- د. أبو الغار: سيطرة الأمن على الجامعات حوَّلها إلى شقق ومكاتب
- د. السعيد عبد المؤمن: عودة الانتخابات الخطوة الأولى لاستعادة مكانتنا
- د. محمد مرسي: تراجع الجامعات جزءٌ من الحالة العامة السيئة في مصر
تحقيق- سالي مشالي
احتلت جامعة القاهرة المركز الـ403 لتثبت تراجعها عالميًّا وفق تصنيف الجامعات الدولي لعام 2007م والذي صدر منذ أيام، وهو نفس الترتيب الذي حصلت عليه العام الماضي.
![]() |
|
جامعة القاهرة جاءت في المرتبة 403 |
ورغم أن جامعةَ القاهرة هي الوحيدة عربيًّا التي تدخل هذا التصنيف إلا أن هناك 7 جامعاتٍ صهيونية في التصنيف هذا العام، واحتلت الجامعة العبرية بالقدس المركز رقم 64 عالميًّا، كما ظهرت 5 جامعاتٍ أفريقية في التصنيف هذا العام، 4 منها بجنوب أفريقيا، بينما احتلت القاهرة المركز الثالث بالقارة السمراء بعد جامعتي كيب تاون وويت ووتر ساند بجنوب أفريقيا.
وهذا الغياب المتواصل للجامعات المصرية من التصنيف العالمي لأهم مائة جامعة على مستوى العالم وحصول جامعة القاهرة العريقة على هذا الترتيب بالكاد، مع غياب باقي الجامعات المصرية من التصنيف، وتقدم جامعات دول أفريقية كتنزانيا وأوغندا وكينيا على جامعاتنا، دفعنا للتساؤل عن طرق التعليم في مصر، ولماذا تراجعت بهذا الشكل؟ وما تأثير ذلك على التعليم والتنمية في مصر؟
انهيار الجامعة
يؤكد د. محمد أبو الغار- الأستاذ بكلية الطب ومنسق حركة 9 مارس لتحرير الجامعات- أن الجامعة هي قلب الأمة والقاطرة التي تجذبها إلى الأمام عن طريق الأفكار والأبحاث التي تنتجها العقول الأكاديمية، وعن طريق تعليم الطلاب حتى يصبحوا مواطنين منتجين يحملون فكرًا متفتحًا وتعليمًا حديثًا يرفع الإنتاج، ويضيف جديدًا لتقدم الأمة، وقد حدث هذا بالفعل في ثلاثينياتِ القرن الماضي حين كان لطفي السيد رئيسًا للجامعة، وكان طه حسين عميدًا للآداب ومشرفة عميدًا للعلوم.
ويرى أن هذا الترتيب يُعبِّر عن انهيار الجامعة، وهو ما أدَّى إلى خراب مصر وضياع مستقبل أجيالٍ من الشباب، وكل ذلك لأنَّ النظامَ المصري لا يريد عقلاً متفتحًا للطلبة، ولا يريد لهم تعليمًا متميزًا ولا يريد أساتذةً تُفكِّر وتبتكر، ولا يريد بحثًا علميًّا في الجامعة؛ لأن كل ذلك سوف يؤدي إلى انهيار نظام الحكم؛ لأن هؤلاء الأساتذة وجموع الطلاب في هذه الحالة سوف يرفضون هذا النظام الفاشل الذي توقَّف مخه عن التفكير في كل شيء إلا البقاء في الحكم.
موضحًا أن السلطةَ وجدت الطريقة المثلى لإخضاع الفكر والحرية في الجامعة؛ وذلك بإنهاء الحرية الأكاديمية وإدارة الجامعة بواسطة الأمن، وقد تفاقم الأمر حين أُلغي قانون انتخاب العمداء عام 1994م، وفي عام 2000م قام مفيد شهاب بتقييد الجامعة بقانونٍ جديدٍ بنفس الطريقة؛ وذلك قبل النقل إلى وظيفةٍ أخرى للقيام بوضع قيودٍ على النقابات المهنية وتعقيد الأمور لهم حتى يحصل على وسام الاستمرار كخادمٍ هُمامٍ للسلطة السياسية في كل زمانٍ ومكانٍ، وذلك قبل أن يقول التاريخ كلمته عن التصرفات المزرية له ولأمثاله.
![]() |
|
د. محمد أبو الغار |
ويضيف د. أبو الغار قائلاً إنه منذ ذلك الحين تربع رجال الأمن في مكاتب العمداء ورؤساء الجامعات، وأصبحت اجتماعات المسئولين في الجامعة مع الأمن هي أهم حدثٍ في عملهم اليومي.
وقام الأمن بتوظيف عيونٍ له من أعضاء هيئة التدريس ضعاف النفوس ووعدهم بالترقي والحصول على المناصب، وحدث ذلك بالفعل فأصبح الكثير من العمداء ورؤساء الجامعات من خريجي المدرسة الأمنية، وأصبح سيادة المقدم يرأس سيادة العميد وسيادة العقيد يرأس رئيس الجامعة.. أصبحت الاجتماعات الجامعية يحضرها مندوبٌ عن الأمن، وكما سمعتُ قد يكون نائبًا لرئيس الجامعة كما هو حادثٌ فعلاً في جامعةٍ عريقةٍ كبرى.
ويقول: إن الأمن في بعض الكليات يطلب أسماء المناقشين لرسائل الدكتوراه وميعاد المناقشة، ويقوم بمنع دخول الجامعة لمحاضرين من الخارج في زيارةٍ أكاديميةٍ مثلما حدث مع الأديب الكبير بهاء طاهر؛ حيث تمَّ منعه من دخول جامعة عين شمس بدعوةٍ من رئيسة قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب للاشتراك مع الطلبة في مناقشة موضوعات أدبية، الأمن لم يسمع عن بهاء طاهر ولا يعرفه، ولكنه يبسط سلطانه في وجود رئيس جامعة رجعي متسلط يسعى إلى منصبٍ أعلى.
ضياع الحريات الأكاديمية
وأشار أبو الغار إلى تقرير منظمة الـ"هيومان رايتس ووتش" عن التعليم في الجامعات المصرية، وهو التقرير الذي يرصد في دراسةٍ مطولةٍ الكمَّ الهائل من الاعتداءات على الحريات الأكاديمية، ويفضح الجامعات المصرية في العالم كله ويُسيء إلى الدولة المصرية كلها، وقد حدث ذلك بعد دراسةٍ في جامعتين يعتبر الوضع فيهما أحسن بكثيرٍ من الجامعات الأخرى.
وطالب التقريرُ- للأسف- المجتمعَ الدولي بالضغط على مصر لإصلاح التعليم الجامعي، وطالب كذلك حكومة الولايات المتحدة والبنك الدولي بربط المساعدات بإصلاح الأحوال الأكاديمية، وأوصى التقرير بأن تتوقف الحكومة فورًا عن استخدام الأمن لإرهاب الأساتذة والطلبة، وأن تتوقف عن تعيين العمداء الموالين للحزب الوطني، وعليها أن تُغيِّر جميعَ القوانين التي تتعارض مع الحريات الأكاديمية، وأنه على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفًا من الاعتداءات على الحرياتِ الأكاديمية في مصر، وأن يستخدم وسائل الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لصالح هذا التغيير ويجب على الهيئات الدولية مراقبة موقف الحريات الأكاديمية في مصر، وأن تعلن عنها.
ويتساءل: هل هناك إهانة أكبر من ذلك؟ لقد وصلنا للحضيض حين يقول العالم إنه سوف يتدخل ويضغط لتحقيق الإصلاحات وإعطاء الحريات الأكاديمية لمصر، بدلاً من وقفةٍ جامعيةٍ شاملةٍ من الأساتذة لتحرير جامعتهم من الأمن وعملائه وفرض الإصلاح الجامعي.
الميزانية والتمويل
د. حمدي زهران

ويُرجِع د. حمدي زهران- عضو لجنة التعليم بمجلس الشعب- السبب في هذا التراجع للجامعات المصرية إلى ميزانيات الجامعات والتمويل والموارد، مؤكدًا أن هذا جانب كبير من الأهمية في مسألة تطوير التعليم الجامعي، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة للطلاب، والتي تؤدي إلى ضعف كفاءة الخريج، كما أن التوسعَ العشوائي في الجامعات الإقليمية وقبول الطلاب بها ثم البحث عن أعضاء هيئة تدريس ومعامل وإمكانيات بعد ذلك تعتبر من المشكلات المتكررة، وتزداد المشكلة عمقًا في الكليات العملية.
مشيرًا إلى أن الحكومةَ لو أرادت توفير الموارد المالية من أجل تطوير التعليم الجامعي لاستطاعت أن توفرها كما تفعل في أمورٍ أخرى أقل أهميةً بكثير.
إستراتيجية التعليم
ويرفض د. الحسين أحمد- أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق- اعتبار التمويل هو المشكلة الأساسية في تراجع المستوى التعليمي في الجامعات، واعتبر أن تكرارَ الشكوى من تواضع الإمكانيات ما هو إلا "شماعة" نُعلِّق عليها تقصيرنا وفشلنا.
ويقول: إن انتظارنا تحسن الإمكانيات معناه أننا لن نحقق أي تقدمٍ؛ لأن تحسن الإمكانيات أمرٌ غير متوقع الحدوث على المدى القريب، مؤكدًا أننا لن نصبح كأمريكا يذهب الطالب إلى الجامعة، وهو يحمل "اللاب توب"، وضرب المثال بدولةٍ كالهند تعاني نسبةٌ كبيرةٌ من سكانها من الفقر وتعاني الجامعات من تواضع الإمكانيات، ومع ذلك استطاعت أن تحقق طفرةً علميةً لا يُستهان بها حتى إنها أصبحت رائدةً في بعض المجالات، وفي حدود الإمكانيات المتاحة.
وأضاف أن السؤال التاريخي الذي تكرر كثيرًا: مَن الذي يقود الحياة الاجتماعية؟ هل الجامعة هي التي تقود المجتمع؟ أم أن المجتمعَ هو الذي يقود الجامعة؟ وحسمت الحكومة السؤال فأصبحت هي التي تقود الاثنين.. المجتمع والجامعة؟!
ويؤكد أن الموارد موجودة ولكن أولويات الإنفاق هي التي تحتاج إلى إعادة تنظيم، واعتبر أن القضيةَ تثقيفية وليست تعليمية؛ لأن معظمَ معلومات الطلاب نظرية أو أكاديمية محصورة في تخصصه، ولا تخرج عن هذا التخصص.
ويوضح أن أكثر ما يُؤثِّر على الحياةِ الجامعية أن العلاقة بين الأستاذ والطلبة محصورة في الاستماع إلى المحاضرة فقط لا غير، فلا مجالَ للنقاش والحوار، وبالتالي يفتقد الطلاب اكتساب التراكم المعرفي وتراكم المهارات الذي يحدث من خلال التعامل المباشر بين الأساتذة والطلبة، بالإضافة للشعور بالإحباط المتبادل بين الطلبة والأساتذة بسبب عدم تجاوبِ الطلاب مع العملية التعليمية؛ حيث إنهم ينظرون لوجودهم في الجامعة على أنه تحقيقٌ لرغبةِ الآباء، أو للحصولِ على شهادة يعلمون جيدًا أنهم لن يعملوا بها بعد التخرج، وهنا نجد أن العلم لم يعد إستراتيجيةً من أجل التطوير وإنما مسألة اقتصادية بحتة ملخصها "التعليم يساوي كام؟".
انتخابات الإدارة الجامعية
مظاهرات طلابية ضد التدخل الأمني وتقييد الحريات بالجامعات
ويطالب د. محمد السعيد عبد المؤمن- الأستاذ بجامعة عين شمس- بعودة الانتخاباتِ إلى مجالس إدارة الجامعات، بدءًا من رئيس القسم إلى العميد وصولاً إلى رئيس الجامعة، وأن يُلغى تمامًا نظام التعيين الذي يُؤثِّر سلبًا على الحياةِ الجامعية، فالانتخابات تخلق نوعًا من التنافس المحمود بين الأساتذة فيسعى كلٌّ منهم لتقديم أفضل ما عنده، وغالبًا ما يؤدي الانتخاب إلى فوز الأقدرِ على تحمُّل المسئولية، أما نظام التعيين فيتم الاختيار فيه على أساس العلاقات، ويكون بعيدًا عن القاعدة التعليمية سواء من الطلاب أو الأساتذة.

ويرفض د. عبد المؤمن أن يحكم الأمن الجامعات، ورغم إقراره بأهمية الوجود الأمني لحماية النظام والأخلاق والمباني، ولكنه يعود فيؤكد ضرورة أن يتم هذا في إطارٍ محسوبٍ ودون التدخل في الأمور العلمية أو الإدارية في الجامعات، بحيث توضع القوانين واللوائح التي تحدد حجم وجوده في الجامعة وأسلوبه والأطر التي له حق التدخل فيها، بحيث يتم التعامل مع الأمن بالجامعة في النهاية على أساس توظيفه بما يخدم الجامعة والمجتمع ككل، وليس العداء المطلق له.
وعن انخفاض المستوى التعليمي للطلاب، يرى أن هذا يعود إلى مرحلة ما قبل الجامعة، والتي ينهيها الطالب وهو غاية في الضعف، بحيث يصعب تنفيذ البرامج الجامعية معه إلا مع التساهل، مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الطالب وعدم تأهيله في تخصصه.
ورفض إمكانية اختزال المشكلة التعليمية في مصر إلى جانب أو اثنين، واعتبر أن كلَّ جوانب العملية التعليمية تحتاج إلى إعادة نظر وإعادة تنظيم، من تأهيل الطالب من مراحل تعليمه الأولى إلى إعداد الأستاذ الجامعي ليكون مفيدًا ومؤثرًا على المستوى التعليمي والاجتماعي، وتطوير المعامل والمكتبات ووسائل التعليم وأدوات البحث العلمي، وتطوير الحياة الجامعية على وجه العموم.
أهمية اتحاد الطلاب
د. محمد مرسي

د. محمد مرسي- الأستاذ بكلية الهندسة جامعة الزقازيق وعضو مكتب الإرشاد- يرى أن تراجع ترتيب الجامعات المصرية عالميًّا، جزءٌ من الحالة المصرية العامة التي شهدت تراجعًا في كل المجالات سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وهو يرجع في الأساس إلى الفساد الذي انتشر في كلِّ شيء وسيطرة أجهزة الأمن على الجامعات؛ مما أدَّى إلى قتل الإبداع والقضاء على التطور، وأصبح كل هم المسئولين عن التعليم هو إرضاء الكبار بصرف النظر عن أي شيءٍ آخر.
وأشار د. مرسي إلى ضعف الميزانية المقررة للتعليم وضآلتها، وهو ما نتج عنه تراجع البحث العلمي بشكلٍ كبيرٍ في مقابل زيادة هذا الدعم في الكيان الصهيوني والذي احتلت جامعاته مراكز متقدمة، وهو ما يُثير الحسرةَ والألم على أحوال الجامعات المصرية.
ويضيف أن أسباب ذلك معروفة، وهي تعيين عمداء الكليات ورؤساء الجامعات؛ مما أفقد الجامعات استقلالها تمامًا، وحتى الانتخابات الطلابية لا تجري بين الطلاب؛ وما يحدث فقط إما اعتقالهم أو "تطفيشهم" من العملية الانتخابية، مما جعل اليد العليا والمكانة العلمية ليس للمجتهد علميًّا وبحثيًّا، ولكن لمَن ترضى عنه السلطات والأمن!
ويشير إلى أنه حتى التعيين لوظيفة معيد لم يعد يخضع للقواعد المعروفة، ولكن للتقارير الأمنية؛ مما أفرغ الجامعات من كثيرٍ من الكفاءات نتيجة هذه الممارسات الطاردة لأي كفاءة.
ويقول: إن إصلاحَ الجامعات أحد المطالب الأساسية للجامعات ضمن منظومة الإصلاح الشامل الذي ننادي ونطالب به الحكومة، وأن يكون ذلك من خلال انتخاب العمداء ورؤساء الجامعات وإعطاء الطلاب حريتهم في انتخاب ممثليهم، وتعيين المتفوقين والأوائل في هيئة التدريس دون الالتفات إلى تقارير الأمن! وتخصيص الميزانية المناسبة للبحث العلمي، ورفع مرتبات أعضاء هيئة التدريس ليكفي للعيش عيشةً كريمةً، واحترام خصوصية البحث العلمي وحريته، وإعمال سلطة القانون على الخارجين والمفسدين، موضحًا أن هذه الأمور مجتمعة هي أسس إصلاح الجامعات المصرية، الذي يقع على عاتق الحكومة كلها.

