهذا طبيعيٌّ؛ نظرًا لأنه غير متخصص إلا في التفسير؛ لذلك فإن هذه الكتب غير صالحة إطلاقًا لتكوين المنهج العلمي للطالب الأزهري.
وحول رأي البعض في الكتب التي يدرسها طلاب الأزهر، وأنها قد عفا عليها الزمن يرد عمران قائلاً: القضية هنا لها شقان: الشق الأول يتمثل في أن هذه الكتب بالفعل تحتوي على بعض المسائل التي لا توجد في عصرنا، والتي ربما كانت محلاًّ للمناقشة في عصر من قاموا بتأليفها، وهذه حلُّها ليس إلغاء كتاب كامل من أجل عشر أو عشرين مسألة، وإنما حلُّها هو تهذيب هذه الكتب عن طريق لجان أزهرية متخصصة، وهذا أمرٌ سهلٌ وشائعٌ وموجودٌ في الكثير من الكتب.
والشق الثاني هو أن هناك بعض القضايا المعاصرة كالبنوك والبورصة والـ(DNA) كمثال لم تناقشها هذه الكتب، فهذه حلُّها في نظري هو إضافة بحوث معاصرة تعدُّها لجان متخصصة أيضًا وليس شخصًا واحدًا لتتناول هذه القضايا وتناقشها مناقشة مبسطة.
نار المذاهب ولا جنة "الوسيط"
ولم يختلف رأي المتخصصين والمدرِّسين للمناهج الأزهرية عن رأي الطلاب؛ يقول سيد نبيه- مُدرس شرعي بالمعاهد الأزهرية-: بالنسبة للقرار المنسوب للمجلس الأعلى للأزهر فهو مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً من أساتذة الأزهر، ويمكن القول- مجازًا- "نار الفقه المذهبي ولا جنة الوسيط" أو مؤلفات الطنطاوي التي يكتبها له سكرتارية مكتبه، والتي لا تمتُّ للعلم والبحث بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما تصلح لعوامِّ الناس وليس للدارسين والباحثين والمحقِّقين، أو الذين يفترض أن يكونوا كذلك في المستقبل.
وبالنسبة لنقطة تطوير المناهج والتي قيل إنها وراء المنهج الجديد قال نبيه: ليس الحل هو إلغاء فقه المذاهب أو كتاب التوحيد أو تفسير النسفي، فالحلُّ الذي نراه لتطوير مناهج الأزهر هو إعادة التفكير في المواد الثقافية التي تدرس في الأزهر، والعمل بنظام التخصص، وتخفيف المواد العلمية من تخصص العلوم الشرعية، وتخفيف المواد الشرعية من التخصص العلمي.
أما من ناحية كتب التراث والكتب المذهبية؛ فيقول نبيه إننا كأبناء الأزهر نرى أن المحافظة عليها هو المحافظة على هوية الإسلام الحقيقي والنقي من شوائب العفن الفكري، الذي أصاب العقول في هذا الزمن؛ نتيجةً لاختلاط الأفكار والنظريات الغربية وتغلغلها إلى عقول الأجيال المتأخرة، والتي ظهر فيها الانحراف الفكري الذي يهدم في أسس الإسلام وأحكامه الراسخة ومبادئه الثابتة، والتي يحاولون تمييعها بخلط الأفكار الحديثة التي تناوئ الإسلام وتتغلغل في جنبات العقول شيئًا فشيئًا، وتجعل المسلم يتهاون في دينه، وقليلاً قليلاً ينخلع بالكلية في النهاية، وبهذا يكون أعداء الإسلام قد نقضوا عروةً منه وأبعدوا أبناءَه عنه، بخطى ممنهجة وثابتة بدأوها من قبل، وهم بهذا يؤكدون سيرهم الدءوب في تنفيذها بأيدي إمَّعات المسلمين وحكامه العملاء وأشباه المشايخ الذين يتبوؤن مقاليد الأمر في الأزهر والمؤسسة الدينية الرسمية لدى الدولة؛ مما يجعلنا نتمسك بتراثنا حتى يحفظَه أبناؤنا ويتخرَّجوا حاملين إياه في عقولهم وأفكارهم لينقله جيلٌ إلى جيل.
![]() |
|
الشيخ سيد عسكر |
من جهته استنكر الشيخ سيد عسكر- الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق وعضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب- هذا القرارَ، واصفًا إياه بأنه "مسخٌ" للأزهر، وخطوةٌ في طريق تدمير الأزهر كجامعة إسلامية عريقة، فالأزهر منذ بدء الدراسة فيه في عهد صلاح الدين الأيوبي كان يُدرِّس المذاهب الفقهية المتنوعة، وهذه إحدى مميزاته الكبرى، ويَفِدُ إليه الطلاب المسلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي، ومن المعلوم أن المذاهب الأربعة الشهيرة تنتشر في بلاد العالم الإسلامي.
ويستطرد الشيخ عسكر قائلاً: في بعض بلدان العالم الإسلامي ينتشر مذهب الإمام أبي حنيفة، وفي بعضها الآخر ينتشر مذهب الإمام الشافعي، وفي بعضٍ ثالث ينتشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وفي مناطق أخرى ينتشر مذهب الإمام مالك، وكل هؤلاء يأتون إلى الأزهر وفي ظنهم أنهم سيتعلمون علوم الدين وفقه المذاهب المنتشرة في بلادهم، فلو أنهم أتَوا إلى الأزهر بعد هذا القرار العجيب وتعلموا شيئًا آخر وعادوا إلى بلادهم ستكون فتنة عمياء، وربما لا يأتي من تلك البلاد أحد بعد ذلك ويفقد الأزهر ريادته وقيادته، فما هو المقصود؟! هل المقصود القضاء على الأزهر؟! إذًا فليعلنوها صريحةً! فمرةً يُقلِّصون ميزانيته، ومرةً يحجِّمون دوره، ومرةً يمسخون مناهجه.. وهكذا!!
وعن رأيه في قصر المناهج على كتاب واحد من تأليف مؤلف واحد، قال الشيخ عسكر: الدكتور محمد سيد طنطاوي- شيخ الأزهر الشريف- عالم جليل، وهو متخصص في علوم التفسير، وعندما يكتب فيه فهو مقبول؛ أما أن يكتب في كل العلوم الإسلامية الأخرى فهو أمرٌ عجيبٌ! فماذا تبقَّى لبقية المختصيين في بقية العلوم؟! فليترك بقية العلوم للمختصين فيها.. أنا كنت أتمنى أن ينأى بنفسه عن ذلك؛ بُعدًا عن الشبهات والقيل والقال، وحرصًا على كيان الأزهر؛ فالأزهر فيه علماء متخصصون، كلُُ في مجال تخصصه.
ويضيف الشيخ عسكر أنه تم إلغاء المذاهب الفقهية سابقًا في المرحلة الإعدادية، وكان خطأً، ولما غضب الناس وعد المسئولون بنقل مناهج المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية؛ والآن لا إعدادي ولا ثانوي! مؤكدًا أن هذه صورة من صور تحجيم الأزهر وتدميره، ولا نعلم ماذا يريدون؟ فهل هناك نيةٌ أن يُضمَّ الأزهر إلى القطاع التعليمي؟! وطالب عسكر رئيسَ الحكومة- باعتباره وزير شئون الأزهر- أن يجيب عن هذه الأسئلة.. لماذا يسكت؟ ولماذا لم يتكلم؟ مؤكدًا أنه سيتقدم باستجواب مع بداية الدورة البرلمانية القادمة في هذه القضية.
سياسة الخطوة خطوة
علي لبن- عضو لجنة التعليم بمجلس الشعب وصاحب أول استجواب عن تدمير التعليم الأزهري- قال إن قرار إلغاء تدريس المذاهب مخالف للقانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص بتنظيم الأزهر، وإن إحلال كتاب "الفقه الوسيط" من تأليف الشيخ طنطاوي محلّها بالرغم من أن فضيلته متخصص في التفسير وليس الفقه، إنما يفصح عن سياسة "الخطوة- خطوة" التي تتبعها الحكومة في تقليص مناهج الأزهر؛ حيث سبق أن ألغت كتب الفقه على المذاهب الأربعة من المعاهد الأزهرية الإعدادية، وأحلت محلَّها كتب "الفقه الميسَّر" للشيخ سيد طنطاوي أيضًا، بالإضافة إلى تقليص عدد الساعات المخصصة لتدريسها، وذلك كله مخالف للقانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص بتنظيم الأزهر.
مخالف للقانون
![]() |
|
علي لبن |
وقال لبن: إن هناك عدةَ أسئلة تحتاج إلى إجابات من المسئولين عن الأزهر- إن كان له مسئول- وهي: ألاَ يتعارض إلغاء كتب الفقه على المذاهب الأربعة بالمعاهد الأزهرية مع المادة (10) من قانون (103) لسنة 1961 المشار إليه كما يتعارض مع ما ورد بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون بصفحة 46؟ وهل يجوز إدخال هذا التعديل على قانون الأزهر بقرار وزاري؟ وأليس تعديل القوانين من اختصاص مجلس الشعب وحده، وأن قيام الحكومة به بمفردها يُعتبر اعتداءً منها على السلطة التشريعية، كما يدل على استهانة الحكومة بالمجلس الموقَّر وتغولها عليه؟! وألاَ يتصادم هذا القرار مع مشاعر المسلمين في العالم؛ لأنهم يعتبرون الأزهر قبلتَهم العلمية، وأنه ليس ملكًا للمصريين وحدهم ولا للأزهرين وحدهم؛ بل إنه ملكٌ لكل المسلمين؟
وألا يُعتبر إلغاء كتب الفقه على المذاهب الأربعة (السنية) إلغاءً لتراث فقهي كامل لمؤسسة الأزهر التي هي أكبر وأعرق أكاديمية سنِّيَّة في العالم؟ وأليست الميزة الكبرى للأزهر أنه حَمَى العالم الإسلامي من المغالاة والفهم المتطرف للدين، وأن الفضل في ذلك يرجع إلى فقه المذاهب الأربعة للأئمة العظام: الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، الذين دعوا إلى الاعتدال وعدم التعصب لمذهب دون مذهب؛ حيث رفعوا شعارهم العظيم "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"؟!
ويكمل لبن أسئلته قائلاً: ألا يعلم رئيس مجلس الوزراء- باعتباره وزير شئون الأزهر- أن تدريس كتب "الفقه الوسيط" للشيخ سيد طنطاوي بدلاً من كتب الفقه على المذاهب الأربعة سيؤدي إلى تخرُّج طالب لا يعرف للمسائل الفقهية إلا وجهًا واحدًا في الفهم والعمل؛ وهذا الوجه هو الذي ورد في كتب الشيخ سيد طنطاوي؟! ألا يعلم أن هذا المنهج سيؤدي إلى التعصب وإلغاء الفهم الآخر؛ لأن الطالب لم يدرس إلا هذا الوجه الواحد للشيخ طنطاوي ولا يعرف الوجوه الأخرى ولا مستنداتها في فهم الآخر؟
ألا يعلم رئيس الوزراء أن هذا القرار الخطير سيؤدي إلى فقدان الأزهر لميزة كبرى كان يتفرَّد بها، وهي تعدُّدُ الآراء الفقهية؛ مما يؤدي إلى أن يكون خرِّيج الأزهر عاجزًا أمام ادِّعاءات الذين يُفتون بغير علم؛ لأن هذا الخريج أصبح لا يعرف إلا وجهًا واحدًا وفهمًا واحدًا للنص الإسلامي، كما لا يعرف قواعد الاستنباط من النص الإسلامي ولا آداب الخلاف في الرأي الذي يتمتع به طلاب الأزهر، الذين درسوا كتب فقه المذاهب الأربعة، ودرسوا فيها دقائق المسائل وطريقة استنباط الفقهاء الكامل للأحكام؟!
ويضيف لبن تساؤلاتٍ مهمةً في هذه القضية قائلاً: هل يجوز أن يصدر هذا القرار من المجلس الأعلى للأزهر، في حين أن المختص بهذا هو مجمع البحوث الإسلامية طبقًا للمادة (15) من القانون 103 لسنة 1961 المشار إليه؛ لأن كل أعضاء المجمع من كبار العلماء؛ وأنه يمثل العالم الإسلامي كله؛ لأن 60% منهم من كبار العلماء المصريين و40% من كبار العلماء غير المصريين، وذلك على العكس من المجلس الأعلى للأزهر؛ حيث تقل فيه نسبة علماء الأزهر؟ ألم ينص القانون على أن مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا لبيان الرأي فيما يَجِدُّ من مشكلات مذهبية واجتماعية ذات صلة بالعقيدة؟ أي أن للمجمع الرأي النهائي في القضايا التي تكون محلَّ خلافٍ بين العلماء والقضايا التي تصدر عن دار الإفتاء وعن لجنة الفتوى بالأزهر وغيرها من الفتاوى التي صدرت في شتى أنحاء العالم.
ألم ينص القانون على أن مجمع البحوث يُعاون في توجيه الدراسات العليا والإشراف عليها بجامعة الأزهر؟ ألم ينص القانون على أن مجمع البحوث تتبعه هيئةٌ فنيةٌ "إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية" ويقوم بمساعدته في مراجعة المؤلفات والمصنفات التي تتناول الإسلام لبيان الرأي العام؟ فلماذا يتجاهل هذا القرار توصيةً سابقةً لمجمع البحوث الإسلامية والخاصة بوسائل معالجة كتب الفقه على المذاهب الأربعة بدلاً من إلغائها؟! وقد نقلت صحيفة (لواء الإسلام) هذه التوصية بتاريخ 26/6/2003م والتي جاء فيها: "أوصت لجنة التربية والتعليم بمجمع البحوث الإسلامية بتشكيل لجنة متخصصة لإعادة قراءة كتب الفقه على المذاهب الأربعة المقررة بالمعاهد الأزهرية، ووضع هامش بها يوضح معاني العبارات والكلمات التي صعب على الطالب فهمها؛ وذلك حفاظًا على تراثنا الفقهي من الاندثار، على أن يتم ذلك بواسطة لجان تشكَّل من أساتذة مشهود لهم بالكفاءة، وبذلك يتم تقريب تراثنا الفقهي العظيم من فهم أجيالنا الحالية".
ويؤكد لبن أن فكرة الكتاب الواحد للفقه تناسب طلاب التعليم العام؛ لأنه يعطيهم فكرةً إجماليةً عن الأحكام الفقهية دون الدخول في تفاصيل كل مذهب، ولكنَّ هذا الإجمال في دراسة الفقه في كتاب واحد لا يناسب الطالب الأزهري الذي نعدُّه للتخصص في حفظ التراث الفقهي الإسلامي ونشره في مصر والعالم عن طريق توضيح آراء الفقهاء في القضايا المختلفة، فنحن مثلاً نجد طلاب آسيا الوسطى وروسيا والتركستان أحنافَ المذهب، وطلاب جنوب شرق آسيا وأندونسيا وبعض إفريقيا شافعية المذهب، وطلاب المغرب مالكية المذهب، وهكذا.. فهذه المجتمعات ترفض بشدَّة أن يُملَى عليها رأيٌ ليس في مذهبها بل ويعتبره العامة خارجًا عن الدين، فلماذا نضيِّق على الطلاب ونجبرهم على دراسة كتاب فقه إجمالي واحد، في حين قد لا تتفق بعض أحكامه مع بيئاتهم أو مذهبهم؛ مما يدفعهم إلى التشدد والغلوّ؟!
وقال لبن إن ما يحدث مخططٌ قديمٌ بدأت عجلته في الدوران، مستدلاًّ بتصريح لوزير التعليم العالي لجريدة (المصري اليوم) في 13/ 10/ 2004م تحت عنوان: "قانون التعليم العالي ودمج الأزهر في التطوير"؛ حيث ذكَر أن جامعة الأزهر سوف تتبع وزير التعليم العالي بدلاً من تبعيتها لرئيس مجلس الوزراء!!
![]() |
|
د. عبد الحي الفرماوي |
ويصف الدكتور عبد الحي الفرماوي- وكيل كلية أصول الدين السابق بجامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- هذا القرار بأنه كارثة، ولا يمكن أن يتصور أحد إلغاء المذاهب الأزهرية مهما حدث؛ لأنه إن تم إلغاؤها في معهد ما أو مدرسة ما فلن تُلغَى من الوجود وستظل باقيةً، مضيفًا أنه قد لا يدرس الطالب في المراحل الأولى- كالمرحلة الإعدادية- هذه المذاهب، لكن إذا دخل الطالب المرحلة الثانوية أو المرحلة الجامعية- مرحلة التخصص- فيجب أن يدرس المذاهب حتى يعلم مرونة الأحكام وأدلتها ومشروعية أحكامها ومرونة وسهولة الشريعة الإسلامية، وأن الاختلاف ليس تناقضًا ولا تضادًّا ولكنه رحمة.
ويؤكد د. الفرماوي أن الأزهر مع هذا النظام الجديد لن يُخرج لنا عالمًا فقيهًا يستطيع أن يستنبط الأحكام؛ لأنه لم يقف على الاختلافات وآراء المذاهب المتعددة، وفي السعودية مثلاً لا يدرسون المذاهب الأربعة وإنما يدرسون مذهبًا واحدًا فقط، وهو المذهب الحنبلي؛ لذلك هناك تعصُّبٌ له، أما ميزة الأزهر فهو أنه يُدرس جميع المذاهب والاختلافات، فلا يكون الدارس أو الطالب متعصبًا لمذهبٍ معين، وتكون عنده سعة أفق ومرونة، ويستطيع أن يتقبَّل الآراء المختلفة.
ويرى د. الفرماوي أنه يجب أن تُنقَّى المذاهب من المسائل الصعبة التي لم يعُد لها استخدام في عصرنا الحالي بواسطة العلماء المختصين في الأزهر.



