ولدي يبلغ السادسة عشرة من عمره، وقد ربيتُه على التدين والخلق الكريم، ولكنه منذ التحق بالمدرسة الثانوية بدأ التزامه يضعف؛ فلا يواظب على الصلاة بالمسجد ولا يقرأ القرآن، ويقضي أغلب وقته أمام التلفاز أو الخروج مع أصدقائه، وإذا نصحته لا يستجيب، وإذا ناقشته يتمرَّد عليَّ ويرفض رأيي، معللاً بأنه لم يعد طفلاً، وأنه مسئولٌ عن نفسه، وإذا طلبت من والده أن يتابعه ويهتم بشئونه حتى لا يصل إلى ما وصل إليه بعض أبناء أصدقائنا من انحرافٍ يرفض ويقول إن انحرافه لا يعيبنا فابن سيدنا نوح كان كافرًا.. فماذا أفعل لأنقذ ابني؟

 

يجيب على الاستشارة وفاء سعداوي مشرفة قسم الأسرة بالموقع:

الأخت الفاضلة يتضح من رسالتك أن زوجك قد تخلَّى عن دوره التربوي منذ البداية، فبعض الآباء يتخلون عن تربية أولادهم، تاركين المسئولية كاملةً للأم، ناسين أن التربية مسئولية مشتركة بين الولدين، فقد قال- صلى الله عليه وسلم- "الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" كما وجَّه- صلى الله عليه وسلم- الصحابي في تربيته ولده فقال: "لاعبه سبعًا وأدبه سبعًا وصاحبه سبعًا"، فالله عزَّ وجل سائله يوم القيامة عن ولده أربَّى أم ضيَّع؟ فقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيت أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".

 

وكل الدراسات والأبحاث التربوية تحث الوالدين على التعاون في تربية أولادهما وتحذر من تخلي أحدهما عن دوره لما له من آثار سلبية على نشأة الأولاد.

 

أما ضربه المثل بابن سيدنا نوح فلا يعيب المرء حقًّا أن ينحرف ولده أو حتى يكفر، لكن يأثم المرء إن قصَّر في تربيته، والقارئ لقصة سيدنا نوح يلحظ بوضوح عزمه وحرصه الشديد على هداية ابنه وأخذه بكل ما يستطيع من أسباب لتحويله عن الكفر الذي يصرُّ عليه فها هو يدعوه للإيمان حتى بعد أن بدأت علامات الطوفان رغم أنه "كان في معزل" أي اختار لنفسه مكان عزلة وانفراد عن أبيه والمؤمنين، إرشادًا له ورفقًا بطريقة العرض والتحذير قائلاً: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (هود: من الآية 42)، وتصغيره "بُني" هنا تصغير شفقة بحيث يجعله كالصغير في كونه محل الرحمة والشفقة، ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (هود: من الآية 42) يكرر إعلامه وتذكيره بأن إعراضه عن الركوب يجعله في صفِّ الكافرين، وحيلولة الموج بينهما في آخر المحاورة يشير إلى حرصه عليه حتى وقت سرعة فيضان الماء، وحتى بعد انتهاء الطوفان وغرق ابنه مع الكافرين يأخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه فيسأل ربه المغفرة لولده لينفع ابنه بشفاعته في الآخرة بعد اليأس من نجاته في الدنيا؛ لأن الله عز وجل أعلمه أنه لا نجاةَ إلا للذين يركبون السفينة، فأبوة سيدنا نوح جعلته مهمومًا بأمر ابنه حتى تعرَّض لعتاب الله عز وجل ولومه ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: من الآية 46).

 

أما أنت يا أختي الفاضلة فحاولي أن تحتوي ولدكِ بأمومتك أولاً، اشبعي حاجاته النفسية من الحب والحنان، فهو ما زال طفلاً في مشاعره، وعلى الجانب الآخرعامليه كرجلٍ فهذه هي تركيبة المراهق، كما يرى علماء النفس "طفل في هيئة رجل"، فكوني صديقةً له ليثق بك ويلجأ إليك وانصحيه باللين وأشعريه بحرصك عليه فقد تخطَّى مرحلة العقاب والتوبيخ التي لن تثمر إلا عناده وتمرده، واحترمي رغباته فلا تمنعيه من شيء ليس بحرامٍ لمجرَّد أنه يخالف رأيك، فالأصل في الأشياء الإباحة ولا تحريم إلا بنص، وحاولي أني تقفي معه عند الحدِّ بين الحرام والحلال فلا تنتظري منه المسارعة بالطاعات، ولا تذكري أخطاءه أمامه على الملأ للأقارب والأصدقاء؛ لأن هذا يؤذيه ويدفعه للتمادي في الخطأ.

 

وحاولي أن تُوفري له الصحبة الصالحة دون أن يشعر أنك وراء ذلك، وأيضًا استعيني بمَن تثقي به من الأقارب والأصدقاء لاحتوائه والأخذ بيده بعيدًا عنك وبدون علمه أيضًا، وحاولي التقرب إليه وأصدقائه بإكرام ضيافتهم وإعداد الولائم لهم في المناسبات المختلفة ومجاملتهم عند النجاح وغيرها من المناسبات، وشجعي والده على ممارسة أبوته وساعديه على ذلك باللين.

 

ثم عليكِ بإصلاح ما بينك وبين ربك فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية 9)، وكان أحد الصالحين يكثر من الصلاة ويقول لولده "إني أزيد في ركعاتي رجاء أن أُحفظ فيك"، واغتنمي أوقات استجابة الدعاء فقد أخبرنا النبي- صلى الله عليه وسلم- أن دعاء الوالد لولده من الدعوات المستجابة، وتحري النية لله عزَّ وجلَّ في رعايتك لولدك، نية تربية نشأ صالح وهي نية صالحة تؤجرين عليها يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، ولا تيأسي من رحمة الله عزَّ وجل، فصدق النية والثقة بالله واليقين بقدرته والعزم والهمة في الأخذ بالأسباب يبلغ الله بها العبد من الخير ما يريد مهما قصرت الأسباب المتاحة له فابذلي ما استطعت ثم اطمئني لقدر الله.