الحمد لله رب العالمين، فرض الصيام على أمة محمد كما فرضه على الأمم السابقة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أعطى أمة محمد ما لم يعطه لأمة من قبل، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خير من صلَّى وصام وقام، واعتكف وحج واعتمر.. اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا النبي وعلى أهله وصحبه وسلم.
أما بعد..
يقول الله تعالى في سورة البقرة في الجزء الثاني الآية (183: 184) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُوْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾، فالصيام أيها الصائمون في الإسلام عبادة كريمة الشأن، رفيعة المستوى؛ إذ إنه- أي الصيام- يقوم بتهذيب الدوافع الفطرية، من المأكل والمشرب والمباشرة الجنسية، ولعلنا نلحظ دور الصيام في تربية الضمير، فهو أستاذ في علم الأخلاق، وهي غاية بعثة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فالصيام يغرس في النفس قوة مراقبة الله للعبد، وهنا نسأل أنفسنا: لماذا كان الصيام بين الإيمان والتقوى في قوله جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ﴾، ذلك لأن الإيمان تصديق بالقلب، وما استقر في القلب سرٌّ من أسرار الله، لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، والتقوى هي مخافة الله، ومحلها القلب أيضًا؛ فقد أشار النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى صدره الشريف، وقال تظهر
وإن خدعـت النـاس لــم تستطع خداع من يطوى ومن ينشر
ولقد صدق الهادي البشير- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول لجبريل أمين وحي السماء: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فهنا مقامان: مقام المشاهدة ومقام المراقبة، وإذا كان في القصاص حياة للنفوس فإن في الصيام حياةً للأرواح، فالشبع بحر تجري فيه الشياطين، والجوع نهر تسبح فيه الملائكة، وهكذا يتبين لنا أستاذية الصيام في علم الأخلاق.
ويأتي الصيام أيضًا ليكون أستاذًا في علم الاجتماع، ويتجلَّى ذلك في قول المعصوم- صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، كما أن حكمته الاجتماعية تتجلَّى في صيام الحكَّام الذين إذا تربَّعوا على كراسي الحكم لا يكادون يشعرون بقوم يبيتون على الطوى، يعبث الجوع بأمعائهم، وقوم آخرون تتمرَّغ النعمة في أعتابهم ويشتهون أن يدوسوها بأقدامهم، ولقد كان نبي الله يوسف يصوم يوم ويفطر يومًا، فقيل له: لم تكثر من الصيام وقد جعل الله خزائن الأرض تحت يديك؟! فقال كلمته الشهيرة: "أخشى أن أشبع فأنسى الجائع"، ويرحم الله الفاروق عمر بن الخطاب كان بطنه يُحدث أصواتًا من كثرة ما أكل بالزيت، فكان يقول لبطنه: "قرقري أو لا تقرقري، لن تذوقي اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين"، وفيه يقول القائل:
إن جاع في شدة قوم شركتهم في الجوع أو تتخلى عنهم غواشيها
جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة فسبحان موليها
فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لى ثمن الحلوى فأشريها؟
ما زاد عن قُوْتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال ردِّيها
كذاك أخلاقه كانت وما عُهدت بعد النبوة أخلاق تحاكيها
ويأتى الصيام ليكون أستاذًا في السياسة والاقتصاد؛ فهو عامل وحدة بين الأمة الإسلامية في رمضان، مهما ترامت أطرافها، واتسع مداها في مشارق الأرض ومغاربها؛ إذ إن الكل عند مطلع الفجر في حالة إمساك عن المفطرات، فإذا ما غربت الشمس علم الجميع أن الإذن قد ورد من رافع السماء بلا عمد، بإباحة ما كان محرمًا من قبل، فقال كل منهم بلسان اليقين ومنطق الحق المبين: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، الحمد الله، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله"، فهل تعلَّم المسلمون درس وحدتهم، واجتماع كلمتهم، ووحدة صفهم، ليكونوا يدًا واحدةً على عدوهم المتربص بهم.. نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين وصفوفهم.
ثم كان واجبًا على المسلمين أن يعلموا الحكمة من الصيام، فيقتصدوا في المطعم والمشرب والإنفاق، فكان إفطار النبي- صلى الله عليه وسلم- متواضعًا مقتصدًا؛ فهو القائل في حديثه: "وما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه؛ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"، وهنا يأتي دور الصيام كطبيب للأمة، قال أحد المجادلين لأحد علماء المسلمين: إن كتابكم خلا من الطب، فقال له العالم المسلم: بل إن كتابنا- أي قرآننا- جمع الطب كله في نصف آية، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِيْنَ﴾، وعندما أرسل المقوقس عظيم مصر بهدية إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبلها ولكنه ردَّ الطبيب، فلما سأله المقوقس: لماذا ردَّك محمد- صلى الله عليه وسلم- قال الطبيب: لقد أرسلتني إلى رجل جمع الطب كله في كلمتين: "نحن قوم لا نأكل إلا إذا جُعنا، وإذا أكلنا لا نشبع".
أيها الصائمون.. لقد جاءت آيات الصيام التي بين أيدينا في شهر قرآني مشبّع بالرحمات، تهبّ عليه وتتخلله نسماتٌ تحمل في ثناياها قطرات الندى معطرة بأعراف الجنة، والصائم في هذا الجو ينساب في أخلاق أرقّ من النسيم، وأندر من صفحة الروض الوسيم.
إن الصيام لمَّا كان تهذيبًا للدوافع الفطرية من مأكل ومشرب؛ فإن رحمات الله- تبارك وتعالى- قد أحاطت بالصائمين في كل مكان؛ لذا جاءت آيات الصيام وفي ثناياها تخفيفات ربانية كريمة لأمه الحبيب محمد، الذي يقول في حديثه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا، وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيَّني لعبادي، أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا"، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: "لا، ألم تر إلى العمال يعملون؛ فإذا فرغوا من أعمالهم وُفُّوا أجورهم".
ومع هذا الأعطيات والهبات لأمة محمد تأتي وتجتمع التخفيفات الربانية، التخفيف الأول في صيغة الخطاب للمؤمنين: "يا أيها الذين آمنوا"، وبالإيمان يصبح كل شيء ميسورًا، فالإيمان إذا باشرت بشاشته شغاف القلوب يكاد يجعل المستحيل ممكنًا، والملح الأجاج عذبًا فراتًا سلسبيلاً، ومن ثم فإن المؤمن يسمع نداء الحق- تبارك وتعالى- ولسانه يلهج بالثناء على الله: "سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير"، وكأنه يقول بلسان حاله:
رضاك خير من الدنيا وما فيها يا مالك النفس قاصيها ودانيها
فليس للنفس آمال تحققها سوى رضاك فذا أقصى أمانيها
فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي خير إليَّ من الدنيا وما فيها
وكيف لا يستقبل المؤمن خطاب ربه بنفس مفعمة بالرضا، جياشة بالطمأنينة، وهو دائمًا يقرأ قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوا اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَلاَ تَوَلَّوا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ* وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِيْنَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُوْنَ﴾ (الأنفال:20: 21) إن المؤمنين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، ولسان حال الواحد منهم يقول لربه:
لما علمت بأن قلبي فارغ ممن سواك ملأته بهداك
وملأت كلي منك حتى لم أدَع مني مكانًا خاليًا لسواك
ويأتي التخفيف الثاني متمثلاً في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فما دام الذي كتب هذا هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، فلتستقبل النفوس الواثقة هذا المكتوب بكرم وسعادة، ولسان حال الصائم منهم يقول: شعاع من رضاك يطفئ غضب ملوك الأرض، ولمحة من غضبك تزهق الروح ولو انغمست في نعيم الدنيا.
ويأتي التخفيف الثالث متمثلاً في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي لقد كان هذا الصيام فرضًا على من سبقكم من الأمم فصاموه وامتثلوا أمر الله، فأنتم يا خير أمة أخرجت للناس أولَى الناس امتثالاً لأمر الله ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِيْنَ إِذَا دُعُوْا إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُوْلُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ* وَمَن يُطِعِ اللهََ وَرَسُوْلَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُوْنَ﴾ (النور:51: 52).
ويأتي التخفيف الرابع متمثلاً في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ﴾، وهل التقوى إلا جماع الخير كله، أتى الإمام علي- كرم الله وجهه- المقابر ذات يوم، فقال: "يا أهل المقابر، هنيئًا لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أما أموالكم فقد قُسمت، وأما بيوتكم فقد سكنت، وأما نساؤكم فقد تزوجْن بغيركم، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم، ثم أنصت قليلاً، وقال لمن حوله: والله لو شاء الله لهم أن يتكلموا لقالوا: إن خير الزاد التقوى"، فإذا كان الصيام يؤدي إلى أشرف غاية وهي التقوى لله، فما أعظم تلك الغاية، وما أجلَّ ما أدى إليها، فالتقوى هي السلاح الأقوى.
قيل للحسن البصري- رضي الله عنه- يا إمام، عظنا. فقال: يا هذا، صم عن الدنيا وافطر على الموت، وأعد الزاد لليلة صبحها يوم القيامة..
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى تقلَّب عريانًا ولو كان كاسيًا
وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيًا
وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا محمد.