إن المجتمع الإسلامي يقوم على التعاون والتكافل وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: من الآية 2).. وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ومن كلماته الخالدات- صلى الله عليه وسلم- قوله: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 6).. فأيما مؤمن ماتَ وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومَن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني، فأنا مولاه".
***
وقد راعى الإسلام حقوق اليتيم، وحافظ عليها، وأمرنا أن نعامله معاملة طيبة رحيمة، فمن جوامع الكلم ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)﴾.. وأمر بالحفاظ على ماله وحقوقه الدنيوية، والمالية ومن الأقوال الحكيمة للقرآن في هذه المعاني قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الإسراء: من الآية 34).. وتوعَّد بالعذاب الذين يعتدون على حرمة اليتيم وماله، فقال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)﴾ (النساء).
وأمرنا بإصلاح شأنهم والإحسان إليهم وتقديم كل ما ينفعهم في دنياهم وآخراهم، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ..﴾ (النساء).
فالإساءة إلى المسلم- بصفةٍ عامة- يعد في الإسلام جناية يعاقب عليها المسيء، فإذا كان الضحية يتيمًا فإن العقاب يشتد ويشتد؛ لأنه لا ظهيرَ له، ولا قوة تدفع عنه.
***
ومن أبلغ ما قيل في الأمثال العربية تعبيرًا عن الحرمان "إنهم أضيع من الأيتام على موائد اللئام"، فاليتيم: يعيش حياته محرومًا من متطلبات الحياة المادية، وضروراتها من طعامٍ وشرابٍ، وكساءٍ، ومحرومًا كذلك من متطلبات الحياة المعنوية: كالشعور بالأمان، والطمأنينة والسلام.
وإلى هاتين الضرورتين أشار القرآن الكريم بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش)، وهذه طبيعة الإنسان الضعيف أو المستضعف، نضيف إلى ذلك أن مَن استضفوه أو نزل بهم، أو عمل عندهم قومٌ من اللئام، أي نحن في مقام ضعيف أو مستضعف، ومقام قوي لا يعرف الله، ولا يرعى حقًّا ولا ذمة ولا ضميرًا، فهو يتيمٌ لم يجد حقه، حيث يبسط اللئام، قوتهم ونفوذهم، وسيطرتهم.
***
ويقول رجال اللغة والفقه: إن اليتم الانفراد، واليتيمُ الفرد، واليتمُ واليتم فقدان الأب، ومعروفٌ- كما ذكرنا من قبل- إنه يترتب على هذا حرمانٌ من ضروريات متعددة، زيادة على الآلام النفسية، والشعور بالضياع الذي يعيشه اليتيم.
ونلجأ إلى المعاني المجازية في مجال السياسة، فنقول:- والواقع يؤيدنا- إن مصر من أيامٍ أن قامت الميمونة سنة 1952م، وهي تعيش في يتم حاد قاتم، وهي تعيش وحيدة بلا معين، وحكامها فرضوا "أبوتهم عليها" ولسان حال الواحد منهم يقول:
أنا المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامة
والواحد منهم لا يخالف له عن أمر، ولا يقال له إلا على حدِّ قول الشاعر:
دعوا باطلاً، وجلوا صارمًا وقالوا صدقنا؟ فقلنا: نعم.
وكانت المجالس النيابية- وهي من المفروض أن تقوم على رعاية الشعب وتمثيله- تقف في صف الحاكم، لا ترفض له مشيئة، ولا إرادة، بل هي تسير في صفه، وتستجيب لهم بالحق والباطل، حتى إن الشاعر هاشم الرفاعي خاطب أحد الحكام عن مجلس من هذه المجالس فقال:
ها هم كما تهوى فحركهم دُمى لا يفتحون بغير ما ترضى فما
إن لنعلم أنهم قد جُمعوا ليصفقوا إن شئتَ أن تتكلما
بالأمس كان الظلم فوضى مُهملاً واليوم صار على يديك منظما
***
وجرد حكامنا المواطنين من كل قوة، ومن كل رأي، أو على حدِّ قول أحد الساسة: فرغوا المواطنين من الداخل، فأصبحوا من الداخل هواءً، وأصبحت قلوبهم هواءً، وأصبحت قوتهم هواءً، فهم كما قال الإمام علي: "أجسام بلا أرواح، أو أشباه رجالٍ ولا رجال"، وانتشرت الأمراض الاجتماعية من نفاقٍ، وجبن، وكذب، وسرقات، ورشاوى، وأصبح الفساد هو الأصل، والصلاح والتقوى والثبات والصراحة، هي الاستثناء.
كما تجرَّد المواطن المصري من قوة المعارضة، والثبات في المواقف التي تجابه الحكام وتتصدى لهم، وأصبح عنده ما يمكن أن نسميه "سرعة الاستجابة والموافقة المسايرة": فما قاله الحكام هو الحق، وما أنكره الحكام فهو الباطل.
مما دفع صاحب هذا القلم أن يتحدث إلى قلمه قائلاً:
برئتُ منك إذا هادنتَ طاغية دستورُهُ البغيُ والإجحافُ والغَشَمُ
السجنُ والقيدُ والعدْوانُ عدتُه وشرُّ أعدائه الإسلامُ والقيمُ
يقتاتُ دمعَ الضحايا في زنازنهمْ كأن أناتهمْ في أذْنِه.. نَغَمُ
ويدَّعي أنه للعدل ملجأهُ وأنه للجياع الخبزُ.. والأدَمُ
وأنه عبقري العصر والعَلَمُ ومثلَ فطنته لم تُنجِب الأممُ
وهْوَ الذي ذبحَ القانونَ منْ سَفَهٍ وضجَّ مما جَناه الحِلُّ والحرمُ
له بطانةُ سوءٍ كم طغتْ وبغتْ وهُمْ على الشعب دوْمًا نكبة عممُ
يأيهذا الذي ماتتْ بصيرتُه حتى استوتْ عنده الأنوارُ والظلمْ
لقد غَدْوتَ كوحشٍ ناشَ إخْوتَه ولم تَرق لمنْ كانتْ لهمْ رَحِمُ
رأيتُ نارَك في الأعداء باردةً لكنْ علَى الأهل جمرٌ ساعرٌ.. حُمَمُ
لمثْل هذا تَصَدَ اليومَ يا قلمُ وقلْ لهم: أيها الباغون ويلكمُ
فتحتَ هذا الرماد النارُ ساعرةٌ وخلفَ هذا السكونِ العاصفُ العَرِمُ
حتى إذا جاء يومُ الهولِ وانطلقتْ فيه البراكينُ والإعصارُ والضرَمُ:
تولت النكبةُ النكباء أمَرَكُمُ كما جنت عادُ، أو ما حصَّلَتْ إِرَمُ
ولنْ يكونَ لكم في الأرض معتَصَمُ ويومها ليس يُجدي الدمعُ والندمُ
***
وبعد أن جُرِّد المواطن من آدميته، ومن حقوقه، ومن مكانته في وطنه، وأصبح رهين السجون، والبوابات السوداء، ويُحاكَم أمام القضاء العسكري، بعد كل ذلك، يطلب منه أن يحمل الولاء للوطن وللحاكم، وأن يكون نموذجًا للإخلاص الدائم الذي لا ينقض.
وإن القلب لينزف دمًا وهو يرى الأطفال الصغار يتجهون إلى مقر المحكمة العسكرية، ليشهدوا آباءهم وهم يقدمون لهذه المحاكمات، وذنبهم أنهم عاشوا أطهارًا مخلصين للدين وللوطن، فلُفقت لهم التهم، وجردوا من حقوقهم الطبيعية في التمثيل أمام القضاء العادي، وحكامنا يقولون بلسان الحال عن هؤلاء الأشراف.. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).
ولا عجبَ في ذلك فنحن في العهد المباركي الذي اختلت فيه المعايير، فتحوَّل الحق إلى باطل، والحلال إلى حرام، والرشوة تُدعى الآن هديةً وعطاء، ومعارضة الحاكم تعد خيانةً عظمى؛ لأنه رمز للوطن، وأهم ملمح من ملامح الأمة المصرية والعربية.
وإن الفضيلة التي تُسجَّل للعهد المباركي أنه اخترع- لونًا جديدًا- من ألوان اليتم هو "اليتم والآباء أحياء".. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: من الآية 21).
------------