حسن البنا
﴿وَإِن كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 23- 24).. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ (هود: 13- 14).. ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88).
لك في تعرُّف آية الإعجاز في هذا الكتاب المعجز حقًّا سبيلان؛ سبيل الذين قرءوا تاريخ هذه الأمة العربية التي نزل بين ظهرانيها، وهي أكثر ما تكون شاعرًا وخطيبًا وفصيحًا وبليغًا، وقد بلغت في تهذيب لغتها واستقامة ألسنتها الشأو البعيد، وأخذت منه بالحظ الوافر، فعجزت أتمَّ العجز عن الإتيان بمثله أو بمثل الجزء اليسير منه، بل السورة الواحدة من سُوَرِهِ؛ برغم التحدي البالغ، والإحراج المتكرر، والمطالبة الملحَّة بأن يجيئوا بشيء من هذا، ثم لهم بعد ذلك ما يريدون، فلم يكن إلا الاعتراف بالعجز، والإقرار بالحجة والإذعان الكامل لهذا السلطان الرباني العجيب، والإيمان بعد ذلك بما جاء به هذا القرآن إيمانًا أنساهم كل ما سواه، وخرج بهم عن كل ما ألفوا، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس.
وانظر كيف أقرَّ الوليد بن المغيرة- وهو خصم القرآن الألدّ- على نفسه وقومه بأنه ليس من كلام البشر، وبأنه لا طاقةَ لأحد أن يجاريَه أو يماريَه، اجتمعت قريش عند حضور الموسم تتدبَّر أمرَها، وتصوِّر موقفَها من النبي الجديد والكتاب الذي جاء به؛ فقال لهم الوليد: إن وفود العرب تَرِدُ فأجمعوا فيه رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا؛ فقالوا: نقول: كاهن، قال: والله ما هو بكاهن ولا هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، قالوا نقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول؟! قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق، وإنَّ أقرب القول إنه ساحر، وإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجته، والمرء وعشيرته فتفرقوا على ذلك وجلسوا على السبل يحذرون الناس (ذكره البيهقي في شعب الإيمان 1/157، وابن هشام في السيرة النبوية 2/105).
وهكذا كان موقف العرب من هذا الكتاب؛ مذعنون آمنوا للحق، وكافرون أقرُّوا بالعجز، ولا شيء إلا هذا، وهم أقطاب البيان وأئمة أهل الفصاحة في هذا اللسان؛ فإذا أنت سلكت هذه السبيل، ودخلت إلى آية الإعجاز من هذا الباب فقد وصلت من أقرب الطرق وأيسر المذاهب.
ولك أن تسلك سبيل النظَّار والباحثين؛ فتنظر إلى هذا الأسلوب العجيب والتركيب الغريب، وتُوازن بينه وبين غيره، وتُقارن بينه وبين سواه؛ لترى أين كلام الناس من كلام الله، وأين قدرة المخلوق من الخالق، وحسبُك أن تستمع إلى قارئ حسَن الصوت يُسمعك أشعار المفلقين أو خطب بعض المصاقع المفوّهين من المتقدمين أو المتأخرين، ثم يقرأ عليك بعد ذلك بعض سور القرآن، وتخيَّرْها كيف شئت، وانظر تأثير كلٍّ من الكلامين في نفسك بعد اختلاف وقعهما في سمعك؛ لتعلم آية الإعجاز في هذا الأسلوب الذي لا يمكن أن يكون إلا عن وحي إلهي وصنع رباني.
ثم تنظر بعد ذلك إلى ما اشتمل عليه الكتاب الكريم من قواعد العقائد، والعبادات، ونظُم الأمم والمجتمعات، وأحكام الأسر والبيوتات، والأخبار والمغيبات، وضروب العلوم والمعارف مما يعجز عن استيعابه الجمهرة العظيمة من الفلاسفة والمصلحين والعلماء الكونيين، فكيف وقد جاء به أميٌّ لم يدخل مدرسةً، ولم يتلقَّ العلم عن أستاذ، ولم يجلس بين يدَي المربِّين أو المؤدِّبين، وإنما أدَّبَه ربُّه فأحسنَ تأديبه، وعلَّمه فأحكم تعليمه ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: من الآية 113) لترى الإعجاز في المعنى كما هو في اللفظ، وفي المقاصد والغايات كما هو في الأسلوب والعبارات.
تزين معانيه ألفاظه وألفاظه زائنات المعاني
أيها المسلمون الصائمون القائمون..
إن هذا الكتاب المعجز خاطَبَ الفطرة الإنسانية في الأمة العربية فاستقامت له؛ فقادها بزمام إلى الوحدة بعد الفرقة، وإلى القوة بعد الضعف، وإلى السيادة بعد الذلة، وما زال هذا الكتاب كيوم نزل غضًّا طريًّا، ومعجزًا أبيًّا، وقائدًا إلى الرشاد، وداعيًا إلى الخير وروحًا من أمر الله يُحيي القلوب الميتة، وينهض الهمم الخامدة، فما أحوجكم إليه الآن وأنتم على مفترق طرائق الحياة، فاستفيدوا له وخذوا عنه واستمسكوا به ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170).
--------------
* إعداد: إسماعيل التركي- مدير البصائر للبحوث والدراسات.
* جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (80)، السنة الأولى، 8 رمضان 1365ﻫ/ 5 أغسطس 1946م، ص(3).