- عبد الحليم قنديل: مصر شهدت أوسع موجة نهب في تاريخها

- دمج الإخوان في الحياة السياسية قائم على الاعتراف بحزب سياسي

- الأقباط قضية مفتعلة تغذِّيها المعونة والسفارة الأمريكية

- دور الكنيسة تضخَّم نتيجة تحلل الدولة والبابا أصبح في مواجهة الرئيس

- الوهم المتعلق بإحصاء عدد المسيحيين يعطي إحساسًا بحجم المشكلة

- مجلس الشعب نوع من الكوميديا السوداء وحله مرتبط بسيناريو التوريث

- الجبهة الوطنية تحتاج إلى قيادة راديكالية وحلول عزيز صدقي لا تكفي

- رخص الأحزاب شهادة بالرشوة العامة لمنع ممارسة السياسة

 

حوار- علاء عياد

هو كاتب جسور، يعي تمامًا أنه يسبح ضد التيار، ويقبل بنفس راضية كلَّ ما يمكن أن يتعرَّض له، دون أن أي تنازلات.. إنه أيضًا صاحب مدرسة جديدة، رفعت سقف الحرية في الصحافة المصرية، لتتحدث دون أي حدود، ناضَل ورفَض أن يتنازل عن هذا السقف، تقدم باستقالته من رئاسة تحرير جريدة (الكرامة)، كما سبق أن ترك جريدة (العربي).. إنه الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل، الذي غادر مهنة الطب وعلاج الأشخاص إلى التعامل مع أمراض مصر كلها دون سقف أو رهبة من أي شيء..

 

(إخوان أون لاين) أجرى هذا الحوار معه، وطرح الكثير من القضايا، ولكن قبل صدور حكم القضاء بحبس الصحفيين الأربعة، رؤساء التحرير، أحدهم عبد الحليم قنديل.

 

* ظهور الشائعات الأخيرة أثار أزمة الثقة بين الحكومة والمواطن، وطرح سيناريو الخوف من المستقبل، ما السبب وراء هذه الحالة من وجهة نظرك؟!

** الخوف من المستقبل عمومًا مرتبط بفترة الركود الطويلة التي مرَّت بها مصر، فمنذ 26 سنة لم تشهد مصر إلا حاكمًا واحدًا، وهي تعتبر أطول فترة حكم منذ حكم محمد علي، وليست المشكلة في طول فترة الحكم بقدر ما أنَّ هذه الفترة مرَّت بصورة بطيئة جدًّا، بمعنى أن كمَّ الحوادث التي جرت خلالها يبدو محدودًا، ويبدو كأن الكون المصري توقَّف عن الدوران طوال هذه السنوات، ساعد على ذلك شخصية الرئيس البطيئة والحذِرة بطبعها، بالإضافة إلى ما حدَث لموقع الرئاسة المصرية في الميراث الفرعوني من جهة، ونصوص الدستور من جهة أخرى.

 الصورة غير متاحة

 

فأغلب سنوات حكم مبارك شهدت تدهور هذا الموقع، بمعنى أننا وجدنا بعد رئيسَين قويَّين بدرجة أو بأخرى ومع تعارض اتجاهاتهما، هما الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات، وجدنا موظفًا بدرجة رئيس جمهورية؛ مما ساعد على زيادة مراكز الضغط من حول الرئاسة، وأيضًا إلى التحوُّل العائلي داخل الحكم، ليتحوَّل الحكم من حزب واحد على رأسه فرعون، إلى حكم عائلة واحدة!

 

فالركود والتحوُّل العائلي للحكم، والمخاوف المرتبطة بهذا التحوُّل العائلي، من العودة إلى فكرة الملكية بصورة مقنعة، هي جملة التطورات التي أدَّت بالمصريين إلى خوف شديد بالنسبة للمستقبل، وهناك ثمة إحساس غريزي بأننا دفعنا ثمنًا فادحًا جدًّا لبقاء مبارك كل هذه السنوات، كما سندفع ثمن بقاء مبارك مرةً أخرى بعد أن يذهب؛ لأن الطرق ليست ممهدةً إلى مستقبل آمن، فإذا كان الحاضر مظلمًا، فلسنا متأكدين أن المستقبل منيرٌ، بمعنى أكثر وضوحًا هناك فيما أظن بعد رحيل الرئيس مبارك ما يسمَّى بقسمة الغرماء، يعني تقاسم الخصوم؛ لأن هناك مشكلاتٍ كبرى لا يوجد لها حلٌّ منظورٌ، مثل قضية الإخوان المسلمين والجيش، وهناك ما هو أهمّ من ذلك، وهو الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي شهدت مأساةً مصريةً في الفقر والبطالة والعنوسة، فبقاء مبارك لا يدعو للاطمئنان، وزواله أيضًا بصورة مفاجئة ليس مؤكدًا أنه يقودنا إلى برِّ أمان.

 

كما أنك لا تستطيع الجزم بصورة النهاية، بالرغم من أن هناك يقينًا بأن النظام يقضي أيامه الأخيرة في الحكم، ولكي يكون التعبير دقيقًا ربما لا نكون بصدد نهاية نظام، بقدر ما نحن بصدد نهاية إدارة معينة للنظام، وهي الإدارة العائلية.

 

بلد استثنائي

 الصورة غير متاحة

حريق القاهرة

* وما هي احتمالات أو سيناريوهات استقرار الوضع الراهن؟

** الوضع الراهن يضعنا أمام إما سيناريو انفجار اجتماعي تلقائي، بصورة ترشح الوضع لحريق أوسع من حريق القاهرة، وأوسع مما جرى في انتفاضة يناير 1977، وهذا له بوادره الآن، فهناك عدد من التفجُّرات على جبهة العمق الاجتماعي، وإن كانت تبدو متناثرةً جغرافيًّا ومفرقة ومجزَّأة المطالب، ومع ذلك فإن ما بقي من الدولة المصرية غير قادر على أن يلبي مطالب هذه الفئات على الدوام، حتى إذا لبّى مطالب بعض الاحتجاجات، فهذه التلبية بمكر التاريخ تتحوَّل إلى احتجاجات أكثر وأكثر، وبالتالي يمكن أن تتجمع هذه الاحتجاجات في لحظة ما في انفجار اجتماعي تلقائي تكون تكلفته دموية.

 

ويمكن أن يحدث تحوُّل من التفجرات الجزئية إلى انفجار اجتماعي تلقائي شامل؛ بأن يواجه نظام حكم العائلة الأمنية التي تحكم بعصا مليون عسكري أمن مركزي بعنف زائد، أي باحتجاج اجتماعي، فيسقط قتلى، فتكون هذه نقطة تحول من انفجارات جزئية إلى انفجار شامل.

 

أما السيناريو الأكثر أمانًا فمرتبط بمدى قوة المعارضة الجذرية على بناء قيادة سياسية لجبهة الغضب الاجتماعي، بمعنى أكثر وضوحًا استثمار سياسة الغضب الاجتماعي لإحداث تغير اجتماعي رشيد، وهذا هو السيناريو الذي يمكن أن يكون معروف النهاية.

 

وسواء هذا السيناريو أو ذاك ستجد أن الجيش ينزل ليسيطر على الوضع، لكن في الوضع الأكثر أمانًا سوف يكون في المقابل القطب المدني، الذي يمكن أن يدير نوعًا من التفاوض مع الجيش لصياغة تسوية تخص مستقبل مصر.

 

والسيناريو الأول يمكن أن يجعلنا بصدد إعادة إنتاج الوضع، بمعنى أن الجيش يمكن أن يعيد خلقَ قناعٍ مدنيٍّ، مثل الحزب الوطني، ويظل يحكم بفكرة الكلام الأكثر عن الديمقراطية وفي نفس الوقت بالتشديد القاسي في الممارسة، ويمكن أن نتحول إلى الصيغة التركية القديمة، الصيغة التي تتركها تركيا الآن.

 

وخلال السنوات الثلاثة الماضية مثلت كفاية والإخوان المسلمين والقضاة جزءًا من ظاهرة الخروج عن النص، وبالطبع حصر هذا على السطح بإجراءات مختلفة، مثل تجفيف موارد نادي القضاة، وحصار كفاية بكردونات الأمن، واعتقالات واسعة في صفوف الإخوان المسلمين، لكن في نفس الوقت الذي بدت فيه أن مدافع السياسة صامتة، سُمِع صوت مدافع المجتمع، بدايةً من ديسمبر الماضي بإضرابات العمال وباحتجاجات غير مسبوقة للسكان، من أول العريش حتى البرلس، والتناقض ما بين أن هناك حركةً على العمق الاجتماعي وبين الصمت على السطح السياسي لا بد أن يُستكمل بإعادة بناء قيادة سياسية للغضب الاجتماعي المطَّرد والزائد؛ لتكون جبهة خلاص أو جبهة إنقاذ وطني، مؤلَّفة من الأحزاب، في حالة ما إن كنا في بيئة ديمقراطية، لكنَّ التشوه الموجود في التجربة الحزبية وفي الممارسة السياسية يجعلنا إزاءَ بلد استثنائي في تعقُّده، وبالتالي نحتاج إلى صيغة استثنائية.

 

من القصر إلى القبر

* وما هو مستقبل سيناريو التوريث؟

** كل الخطوات لفتح الطريق إلى التوريث ونقل الرئاسة من الأب إلى الابن تم اتخاذها، ويبدو كما لو كان الأمر سكِّينًا يمشي في الزبدة كما يقول السويسريون، ولكن النقطة الجوهرية بالحدوث قبل اليقين أن جمال مبارك لم يصبح رئيسًا إلا إذا وصل إلى منصب الرئاسة في حياة أبيه، وهنا نقطة التناقض الجوهرية العائلية، تناقض اختصر تناقضات النظام كله بمعنى أكثر وضوحًا، فإن الأب لا يميل إلى ترك منصب الرئاسة، فيما تميل الأم إلى التعجيل بالتوريث، ولعلك تلحظ أن التنبؤات الخاصة بأن جمال مبارك سيصبح رئيسًا للحزب الوطني في مؤتمر الحزب القادم، نفاها نظيف من روما، وزكريا عزمي من هنا، وحرصوا على أن يقولوا أن مبارك سوف يظل رئيسًا للحزب الوطني، وهذا التناقض العائلي نجد له حزازيات، بمعنى أن أجهزة الأمن التي يديرها الرئيس لا تميل إلى سيناريو التوريث، بينما جماعة البيزنس التي يعد جمال مبارك رمزًا لها تميل إلى إجراء التوريث.

 الصورة غير متاحة

 

أما إذا رحل مبارك فلا فرصة لتوريث جمال مبارك ولا حتى لأن يرشح نفسه لرئاسة دولة ولا رئاسة مجلس قروي،  ومبارك الأب ذاته يعرف أن تركَه للرئاسة معناه أن يوضع في قفص الاتهام؛ لأن ما حدث للمصريين يعد أوسع موجة نهب في تاريخ مصر منذ سبعة آلاف سنة.

 

وفي الوضع الراهن قُسِّمت السلطات بحيث يكون مبارك مسئولاً عن جهاز الأمن، وجمال مبارك مسئولاً عن الاقتصاد، وشجرة الدر مسئولة عن مسألة الخدمات، وهذا هو التوجه القائم داخل العائلة!!

 

ومخاطر التوريث بعد موت مبارك غير قائمة، وما يمكن أن يكون واردًا هو التوريث القديم، بمعنى التوريث بالمؤسسة وليس التوريث بالعائلة، النقطة الجوهرية التي لا يلتفت إليها الكثير من الناس أننا إزاء حكم معلَّق، أشبه ما يكون بالملك سليمان عندما مات فلم يعرف أحد أنه مات، إلا عندما نخر النمل العصا، فالرئيس مبارك مات سياسيًّا من فترة طويلة، ويفسر هذا الاستفتاء الأخير في 26 مارس 2007، فحسب تقديرات المراقبين ونادي القضاة كانت نسبة الإقبال لا تتعدى 3 أو 4%، أي نسبة شبه منعدمة.

 

الحدأة والكتاكيت

* هناك سيناريو الإصلاح الأمريكي.. لماذا لا يتم استثمار هذا السيناريو لتحقيق الديمقراطية؟

** ليس صحيحًا أنه يمكن الاستعانة بأمريكا من أجل إنجاز قضية الديمقراطية في الوطن العربي، فأمريكا ليست جمعية خيرية، كما أن الحدأة لا ترمي الكتاكيت، ولدينا مثال تراجيدي لديمقراطية جاءت أمريكا لتحققه في العراق، فكانت النتيجة أنه لم يبقَ هناك عراقٌ من الأصل، وهذا مثال لفكرة وهم الاستعانة بأمريكا.

 

ثانيًا أمريكا ضد الديمقراطية في العالم العربي؛ لسبب بسيط هو أن أمريكا براجماتية، بمعنى أن حدَّ المنفعة هو القيمة الموجَّهة إلى السلطة، فمن يفيدُها تؤيده، ومن يضرها تمتنع عن تأييده، فليس هناك تأييد لمبدأ مجرد، بل هي أولويات المصالح، فهي ترى أن إطلاق الحريات في مصر وتنظيم انتخابات عامة في مصر سوف يأتي إلى السلطة بقوة معادية أو مختلفة مع السياسة الأمريكية في المنطقة؛ ولذلك تحولت إلى تأييد فكرة أخرى وهي بقاء النظام.

 

والنقطة الثالثة، وهي مهمة جدًّا في السلوك في مصر خصوصًا، أنك إذا أردت أن تحرق أي شخص في مصر، قل إنه عميل لأمريكا أو يطبِّع مع "إسرائيل"، حتى وإن كان أطهر الأنبياء، وهذا شيء إيجابي في التكوين المصري.

 

فالتكوين المصري تعرَّض مع المنطقة لموجة سحق غربي طوال الوقت، بدايةً من بريطانيا إلى فرنسا إلى أمريكا، وأي منطقة تحاول أن تنهض أو تقوَى تكون تحت حدِّ السيف الغربي؛ لذلك فإن هناك حساسية إزاء فكرة الاستعمار في التكوين المصري، هذا الاستعمار الذي ظل آلاف السنين، وفكرة الحساسية من الاستعمار لا تزال موجودةً حتى الآن؛ لأن الاستعمار موجود بصورة غير مباشرة في المنطقة، فأمريكا تستعمل مصر، يعني أنها تسيطر على قرارها السياسي والاقتصادي والثقافي؛ لذلك فهي تعتبر قوة احتلال والسفارة الأمريكية بمثابة المندوب السامي البريطاني.

 

د. سعد الدين إبراهيم

 

وأضرب لك مثلاً بالدكتور سعد الدين إبراهيم، لماذا لا يقبل الناس كلامه؟ وهل كل كلامه يمثل ضلالاً؟ بالطبع لا؛ فإن الكثير من كلامه صحيح، ولماذا لا يحب أغلب المثقفين حتى السلام عليه، وكأن السلام عليه ينقل الجرب؟! ولكن هذا بسبب ارتباطه بالمشروع الأمريكي.

 

فأمريكا قوة احتلال واستعمار، والديمقراطية تستهدف الوجود الأمريكي في مصر، وامتداده "إسرائيل" بالأساس؛ من أجل هذه العناصر الثلاثة حرمت كفاية أن يدخل أحد لجنة التنسيق يكون مرتبطًا بأي منظمة تأخذ تمويلاً من أمريكا، فلا ينفع أن نقول "نظام عميل لأمريكا" وأكون أنا أيضًا عميلاً لأمريكا، وأين تكون الديمقراطية التي أتحدث عنها؟!

 

تطوير الجبهة

* السيناريو الذي وصفته بأنه الأكثر أمانًا قائم على بناء قيادة سياسية لجبهة الغضب الاجتماعي، هل سيلعب هذا الدور الجبهة الوطنية من أجل التغيير التي وُلدت من رحم كفاية؟

** في الحقيقة الجبهة الوطنية من أجل التغيير ثبت أنها فكرة خاطئة؛ لأنها معتمدة في الأساس على افتراض وجود أحزاب، ثم لقاء هذه الأحزاب على قاعدة مشتركة في الصالح العام الوطني لتحقيق هدف موحد، وقامت الجبهة الوطنية من أجل التغيير في البداية على ثلاثة أحزاب رسمية، هي: حزب الوفد وحزب التجمع والحزب الناصري، وما إن مرت أسابيع على الانتخابات العامة التي جرت في ديسمبر 2005 حتى وجدنا انسحاب حزب التجمع والحزب الناصري ثم حزب الوفد بالتحولات التي جرت فيه، فقطاع افتراضي أساسي من هذه الجبهة سقط بسبب أن التجربة الحزبية هي ببساطة تجربة لقتل الأحزاب.

 

ففكرة الجبهة قامت على أحزاب من أجل تغيير النظام، بالرغم من أن هذه الأحزاب في نفس الوقت جزء من هذا النظام وجزء من الترتيبات الأمنية القائمة، في حين أن الذي ظل شكليًّا في الجبهة الوطنية من أجل التغير هم المحرومون من جنة النظام، وهم الإخوان المسلمون وكفاية والأحزاب، سواءٌ التي سقطت أو التي ليس لها رخصة، مثل العمل أو "الاشتراكين الثوريين" وحزب الكرامة، فمن ثم الفكرة الأساسية التي بدأت بها الجبهة أصبحت ليست ذات موضوع.

 الصورة غير متاحة

 د. عزيز صدقي

 

كما أن الدكتور عزيز صدقي رجل محترم، فأقصى شيء طرحه أن يكوِّن الرئيس مبارك حكومة وحدة وطنية، بالرغم من أن عنوان الجبهة "من أجل التغيير"، فكل الاقتراحات كانت "من أجل التكيُّف"، فالجبهة تحتاج إلى قيادة راديكالية مختلفة تحسم أمرها، وتتوكل على الله لتتحرك على أساس قاعدة أن المقاطعة تنهي الاعتراف بشرعية للنظام، فهي تعطي الشرعية للخروج السلمي على النظام، وبالطبع فإن هذا الطريق فيه تضحيات وثمن مدفوع.

 

والمطلوب الآن تطوير فكرة الجبهة الوطنية من أجل التغير على أساس الاعتراف بأن هناك فرقًا واضحًا جدًّا بين فئتين، فئة هي جزء من النظام منها الأحزاب، وفئة هي خارج هذا النظام وهي المطلوب منها أن تكون ائتلاف التغيير.

 

أحزاب صغيرة

* ما السبب وراء تشوه التجربة الحزبية؟!

** فكرة الرخصة نفسها التي تحصل بها على الحزب في ظل النظام الموجود بمثابة شهادة تخرُّج من الحياة السياسية ومكافأة إنهاء خدمة، فأنت تأخذ رخصة حزب في مقابل أن تكفَّ عن العمل في السياسة؛ لذلك تلاحظ أن كل هذه الأحزاب- سواءٌ الوفد وقبله التجمع والناصري- بدأت كبيرة وانتهت إلى أحزاب صغيرة، فيسمح بمقتضى الرخصة بأن تفعل أي شيء عدا العمل بالسياسة، وأنا هنا أتحدث عن أحزاب ذات صلة بالسياسة، فما بالك أن أغلبية هذه الرخص وهذه الأحزاب ليست لها علاقة بالسياسة من الأصل، وتُعطَى كجزء من الرشوة العامة، فنحن الآن لدينا تجربة حزبية مشوهة.

 

شعبية الإخوان تربك النظام

 

* كيف ترى الصراع بين الدولة والإخوان؟

** لا يمكن التعامل أو استمرار التعامل مع الإخوان على أنهم قضية أمنية؛ لأنه ثبت مرارًا وتكرارًا فشله في النهاية، فلا بد البحث عن وسيلة لدمج الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، وهناك جماعات تنتمي تاريخيًّا لجماعة الإخوان المسلمين، مثل حزب العدالة والتنمية في المغرب، وفي الجزائر والأردن واليمن، ولم يحدث أن انقلبت الدنيا، ولا بد أن يكون هذا التصور قائمًا على الاعتراف بحق الإخوان المسلمين في تكوين حزب سياسي.

 

وأعتقد أن قضية التغيير والمأزق الذي تعيشه مصر ودور للإخوان المسلمين هو فرصة العمر بالنسبة لهم ليقدموا أنفسهم للشارع، ليس بصفة جماعة دينية ولكن بصفة جماعة تشارك في فتح الطريق لسيناريو آمن.

 

ماعنديش مشكلة

* اتهمتَ بعض قيادات الدولة أنها وراء استبعادك عن جريدة (الكرامة)، هل يمكن تفسير هذا على أن الكرامة خضع لضغوط السلطة؟

** ما يهمني هو الإخلاص للحقيقة، والتساؤل عن مواقف الأطراف مسألة أتركها لمحكمة الرأي العام، فأنا لا يهمني اتهام أحد، الذي يهمني أن الحقيقة المجردة لعلك تلحظها في برنامج "حالة حوار" في التليفزيون المصري الذي يقدمه عمرو عبد السميع، وكان مستضيفًا في هذه الحلقة ثلاثة أشخاص، هم: صلاح عيسى ومصطفى الفقي ومصطفى بكري، وكان الحديث حول صحة الرئيس، وتحدث مصطفى بكري- وكما هو معروف أنه قريب من النظام والجهاز الأمني مباشرة- بطريقة كانت مقحمةً على الحوار، قال في مقام دفاعه عن الرئيس مبارك إن الرئيس مبارك لا يضيق بحرية الرأي ولا بحرية الصحافة، حتى الرئيس مبارك قال ماعنديش مشكلة إن قنديل يركب معايا على الطيارة، فاستوقفه عمرو عبد السميع أتقصد عبد الحليم؟

 

قال له نعم، هذا الكلام يثبت لك بصورة مباشرة مدى الضغط العصبي الذهني الذي يشكِّله الاسم في رأس الرئيس مبارك، وما حدث في جريدة (الكرامة) هو استطراد لما حدث في جريدة (العربي).

 

تغيب الحركة

 

* الكثير يرون أن هناك حالةً من الركود تمر بها حركة كفاية الآن، خاصةً أنها غابت عن الساحة السياسية من مايو العام الماضي بعد حركة مساندة القضاة، فهل هذا الغياب يمكن تفسيره على أنه مقدمة ذوبان الحركة؟!

** كفاية حين ظهرت نشأَت كريشة في الهواء، يعني "تنظيم رمزي" من حيث الحجم، وكإطار لتنظيم المظاهرات؛ لذلك كان تحرك كفاية مرتبطًا بسخونة الأحداث، فتلاحظ أن كفاية في عامها الأول من سبتمبر 2004 إلى سبتمبر 2005 كانت منطلقة كالصاروخ إلى ذروة في مظاهرات من ميدان التحرير إلى نقابة الصحفيين، في 7 سبتمبر 2005 يوم ما سُمي بالانتخابات الرئاسية، ويوم 10 سبتمبر بعد ما أُعلنت نتيجة الانتخابات، وهذه كانت باكورةً وتتويجًا لمرحلة كاملة من صعود الموجة، إلا أن فوز مبارك بفترة خامسة أحدث صدمةً وجعل هناك إحساسًا لدى أنصار موجة كفاية أننا خسرنا، وأصبح هناك إحساس باليأس والإحباط؛ لذلك بدأ المنحنى في الهبوط، فكفاية كما تصعد بسخونة الأحداث، يأتي وقت تنحسر فيه.

 

بعد هذا الركود حصل صعود محدود، كان أهم ما يميزه هو مشاركة عدد من الإخوان المسلمين في مساندة حركة القضاة مايو 2006 وبدأ بذلك الانحسار مجددًا، وفي هذا الوقت حدثت ظاهرة غريبة في مقابل خفوت كفاية من على السطح، بدأت قطاعات من العمق الاجتماعي- سواء بإضرابات العمال أو السكان في العريش أو البرلس أو في غيرها- تنظيم اعتصامات وإضرابات واحتجاجات.

 

وفي وقت الانحسار هذا من مايو 2006 حتى الآن كانت كفاية موجودة في كافة الأنشطة، ولكن على حساب إهمال القضية الرئيسية المرتبطة بها وهي التغير الذي عكسه شعارها الأشهر لا للتمديد لا للتوريث، فالحركة أصبحت مهتمة بالنوافل والسنن وصلاة التراويح وتركت الفرض، فهناك ميل لتغييب حركة كفاية بتداعيات المكرر والعادي والذي يحدث كل يوم هذه هي النقطة؛ لذلك أنا أقود كفاحًا داخل كفاية من أجل استعادة فرض حركة كفاية، وليس الذوبان في السنن وصلاة التراويح، وهذه هي النقطة الجوهرية، وليس معنى ذلك عدم الاهتمام بقضية التأمين الصحي، بل نهتم بقدر ما يعضد الفكرة الأساسية.

 

وهذا يجعلنا في حاجة إلى كفاية ثانية، لا يكون تنظيمها رمزيًّا، بل تكون بتنظيم ونواة أكبر، فلو هناك مليون مصري من كافة التأثيرات السياسية أو من غير التأثيرات السياسية وقفوا مع مقاطعة هذا النظام، وليس المهم أن يتظاهروا بل يتظاهر الثلث فقط، لانتهى الأمر.

 

أوهام

* هناك قضية شائكة تتداعى على السطح من حين إلى آخر، ألا وهي قضية الأقباط في مصر، من وجهة نظرك من يقف وراء هذا التداعي، وهل هي بمكان يجعلها تطرح نفسها بهذه الطريقة؟!  

** بالنسبة لهذه القضية فإن جانبًا كبيرًا منها مفتعل؛ نتيجة جهد أمريكي منتظم، ولا أقصد بالجهد الأمريكي أمريكا التي هناك، بل أقصد أمريكا هنا يعني المعونة الأمريكية والسفارة الأمريكية التي تُعتبر أكبر سفارة من نوعها في العالم، فهناك تعمدٌ خارجي لافتعال وضع الأقلية بالنسبة للأقباط في مصر.

 

والأقلية لا تعني العدد بل هي جماعة سكانية تتميز ثقافيًّا أو لغويًّا، ووضع المسيحيين في مصر ليس متميزًا، سواءٌ لغويًّا أو ثقافيًّا (القيم العامة السائدة في المجتمع) أو حتى جغرافيًّا، فليس هناك حيز جغرافي معين يخلق بينهم معيشة مشتركة تساعد على انفصالهم عن باقي المجموع؛ لذلك كان اللورد كرومر يقول: "إن لم أجد فرق بين المسلمين والمسيحيين في مصر، فأنا وجدت مجرد شخص يذهب إلى الكنيسة وشخص يذهب إلى المسجد"، ولذلك أنا أقول افتعال وضع الأقلية الذي هو غير قائم، وهذا هو المصدر الأول لخلق الاحتقان باسم الأقباط في مصر.

 

 الصورة غير متاحة

مجلس الشعب المصري

ثانيًا تضخم دور الكنيسة المصرية، وهذا حدث نتيجة تحلل بعض وظائف الدولة، فلم تعد الكنيسة مجرد بيت ديني للمسيحيين فقط، بل أصبحت بيتًا اجتماعيًّا وبيتًا لكل شيء، وأصبح البابا شنودة وكأنه رئيس في مقابل رئيس الدولة، هذا التضخم أيضًا في دور الكنيسة ساعد على افتعال التمايز.

 

الدور الثالث حدث أثناء تفسُّخ المجتمع، فبدأت تنشأ أفكار أكثر تطرفًا لبعض الجماعات الدينية الراديكالية مثل الجزية والذمة، وهو ما خلق روحًا معاديةً ومكفرةً، وهذا يجعلنا نخاف إذا حدث انفجار اجتماعي تلقائي طبيعي، أن يجري تصريفه طائفيًّا، وبدلاً من أن يتجه بالعداء إلى الرئيس تجد أنك تواجه بالعداء البابا شنودة.

 

في هذا المناخ خلقت أوهام كثيرة جدًّا، وأهم وهْم يجب أن ينقشع هو الوهم المتعلق بالإحصاء الخاص بعدد المسيحيين، فيجب أن تعلن الدولة كما كانت تفعل حتى سنة 1976 عن أعداد المسيحيين؛ لأن منع نشر هذا التعداد بالرغم من إجرائه سمح بنشر العديد من الأوهام التي ليس لها ظل على الأرض، فتجد من يقول عشرة ملايين ومن يقول خمسة عشر مليونًا، بالرغم من أن كل الإحصاءات منذ أيام الإنجليز أعطت المسيحيين المصريين- بالإضافة إلى الأجانب- 6% في أقصى تقدير، فأنت في النهاية إزاء حالة، وهذا لا يعني أن حقوقهم أقل، لكن المبالغة تجعل الموضوع مضخمًا بدرجة مفزعة، فعدم التعامل بالشفافية في هذا الموضوع أعطى إحساسًا بحجم المشكلة.

 

كوميديا

* تتصاعد على قمة الأحداث أنباء حلّ مجلس الشعب، خاصةً وأن البعض اعتبر المجلس قد قام بدوره بعد التعديلات الدستورية، وهناك البعض الآخر يرجئ فكرة الحل إلى ما بعد إقرار قانون الإرهاب، فكيف تكون توقعاتك حول مجلس الشعب في الفترة القادمة؟!

** نحن لدينا كوميديات كثيرة، والدولة نفسها تحوَّلت إلى نوع من الكوميديا، بل إن مؤسسات الدولة أصبحت مؤسسات كوميدية، ومجلس الشعب لا يعدو أن يكون أكثر من مسلسل كوميدي، صحيح أنه نوع من الكوميديا السوداء إلا أنه كوميديا والسلام.

 

أما عن توقعات حل المجلس فأنا أعتقد أنها مرتبطة بسيناريو التوريث، فإذا افترضنا جدلاً أن سيناريو التوريث سيتم التعجيل به في حياة مبارك، فإن حلَّ مجلس الشعب- لا مجلس شعب ولا يحزنون- لن يتم قبل إجراء انتخابات المحليات التي تم تأجيلها من عام 2006 إلى عام 2008.

 

 الصورة غير متاحة

* الدكتور عبد الحليم قنديل بماذا يحلم؟!

** أنا بحلم أشوف مصر وللأسف أني لا أجدها، فأنا أراها في الأحلام لكن لم أقابلها، منذ فترة قليلة كنت في نقابة الصحفيين، وهناك أحسست أني قابلت مصر مرتين، وإن كنت لا أقبل أن تكون هذه مصر، الأولى عندما رأيت سيدة من سيناء في ندوة عن الانتهاكات التي تحدث في سيناء، وجدت سيدة كبيرة وقد أظلمت عيناها فكان لديها ثلاثة أولاد أحدهم قتلته الشرطة والثاني اعتقلته الشرطة والثالث هارب من مطاردة الشرطة، فكُفَّ بصرها، وأصبحت هذه السيدة وحيدة، ساعتها أحسست أن هذه هي مصر.

 

وبعد شهور وفي نقابة الصحفيين في مؤتمر التعذيب في المنصورة، قابلت سيدة فلاحة فقيرة، صعدت إلى المنصة لنكرِّمَها، مشكلتها أن ابنها كان عنده 15 سنة سرق باكو شاي أو اتهموه أنه سرق باكو شاي، راح قسم شرطة في المنصورة قتلوه في القسم، وأصبحت هي الأخرى وحيدة بسبب باكو شاي.

 

ساعتها أحسست أن هذه الصورة المتجمِّدة الموضوعة هي صورة هذه البلد، هل يمكن أن أعيش حتى أرى هذه البلد من غير حزن ومن غير إحساس بالمذلة ساكن في نفوس أهلها؟! نفسي أشوف مصر تضحك.