الحمدُ لله رب العالمين، رفع شأن المجاهدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل أرواح الشهداء المجاهدين في حواصل طيور خضر تسبح في الجنة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير المجاهدين.. يقول الإمام علي- كرم الله وجهه-: "كنا إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلا يكون أحدنا أقرب إلى العدو منه- صلى الله عليه وسلم".


أما بعد

أيها المسلمون.. يقول الله سبحانه وتعالى في الجزء العاشر من سورة التوبة (الآيات من 38: 40): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾.


والكلام هنا كلام في إحدى غزوات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بل وتعتبر من أهم الغزوات التي شهدها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن آمن معه، ألا وهي غزوة تبوك، وما لابسها من هتْك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق فكانت بمثابة تنقية وتصفية للصف المؤمن.


وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق؛ فهي تبعد عن المدينة 610 كيلو مترات، وتبعد عن دمشق 692 كيلو مترًا، وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعًا، معهم لحم وجذام وغيرهم من متنصّرة العرب، حتى وصلت طلائعهم إلى البلقاء بإمرة قائد عظيم منهم يُدعى قباذ، وعدد جنده أربعون ألفًا، فندب النبي- صلى الله عليه وسلم- الناس بالخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزو منها، وكان عثمان- رضي الله عنه- قد جهَّز عيرًا إلى الشام للتجارة، وقال يا رسول الله: هذه مائة بعير بأقتابها وأحلاسها ومائة أوقية من الفضة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- "ما يضير عثمان ما عمل بعدها".


وجاء أبو بكر- رضي الله عنه- بماله كله وجاء عمر رضي الله عنه بشطر ماله وتسابق الصحابة في الإنفاق في هذه الغزوة، ولكن لظروف الغزوة القاسية كان هذا النداء الرباني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (التوبة: من الآية 119)، يا من رضيتم بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولاً وبالقرآن حاكمًا ومنهاجًا وشريعةً ودستورًا، إنه الخطاب الرباني للمؤمنين في جملتهم، تربيةً لهم بما لعله وقع من منافقيهم وضعفائهم، أي يا أيها الذين آمنوا ما الذي عرض لكم مما يخلُّ بالإيمان أو بكماله من التثاقل والتباطؤ عن النهوض بما طُلب منكم وإخلادكم إلى الراحة واللذة حين قال لكم الرسول: انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهَّزوا لقتالكم والقضاء على دينكم الحق الذي هو سبيل سعادتكم..؟!


إنها ثقلة الأرض ومطامع الأرض وتصورات الأرض، ثقله الخوف على الحياة والخوف على المال والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار، ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب.


والتعبير القرآني يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ ويعلن أن النفرة للجهاد في سبيل الله انطلاق من قيد الأرض وارتفاع على ثقلة اللحم والدم، وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان وتغليب لعنصر الشوق المجنَّح في كيانه على عنصر القيد والضرورة، وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود.


وآية صدق الإيمان بذل النفس والمال في سبيل الله كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (الحجرات)، ولقد كان من أسباب تثاقلهم أمور، منها أن الزمن كان وقت حر شديد، وكانوا قريبي عهد بالرجوع من غزوتَي الطائف وحنين، وكان الوقت في عسرة شديدة وجهد جهيد من قلة الطعام، وعلى رأس وقمة هذا كله كان موسم الرطب بالمدينة قد تم صلاحه، وآن وقت تلطف الحر وحان جني الثمار.

 

روى ابن جرير عن مجاهد قال: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد حنين وبعد الطائف، أمروا بالنفير في الصيف حين اخترقت النخل "اجتنى ثمارها" وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فقالوا: منا الثقيل وذو الحاجة والضيق والشغل، وكان من دأب النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا خرج إلى غزوة أن يورِّي بغيرها؛ لما تقتضيه المصلحة من الكتمان والسرية، إلا في هذه الغزوة؛ فقد صرح بها ليكون الناس على بصيرة لبُعد الشقة وقلة الزاد والظهر.


وكانت حكمة الله عز وجل في إخراجهم وهو يعلم أنهم لا يلقون فيها قتالاً، لتمحيص المؤمنين وخزْي المنافقين ومن على شاكلتهم وفضحهم فيما كانوا يسرون من الكفر وتربص الدوائر بالمؤمنين.

 

ثم يخاطبهم الله عز وجل قائلاً: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ﴾ (التوبة: من الآية 38) أي رضيتم بلذات الدنيا الناقصة الفانية بدلاً من سعادة الآخرة الكاملة الباقية، ومن يفعل ذلك فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله إلا وقد أصاب هذه العقيدة دخن، وفي إيمان صاحبها بها وهن؛ لذلك يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من مات لم يغزُ ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق". فالنفاق وهو دخنٌ في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة من الجهاد في سبيل الله خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد الله، والرزق من عند الله، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.


فالنفاق يقعد بصاحبه عن الجهاد وخشية الموت، والمجاهدون الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فالنفاق يقعد بصاحبه عن الجهاد خشية الفقر، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "وجعل رزقي تحت سنّ رمي"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في نواصيها الخير"، فالنفاق يقعد بصاحبه عن الجهاد خشية الأسْر ورسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما تركت أمة جهاد إلا ذلَّت".

 

هذا هو النفاق بصوره المتعددة التي تُقعد الرجال عن الجهاد في سبيل الله ورفع راية لا إله إلا الله واسترداد المقدسات، كل ذلك بسبب الركون إلى متاع الحياة الدنيا الذي هو بجانب متاع الآخرة قليل، فمتاع الدنيا مشوبٌ بالمنغصات والآلام إذا قيس بما في الآخرة من النعيم المقيم والرضوان من المولى عز وجل، وروى أحمد ومسلم والترمذي عن المسور أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "والله، ما في الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم يرجع".


ثم يحذرهم الله عز وجل من عاقبة عدم خروجهم إلى ما دعاهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- للخروج إليه، بأنه سوف يعذبهم عذابًا أليمًا في الدنيا ويستبدل قومًا غيرهم، يطيعونه ويطيعون رسوله؛ لأنه قد وعد بنصره وإظهار دينه على الدين كله ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (الحج: من الآية 47)، وقد جرت سنة الله عز وجل بأن الأمم التي لا تدافع عن نفسها ولا تحمي ذمارها لا بقاء لها وتكون طعامًا للآكلين وغذاءً شهيًّا للمستعمرين.


ثم يذكرهم ويذكر الأمة كلها بأنهم إذا لم ينصروا رسوله وينصروا دينه وشريعته فإن الله ناصره ومؤيده، كما نصره يوم هجرته، يوم أن أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين؛ فالله ناصرُ أوليائه، خاذلُ أعدائه، ومذلُّ المتكبِّرين، وموهنُ كيد الكافرين ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.