الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، جاء من قبل ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا محمد، أما بعد..
يقول الله تبارك وتعالى في الجزء الخامس من سورة النساء من الآية 85 إلى الآية 87 ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ إلى قوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
تأتي هذه الآيات بمناسبة تحريض الرسول- صلى الله عليه وسلم- المؤمنين على القتال الذي ورد به الأمر في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً (84)﴾ (النساء)، هنا يقرر قاعدةً عامةً في الشفاعة، وهي تشمل التوجيه والنصح والتعاون ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)﴾ (النساء)، فالذي يشجِّع ويحرِّض ويعاون على القتال في سبيل الله يكون له نصيبٌ من أجر هذه الدعوة وآثارها، والذي يبطِّئ ويثبِّط تكون له تبعة فيها وفي آثارها، وكلمة (كفل) توحي بأنه متكفل بجرائرها.
والمبدأ عام في كل شفاعة خير، أو شفاعة سوء، وقد ذكر المبدأ العام بمناسبة الملابسة الخاصة على طريقة المنهج القرآني في إعطاء القاعدة الكلية من خلال الحادثة الجزئية وربط الواقعة المفردة بالمبدأ العام، كذلك وربط الأمر كله بالله، الذي يرزق بكل شيء، أو الذي يمنح القدرة على كل شيء، وهو ما يفسر كلمة (مقيت) في قوله تعالى في التعقيب ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
ومن هنا يتضح خطر الشفاعة وأنها مسئولية يتحمَّل الإنسان الشافع عاقبتها، إن خيرًا أو شرًّا، فإذا كانت الشفاعة حسنةً بأن كانت لنصرة مظلوم أو تقوية الحق فللشافع نصيبٌ من الحسنات؛ لأن مَن دلَّ على الخير فهو كفاعله؛ لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "الدال على الخير كفاعله" ومن شفع لمظلوم فقد أغاثه من ظلم وقع عليه، وإغاثة المظلوم شيء نبيل، ولقد اشتدَّ غضب الله على مَن وَجَد مظلومًا، فقدر أن ينصره فلم ينصره، فقد روي في الحديث "أن رجلاً بعد ما مات وأغلق عليه قبره جاء ملكان، فقال أحدهما للآخر: اضربه أربعين ضربةً، فظل الرجل يتوسَّل إليهم بأعماله وحسناته حتى خفِّفت من الضربات تسع وثلاثون ضربة، فقال الملك للآخر: اضربه ضربةً واحدةً، فضربه ضربةً واحدةً، فاشتعل عليه القبر نارًا فظل في ذلك ما شاء الله، فلما أفاق قال: فيمَ ضربتموني هذه الضربة؟ قالا له ضربناك هذه الضربة لأنك مررت ذات يوم على مظلوم وأنت تستطيع نصرته فلم تفعل"!!
من هنا اشتد غضب الله على من وجد مظلومًا فقدر أن ينصره فلم ينصره، كذلك اشتدَّ غضبه تعالى على من ظلم من لم يجد له ناصرًا إلا الله، فمن ضمَّ رأيه إلى رأي المشفوع عنده إنقاذًا للمشفوع له في الحق ودفع الظلم، فسوف يؤتيه الله من لدنه أجرًا عظيمًا؛ لأن شفاعته حسنة، أما من شفع شفاعةً سيئةً بأن حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد حادَّ الله ورسوله، وضادَّ أحكام الله في العدالة، والله سبحانه وتعالى عندما يقرِّر أنَّ من يشفع شفاعةً سيئةً يكون له كفلٌ منها؛ فذلك لما يترتب على الشفاعة السيئة من ضياع الحقوق، ووضع الأمور في غير نصابها، والنقاط على غير حروفها، وتسمية الأسماء بغير أسمائها ووضع الرجل المناسب في المكان اللا مناسب، وذلك بالشفاعة السيئة؛ مما يثبِّط همَّة أصحاب الهمم، ويقوِّض حوافز المجتهدين؛ لأن في ذلك ظلمًا بيِّنًا والظلمُ مرتعُه وخيم، والله تعالى ينادي في الحديث القدسي فيقول: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا".
ولذلك كم كان غضب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شديدًا عندما جاءه الحِبّ بن الحب أسامة بن زيد، يشفع لامرأة سرقت، وكانت من شريفات قومها، هنا يحسم الرسول- صلى الله عليه وسلم- الموقف بكلمات موجزة المبنى عظيمة المعنى.. "أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة"، ثم بيَّن الخطر المترتب على الشفاعة إذا كانت في غير حق، فيقول "إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليهم الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".
هذا منطق العدالة في الإسلام، والعدل في الإسلام لا يقبل المساومة ولا أنصاف الحلول، ويوم يخطئ ميزان العدل فسوف يخطئ الحساب فيأتي بأوخم العواقب، وكم من أناس اعتمدوا على ما لهم من محسوبية ووجاهة ووساطة، فكانوا غير أَكْفَاء، وتبوءوا مقاعد في شواهق الجبال، فكانوا عالةً على الأمة في السراء، وسوسًا ينخر في نظام المجتمع ساعة الضراء، وخسرت الأمة بسببهم خسرانًا مبينًا، فلو أننا طبقنا كل الأصول ما رأيت في البيوت عاطلاً، ولا في الطريق سائلاً، ولا في السجون قاتلاً، ولَمَحَتِ العدالةُ الشقاءَ من المجتمع كما يمحو نور الصبح مداد الظلام، وقد صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ يقول في الشفاعة الحسنة "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" (أخرجه البخاري).
ثم تنتقل الآيات من الشفاعة بنوعها إلى الأمر بردِّ التحية بخير منها أو بمثلها، والتحية في المجتمع علاقة من العلاقات التي تدور بها عجلة الحياة في يسرٍ إذا اتبع الأدب الواجب فيها، ولقد جاء الإسلام بتحيته الخاصة التي تميّز المجتمع المسلم وتجعل كل سمة فيه حتى السمات اليومية العادية متفرِّدة متميزة لا تضيع في سمات المجتمعات الأخرى ومعالمها.
وهنا تظهر اللمسات الكامنة في آية التحية، منها:
أولاً: تلك السمة المتفردة التي يحرص المنهج الإسلامي على أن يطبع بها المجتمع المسلم؛ بحيث تكون له ملامحه الخاصة وتقاليده الخاصة، كما له شرائعه الخاصة ونظامه الخاص.
ثانيًا: المحاولة الدائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة، وإفشاء السلام، والرد على التحية بأحسن منها.. من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها، وقد سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي العمل خير؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفت ومن لم تعرف"، ولقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما نزل المدينة: "أيها الناس.. أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"، هذا في إفشاء السلام بين الجماعة المسلمة ابتداءً، وهو سنة، وأما الردّ عليها فهو فريضة بهذه الآية، والعناية بهذا الأمر تبدو قيمتُها عند الملاحظة الواقعية لآثار هذا التقليد في إصفاء القلوب، وتعارف غير المتعارفين، وتوثيق الصلة بين المتصلين، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم".
ثالثًا: نسمة رخيَّة في وسط آيات القتال قبلها وبعدها؛ لعل المراد منها أن يشار إلى قاعدة الإسلام الأساسية (السلام)، فالإسلام دين السلام، وهو لا يقاتل إلا لإقرار السلام في الأرض بمعناه الواسع الشامل السلام، الناشئ عن استقامة الفطرة على منهج الله.
وتختم الآيات بحقيقة الحقائق ونور الأنوار إلى ضياء التوحيد والبعث في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (النساء: من الآية 87)، إنها الحقيقة التي رفع الأنبياء جميعًا لواءها، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ (الأنبياء).. سبحانك ربي
ما في الوجود سواك رب يعبد كلا ولا مولى هناك فيقصد
يا من له عنت الوجوه بأسرها رهبًا وكل الكائنات توحد
أنت الإله الواحد الحق الذي كل القلوب له تقر وتشهد
![]() |
فيا عبد الله، اغتنم خمسًا قبل خمس: "شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
لا تركننَّ إلى الدنيا وما فيها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدار غد رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها
وأخيرًا.. ومن أصدق من الله حديثًا، سبحانك اللهم، لا أحد أصدق منك؛ فأنت أصدق القائلين.. والحمد الله رب العالمين.
