الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين الموحِّدين المخلصين، ونشهد أن لا إله إلا الله، ناصر أوليائه، وخاذل أعدائه، ومذلّ المتكبرين، وموهن كيد الكافرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من جاهد في سبيل تبليغ دعوته حتى أتاه اليقين.. يقول الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران (الجزء الرابع) ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾.

 

يقول صاحب الظلال: هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت إعلانًا قويًّا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة، حقيقة خروج هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة صورة التوكل على الله وحده، وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم، من جمع قريش لهم، كما أبلغهم رسول أبي سفيان، وكما هوَّل المنافقون في أمر قريش، وهو ما لا بد أن يعقلوه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

وتُحدثنا بعض روايات السيرة عن صور من ذلك القرح ومن تلك الاستجابة؛ قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلاً من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من بني عبد الأشهل كان قد شهد أُحُدًا؛ قال: شهدنا أُحُدًا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنا وأخي، فرجعنا جَرِحَين، فلما أذَّن مؤذِّن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في طلب العدو قلت لأخي- أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟! والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

 

وهذا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: لما آذن مؤذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس- أي حضر المعركة- فقال جابر: يا رسول الله، إن أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على نفسي، فتخلَّف على أخواتك، فتخلَّفت عليهن، فأذن له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخرج معه.

 

وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى؛ ذاك أن أبا سفيان حين أراد أن ينصرف من أحد قال: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- "ذاك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" (كانت سوقًا من أسواق موسم الحج في الجاهلية من ناحية ممر الظهران)، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود قبل أن يسلم وقد قَدِم معتمرًا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عامٌ نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج، فيزيدهم ذلك جرأةً، فالحق بالمدينة فثبِّطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهَّزون لميعاد أبي سفيان، فأخذ يخذِّل فيهم ويثبِّطهم، فكان لكلامه وقعٌ شديدٌ في نفوس قوم منهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "والذي نفسي بيده، لأخرجنَّ ولو وحدي"..

 

فخرج معه سبعون راكبًا يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى وافى بدر الصغرى، فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان، فلم يلقَ أحدًا؛ لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، وكان معه ألفُ رجل، فسمَّاه أهل مكة "جيش السويق"، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق، ووافى المسلمون سوق بدر، وكانت معهم نفقاتٌ وتجاراتٌ، فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، فربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

 

ثم كانت العاقبة لهم كما هو المنتظر من وعد الله للمتوكلين عليه، المكتفين به المتجردين له، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فأصابوا النجاة، لم يمسسهم سوء، ونالوا رضوان الله، وعادوا بالنجاة والرضى.

 

وهنا يردهم إلى السبب الأول في العطاء: نعمة الله وفضله على من يشاء، ومع التنويه بموقفهم الرائع فإنه يرد الأمر إلى نعمة الله وفضله؛ لأن هذا هو الأصل الكبير الذي يرجع إليه كل فضل، وما موقفهم ذاك إلا طرف من هذا الفضل الجزيل ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.

 

وتُختَم الآيات بالكشف عن علَّة الخوف والفزع والجزع؛ بأن الشيطان يحاول أن يجعل أولياءه مصدرَ خوف ورعب، وأن يخلع عليهم سمة القوة والهيبة، ومن ثم ينبغي أن يفطن المؤمنون إلى مكْر الشيطان، وأن يبطلوا محاولتَه فلا يخافوا أولياءَه هؤلاء ولا يخشوهم، بل يخافوا الله وحده؛ فهو وحده القاهر القوي القادر الذي ينبغي أن يُخاف ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

 

إن الشيطان هو الذي يضخِّم من شأن أوليائه ويُلبِسُهم لباسَ القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذوو حَول وطَول، وأنهم يملكون النفع والضر؛ ذلك ليقضي بهم لُباناته وأغراضه، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوِّع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار، ولا يفكِّر أحدٌ في الانتفاض عليهم ودفْعِهم عن الشر والفساد، والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخَّم الشرّ، وأن يتبدَّى قويًّا قادرًا قاهرًا، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مُدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب.

 

والشيطان ماكر خادع غادر، يختفي وراء أوليائه، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته، ومن هنا يكشفه الله ويوقفه عاريًا لا يستره ثوب من كيده ومكره، ويعرِّف المؤمنين الحقيقة.. حقيقة مكره ووسوسته؛ ليكونوا منه على حذر، فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم، فهم- وهو- أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه ويستند إلى قوته.

 

إن القوة الوحيدة التي تُخشى هي القوة التي تملك النفع والضر، هي قوة الله، وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله، وهم- حين يخشونها وحدها- أقوى الأقوياء، فلا تقف لهم قوة في الأرض، لا قوة الشيطان، ولا قوة أولياء الشيطان.. ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

 

إن هذه الصفوة المختارة اتبعت رضوان الله، فسارت وراء كل ما يحقق هذا الرضوان، من فعل الخيرات، وترك المنكرات، والفضل كله لله وحده، يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم، يختص برحمته من يشاء ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)﴾ (الفتح).

 

يقول الإمام جعفر الصادق: عجبت لمن ابْتُلي بأربعة كيف ينسى أربعةً: عجبت لمن ابتُلي بالخوف، كيف ينسى قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؟ وقد قال جل شأنه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ قال الله بعد ذلك: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ وعجبت لمن ابتُلي بالضر كيف ينسى قوله تعالى: ﴿مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)﴾ (الأنبياء)؟ وقد قال الله بعد ذلك: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ (الأنبياء: 84).. وعجبت لمن ابتُلي بالغمّ كيف ينسى قوله تعالى ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87)؟ وقد قال الله بعد ذلك ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء: 88)، وعجبت لمن ابتُلي بمكر الأعداء كيف ينسى قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر)؟ وقد قال الله بعد ذلك ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 45).