- لا أنسى رُوح المحبة والإخوة التي عشتها مع الإخوان في المعتقل

- تأثرتُ بالشيخ زكريا حجي عندما حدثنا عن ذكرياته وهو في التسعين

 

حوار- سالي مشالي

الشيخ فؤاد حجازي الهجرسي من مواليد 5/10/1930م، ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، منذ عام 1945م وحصل على مؤهله الأزهري في عام 1954م، تعرَّض للاعتقال مرتين الأولى سنة 49 وخرج من المعتقل بعد شهور، أما الثانية فقد أمضاها في السجن الحربي من عام 65 وحتى عام 71، لديه ابنة واحدة وخمسة من الأحفاد، وأمضى حياته بدكرنس محافظة المنصورة.

 

مارس الدعوة والخطابة على مدى سنوات عمره السبعة والسبعين، ولا يوجد في قريته ومحافظته مَن لا يعرفه واستفاد منه على المستوى الشخصي والديني، وحين توجهنا إليه لنتحدث معه عن ذكرياته في رمضان استقبلنا بكل الود والترحاب فكان هذا اللقاء.

 

* في البداية نود أن نتعرَّف على أجواء رمضان والصيام في ظل القرية وطفولة فضيلتكم.

** كان رمضان يرتبط لدينا في طفولتنا بالأطعمة الرمضانية، وكانت المساجد تُضاء وقتها بمصابيح الغاز، وهو ما لم يكن متاحًا طوال العام، فكان مشهد المسجد المضاء يُثير البهجة في نفوسنا، كما كان لهو الصغار بالفوانيس أيضًا يُسعدنا، وكنت أنتظمُ في الذهاب مع أخي لتلقي دروس العلم بعد صلاة التراويح، وكان أهم ما يُميز الشهر الكريم في الريف قيام الأعيان باستحضار مقرئ لقراءة القرآن كاملاً طوال الشهر الكريم يوميًّا بعد صلاة التراويح، وكنتُ أحيانًا- باعتباري طالبًا في الأزهر- يدور بيني وبين بعض الحاضرين جدل حول معنى إحدى الآيات أو إعراب إحدى كلماتها؛ مما كان يُضفي روحًا خاصةً وإحساسًا بمتعة العلم والتعلم.

 

* وهل وجدت صعوبة في طفولتك كي تلتزم بالصيام؟

** الحياة في الريف، خاصةً في وقتنا سهلة، والريف يُقبل على العبادة بفطرته، ولم يكن هناك أي صعوبة، فالجو العام كان يُشجِّع على الصوم، وساعدتني أسرتي على الصيام بالتدريج، وكانت والدتي تغني لي أنشودة صغيرة يوميًّا فتقول: "قول نويت الصيام.. نويت.. نويت وإن جُعت اتغديت"، وهكذا كان المزاح والروح السمحة دون تعصب من أهم المحفزات، وبدأت الصوم حتى الظهر، ثم تعودت أن أصوم حتى العصر، وأتممتُ صيام اليوم والشهر كاملاً وأنا في الثامنة من عمري.

 

* وكيف كنت تمضي يومك في رمضان؟

** كنت أحرص على قراءة القرآن ومراجعة حفظي طوال النهار، وأقبلُ على الصلاة والتهجد ليلاً، ولم أفطر يومًا واحدًا بعيدًا عن أسرتي في رمضان إلا بعد تخرجي من الأزهر وكنت وقتها في السابعة عشرة من عمري، وكنا نحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر، ومن الطرائف أن بيوت الأهالي وقتها كانوا يتسابقون لإعداد أفضل الأطعمة للمعتكفين حتى إن أحد الظرفاء من كثرةِ إقبالنا على الأطعمة اللذيذة أطلق جملةً فقال: أرى هذا "معتلفًا لا معتكفًا".

 

الشيخ زكريا حجي

* ما أهم المواقف أو الأحداث المرتبطة بالشهر الكريم التي لا تنساها؟

** تأثرتُ كثيرًا في رمضان من العام الماضي عندما شاهدتُ أحد الإخوان الكبار في السن، والذي تجاوز التسعين من عمره واسمه الشيخ زكريا حجي، وقد ضعُف بصره، وقلَّ سمعه، ويستند على أحد أحفاده أثناء السير، ومع ذلك تجشَّم عناء السفر ليحضر إفطار رمضان مع إخوانه، وقد أمتعنا أيما إمتاعٍ بحديث الذكريات الذي استرسل فيه أثناء الإفطار.

 

* أغلب الإخوان الذين مروا بمحنة الاعتقال يروون ذكريات خاصة لرمضان داخل المعتقل ماذا في جعبتكم منها؟

** في الاعتقال الأول سنة 49 لا أزال أذكر صوت الشيخ الغزالي- رحمه الله- وهو يؤمنا لصلاة التراويح داخل المعتقل، وكان الإخوة جميعًا وقتها إخواننا وآباؤنا حتى إننا لم نشعر إلا بمشاعر الحب والرحمة والعطف، وكان هذا التجمع الطيب للإخوان من كلِّ المحافظات ومن كل التخصصات فرصةً رائعةً، حتى إننا لم نكن نتلهف على الخروج من المعتقل، وكنا نلعب الرياضة وقتها يوميًّا رغم الصيام والحر، فكانت إرادتنا قوية، وكنا نُشجِّع بعضنا بعضًا.

 

أما في الاعتقال الثاني، والذي امتدَّ من عام 65 وحتى عام 71 فقد أمضيته في السجن الحربي، وهو ما كنا نلاقي فيه من الأهوال ما لا يخطر على عقل بشر، فكنا نتعرَّض للتعذيب والضرب بالكرباج وعض الكلاب حتى ونحن صيام في نهار رمضان، وكان الطعام قليلاً للغاية لا يكفي ليقيم أودنا، وكان مما يُهوِّن علينا أننا كنا نحضر أرغفتنا فنقطعها قطعًا صغيرةً، ونضعها في طبقٍ واحدٍ ثم نُغطيها بمنديل ونبدأ في التسمية وسحب لقمة لقمة من تحت المنديل، فكان الله يبارك لنا في طعامنا هذا ويشبعنا، وبعد عام 68 سُمح لنا باستقبال أسرنا في المعتقل فكانوا يحضرون لنا الطعام، ورغم كل هذا كنا نشعر بالرضا في كل الأحوال، فوقت التعذيب كنا راضون، وبعد السماح بالزيارة وتحسن الأمور كنا راضون، وبعد الخروج التزمنا الرضا والحمد لله في كل الأحوال.

 

وكان من المصاعب التي واجهتنا في رمضان في السجن الحربي هو عدم وجود مصاحف، فكان غير الحافظين لكتاب الله يعانون من عدم تمكنهم من الصلاة إلا بقصار السور، وزاد من صعوبة الموقف أن الحافظين أُنسوا ما حفظوه من شدةِ التعذيب الذي كان يطالهم، إلا أن أحدهم واظب على الصلاة يوميًّا محاولاً مراجعة حفظه ما استطاع، وكان يرفع صوته بالقراءة في محاولةٍ لطرد النوم من أثر التعذيب والتعب طوال النهار، فتضرر منه باقي المسجونين وطالبوه أن يخفض صوته حتى يناموا.. فلمَّا رفض سألوه مستنكرين: "ألا تتعب من طوابير التعذيب مثلنا طوال النهار؟!" فردَّ عليهم: "إنما أستعينُ بهذا على هذا" يقصد أنه يستعين بالصلاة والقرآن على تحمُّل العذاب.

 

* وماذا تذكر لنا من طرائف أو مواقف مررت به أثناء الخطابة أو الإمامة في رمضان؟

** كنتُ أخطب حول جهنم وما فيها من عذاب، ومضيتُ أصف المشهد في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)﴾ (الحج) فوجدت الحاضرون وقد غطوا نيامًا فضايقني أنهم لم يتأثروا، فرفعتُ صوتي وزاد حماسي حتى إنني ما إن بدأت أصف لهم ثياب النار حتى كدتُ أشعر بحرارتها على جلدي فصرختُ بأعلى صوتي: "آآآآآآآآآآآآآه.... يا جلدي" وبكيتُ وبكى الحاضرون وتعلمتُ أن أبحث عن الوسائل التي تُثير انتباه الناس.

 

* هل هناك ذكريات عن مائدة إفطار بعينها؟

** كنتُ مدعوًّا على الإفطار في السويس، ورغم أني لا أهتمُ بنوعيات الطعام بصورةٍ كبيرةٍ إلا أنهم قدموا لي طبق (ملوخية بالجمبري)، وهو من أكلاتهم المميزة، وكان لذيذًا جدًّا حتى إنني لم أستطع أن أقاوم أن أسألهم عن طريقةِ طهيه، وعدتُ وأخبرتُ زوجتي بالطريقة ونفَّذتها بالفعل، وجاءت النتيجة قريبة الشبه من الطبق الأصلي.

 

* بماذا تنصح الأسر في رمضان؟

** أنصحهم بتقوى الله، وأن يبذلوا جهودهم في إرضائه سبحانه، فرمضان فرصة لا ينبغي تفويتها، وعلينا الخروج منه بالشحنة الإيمانية والطاقة العبادية التي يمكن أن تكفينا طوال العام، وليت العام كله رمضان، وكل عام وأنتم بخير.