الحاجة ملك قضت عمرها في رعاية أسرتها، وإسعاد زوجها وأولادها، لم تبخل عليهم بشيء، وبذلت كل ما تملك في سبيل تحقيق حياة أفضل لهم، فأسهمت بميراثها في زواج ولديها بعد تخرُّجهما، وسعدت معهما ببناء بيتَيْهِما، وكانت فرحتها الكبرى باستقبال أحفادها، وعندما تُوفي زوجها لم تكن ابنتُها الوحيدةُ قد تزوَّجت بعدُ، فجمَعت ما تبقَّى من ميراثها وحليِّها وباعته لتشتري لها كلَّ ما تحلم به في شقة الزوجية، ولم تكتفِ بذلك، بل أرادت أن تؤمِّن لها مستقبلَها، فنقلت ملكية شقتها إلى حوزة ابنتها، وأقامت معها بعد زواجها، وقامت برعاية أولادها أثناء خروجها للعمل حتى التحقوا بالمدرسة، وفجأةً.. إذا بابنتها تطلب منها أن تبحث عن سكن آخر؛ لأن زوجها يرفض وجودها معهم!!!
أذهلت الصدمة الأم ولم تتحمَّل، فسقطت مغشيًّا عليها، وعندما أفاقت غادرت منزلها أمام إصرار ابنتها التي لم تفلح توسُّلاتها وتذكيرها بأنها أنفقت كلَّ ما تملك عليها، وأنها لم تعُد تملك ما تستأجِر به سكنًا، فمعاشُ زوجها يكفيها للعلاج ومتطلبات الحياة بالكاد!! ورفضت زوجتا ولديْها أن تُقيم مع أيٍّ منهما.. لم تجد الأم أمامها إلا المسجد لعلَّها تجد بين أهل الخير من يوفِّر لها حجرةً تُقيم فيها ما تبقَّى لها من عمرها!!
حالة السيدة "ملك" ليست فريدةً من نوعها في مجتمعات المدينة؛ حيث يفتقد المسنُّون أبسطَ وسائل الرعاية التي يمكن أن يلقوها من أُسَرِهم، وفي المقابل تنتشر الدورُ البديلةُ عن الأسرة لرعاية المسنِّين، تلك الدور التي يعيش فيها الآباء بعد عمرٍ طويلٍ قضَوه في رعاية أبنائهم الذين يصحبونهم بأنفسهم إلى دور المسنِّين، في مشهدٍ قاسٍ على النفس، وتأباه الشهامة والمروءة..!!
هذا هو حال كثيرين من أهل المدينة، فماذا عن الريف؟! هل يواجه المسنُّون هناك المشكلة نفسها؟! وهل يمكن أن يقف مسنُّ الريف الموقفَ نفسَه الذي يقفه مسنُّ المدينة؟ أم أنه قد يكون أوفرَ حظًّا من نظرائه في المدينة؟! هذا ما يجيب عنه هذا التحقيق:
تؤكد حياة أحمد- مدرِّسة- أن مَن يرعى كبير السنِّ في الريف ليس الأهل فقط، وإنما الجيران أيضًا، فتقول: كانت لنا جارة عجوز، لكنَّ صلتَنا بها ربما كانت أكثرَ من صلتِنا بأمي أو حماتي؛ حيث ترعى أطفال الشارع، وتحكي لهم الحواديت على ضوء القمر أمام البيت، وكان الأطفال يحبونها بشدة، وكنا نحاول منعَهم من كثرة البقاء في بيتها؛ إذ كانوا لا يطيقون البعد عنها، وهي أيضًا كانت مشغولةً، فلم تكن من النوع الذي ينام وتركبه الشيخوخة، فقد كانت تعمل طوال النهار، ثم تأتي لقضاء بقية الليل في السمر معنا؛ حيث نفترش الحصير في ضوء القمر، نتجاذب أطراف الحديث، بينما هي تقوم بحكْي الحواديت للأطفال، الذين كانوا لا يملُّون حديثها، بل ينامون في حِجرها!!
وفي رمضان كان كلُّ جارٍ يدعوها لتُفطر معهم يومًا، لكنها كانت ترفض، فنُضطَّر لإعطائها إفطارَها في البيت، وكنا نشعر أنها تعيشُ في سعادةٍ غامرةٍ، وعندما كانت في مرضِها الأخير، كنا نحن الجيران الذين نذهب بها إلى الطبيب، وعندما ماتت نحن الذين قُمنا بتغسلها وتكفينها وبكينا عليها، فقد كانت تُسعدُنا وتَسعَد بنا، ونحبُّها وتحبُّنا، ولها أجمل الذكريات في قلوبنا وقلوب أبنائنا.
أما ح. ع فتقول: رغم أنَّ الريف اليوم لم يعُد كالأمس، ورغم أنَّ الأبناء لم يعودوا يوقِّرون آباءهم والكبار كالماضي، إلا أنَّ الأمر لم يصِل إلى الدرجة من السُّوء التي يُعاني منها المسنُّ في المدينة، حيث الوحدة القاتلة، وحيث العجائز يموتون دون أن يعلم عنهم أحد قبل أن تخبر رائحةُ الموت الجيرانَ والمارَّةَ بأنَّ هناك ميتًا خلفَ الأبواب المغلقة!!
هنا في الريف ما زال للأسرة الممتدَّة وجودٌ وإن تغيَّر شكلُه، فبعد أن كان البيت مجرد غرفٍ محيطةٍ بوسط الدار أصبحت طوابق فوق بعضها البعض، وربما تكون منعزلةً عن بعضها البعض انعزالاً أبعد من البُعد الجغرافي للجدران، وتكمُن معاناة الآباء والأمهات في الحَيرة بين أبنائهم الذين غالبًا ما يكونون في شقاقٍ دائمٍ دونما مراعاةٍ لأخوَّةٍ أو حتى جوارٍ.
إلا أنَّ الاحتماء بالجوِّ الاجتماعي- المكوَّن من الأبناء وأسرهم والجيران والأقارب- لا يزال له وجود وإن كان معكَّرًا بعضَ الشيء، ولكن يظلُّ المسنُّ يحظَى بالرعاية شبْه الل