- الخبراء: إغراق مصر في الديون سياسة دولية تستهدف السيادة المصرية

- د. حمدي حسن: ملايين الدولارات أجورًا للخبراء والبيروقراطية تُعطِّل المشروعات

- د. أشرف دوابة: الاقتراض الخارجي سياسة مالية مخططة تستهدف بيع مصر للأجانب

- د. عبد العظيم: هناك عشوائية في توجيه أموال القروض ويجب الاهتمام بدراسات الجدوى

 

تحقيق- حسونة حماد

لم يكن غريبًا أن تتصدر مصر قائمة الدول الأكثر اقتراضًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تقريرٍ مصرفي لمركز معلومات البنوك الأمريكي "بنك إنفورميشن سنتر"، وهو التقرير الأول من نوعه الذي يصدره المركز، ولم يلاقِ أي انتقاداتٍ من مسئولين حكوميين رغم مرور أكثر من أسبوعٍ على صدوره.

 

ربما كان التقرير وما جاء فيه اعترافًا ضمنيًّا ربط السيادة المصرية بالخارج إن لم تكن قد رهنت الإرادة المصرية من خلال الرضوخ لتعليماتِ العديد من جهات التمويل الدولية والالتزام بأوامرها؛ مما كبَّدها العديد من الخسائر منها تبديد القطاع العام وتنفيذ سياسة مالية مخططة تستهدف بيع مصر كلها للأجانب، كما حدث في العديد من شركات القطاع العام عن طريق فرض أجندة الخصخصة لكلِّ ما هو مصري حتى الشوارع والمدن العمرانية الجديدة، خاصةً أن التقرير أشار إلى نجاح البنك الدولي والتنمية الأفريقي ومؤسسة التمويل الدولية في إقناع مصر بالاقتراض بكثافةٍ خلال السنوات الخمس السابقة.

 

وأكد التقرير الذي أعدَّه المركز حول حالة اقتراض الدول العربية والشرق أوسطية أن هناك سيطرةً أجنبيةً على البنوك المقرضة من جانب حكوماتٍ خارجية، مشيرًا إلى تكثيف هذه البنوك من إغراءاتها لإقناع حكومات المنطقة بالاقتراض الذي تجاوز مستوياته القياسية.

 

وأوضح أن أكثر من ٢٥% من هذه القروض عمومًا ذهبت إلى مصر بمفردها، وأكثر من ٥٠% من القروض لمنطقة شمال أفريقيا لمصر، والجانب الآخر لإيران وسلطنة عمان والأردن وسوريا.

 

 

 مصر غرقت في ديون البنك الدولي

وقال: في السنوات الخمس الماضية اقترضت مصر من البنك الدولي وحده أكثر من أي دولةٍ أخرى في منطقة الشرق الأوسط، وحصلت وحدها على ١.٢٧٢ مليار دولار، وأضاف: مصر كانت الأكثر استدانةً من مؤسسة التمويل الدولية "أي إف سي" التي تعتبر الذراع التي تُقدِّم القروض للقطاع الخاص في الدول المقترضة من الدول الصناعية؛ حيث اقترضت مصر بمفردها ٢٨٣ مليون دولار من هيئة التمويل الدولية خلال السنوات الخمس الماضية، كما كانت أكبر مقترضٍ من بنك الاستثمار الأوروبي "إي بي" وصل إجمالي قروضها إلى ٣ مليارات دولار.

 

ولم يكن حال مصر أحسن مع بنك التنمية الأفريقي فقد وقَّعت على أكبر قرضٍ في تاريخ البنك على الإطلاق، كما كان القرض ذاته، بحسب نيكي رايتش الخبيرة في الشئون المالية للقارة الأفريقية في مركز مراقبة المصارف القرض الأكبر- كدفعةٍ واحدة- في تاريخ مصر بقيمة ٥٠٠ مليون دولار دفعةً واحدة ذهبت لعملية إعادة الهيكلة للقطاع المالي والمصرفي في مصر نوفمبر الماضي، وارتفع إجمالي القروض لمصر من بنك التنمية الأفريقي إلى ٩٧١ مليون دولار خلال تلك الفترة.

 

وقالت رايتش في تعليقٍ خاصٍّ لوكالة "أمريكا إن أرابيك" إنها تشكك في جدوى هذه القروض لدول المنطقة، وخصوصًا مصر، مؤكدةً أن تبرير هذه القروض بحجة التنمية غير واضح؛ لأنه من العسير تتبع وصول المال إلى مستخدميه النهائيين لكي نحكم على الفائدة النهائية له.

 

وكشفت أن هذه المؤسسات الدولية تروج للتحرر الاقتصادي الكامل قبل حدوث تنمية فعلية في الدول النامية، وهو ما ينتج عنه نقل الثروات من الدول الفقيرة إلى الشركات الأجنبية تحت بند التنمية وخدمة القطاع الخاص، وخلق وظائف جديدة وينتج عنه أيضًا بيع الممتلكات القومية لرجال الأعمال والشركات الغربية.

 

التقرير المصرفي الأمريكي وتصريحات رايتش لوكالة أنباء "أمريكا إن أرابيك" فجَّرا من جديد إعادة فتح ملف القروض والمنح الأجنبية في مصر، خاصةً أن هذا الملف حافل بالفواجع والوقائع المفزعة بحسب شهادة الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو جهاز حكومي جاءت في تقرير متابعة وتقييم اتفاقيات القروض والمنح وتمثل شهادة جارحة لكرامة السيادة المصرية على مدار 32 سنةً من خلال 457 اتفاقيةً من بينها 311 اتفاقيةً قيمتها 9.8 مليارات دولار و132 اتفاقيةً منها 4 مليارات و640 مليون دولار تحتوي على الكثير من المغالطات والمخالفات وإهدار الأموال متمثلةً في قيمة معوناتٍ ومنحٍ وقروضٍ، بينما توجد 14 اتفاقيةً لم يبدأ سريانها حتى الآن وقيمتها 584 مليون دولار.

 
 
 

ورغم عدم توضيح جهاز المحاسبات من خلال رصده لمدى شفافية طرق الحصول على مبلغ 9.7 مليارات دولار في الاتفاقيات، إلا أنه يؤكد وبالأرقام حدوث تجاوزات بلغت قيمتها 2.119 مليار دولار أُهدرت فعلاً من حوالي 4.584 مليارات دولار تضمنتها 132 اتفاقيةً من إجمالي المساعدات، بالإضافة إلى 54.4 مليون دولار من خلال 3 اتفاقياتٍ مساهمة في مخاطر رأس المال، ويحدد جهاز المحاسبات الحكومي مدى استفادة مصر من هذه الأموال المدفوع ثمنها من السيادة المصرية بنسبٍ لم تتجاوز 57.3% من القروض و54.8% من المنح و48.7% من اتفاقيات مساهمة في مخاطر رأس المال، وهو ما يهدر على مصر أموالاً أجنبيةً بعد إبرام اتفاقياتٍ بشأنها تصل إلى 2.119 مليون دولار، علمًا بأن الجهات المانحة حصلت سياسيًّا على مقابل هذه المنح والقروض والمعونات؛ وهو ما دفع (إخوان أون لاين) إلى طرح سؤال: أين تذهب كل هذه الأموال؟ وما هي أولويات توجيهها في مصر؟ وما تأثير ذلك على المديونية الخارجية المصرية بصفةٍ خاصة وعلى التنمية والاقتصاد القومي بصفة عامة؟... وغير ذلك من الأسئلة التي يُجيب عليها خبراء الاقتصاد.

 

 

 د. أشرف دوابة

يُعلِّق الدكتور أشرف دوابة- أستاذ التمويل وإدارة الأعمال بجامعة الإسكندرية- على الأرقام السابقة قائلاً: أتحدَّى أي مسئولٍ في مصر أن يُفصح عن أوجه إنفاق أموال القروض والمنح الأجنبية، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حتى الآن في مصر بيانٌ واضحٌ يحدد أين تذهب أموال هذه القروض.

 

واستنكر د. دوابة اعتراف تقرير مركز معلومات البنوك الأمريكي بنجاح البنك الدولي في إقناع مصر بإغراقها في مستنقع القروض والمنح الأجنبية، رغم أن البنك ذاته رفض من قبل تمويل السد العالي؛ "لأن أمريكا كانت ترفض ذلك"، مؤكدًا أن سياسة البنك الدولي تجاه مصر حاليًا بهذه الصورة تؤكد أن مصر مستهدفة، وأن هناك أهدافًا خفيةً من وراء السياسة على رأسها فرض أجندة الخصخصة وتنفيذ سياسة مالية مخططة لتحويل مصر كلها إلى يد غيرها.

 

وأشار دوابة إلى أن الاحتلال البريطاني لمصر سبقه تنفيذ سياسة إغراق مصر في ديونها الخارجية، مشددًا على ضرورة تنفيذ سياسة الرئيس محمد حسني مبارك في الحدِّ من الاقتراض الخارجي إلا في أضيق الحدود.

 

وأضاف أن هناك تناقضًا عجيبًا في مصر؛ ففي نفس الوقت الذي تُشجِّع فيه على الاستثمار الأجنبي تعتمد بشكلٍ كبيرٍ ومباشرٍ على الاقتراض الخارجي، وطالب بضرورة إعادة الهيكلة الاقتصادية لمصر والاعتماد على مواردها وسواعدها وتقليل الواردات والعمل على زيادة الصادرات.

 

أعباء الواردات

 

 د. حمدي عبد العظيم

ويؤكد الدكتور حمدي عبدالعظيم- الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا- أن مصر فعلاً من أكبر الدول اقتراضًا؛ لأن لدينا عجزًا في الميزان التجاري نتيجة زيادة أعباء الواردات وضعف حصيلة الصادرات، ولتأمين الفرق بين الجانبين لا بد من الحصول على الديون الخارجية؛ وهذا يؤثر بشكلٍ كبيرٍ على الموازنة العامة للدولة وزيادة العبء على الميزان التجاري في صورة أقساط الديون وفوائدها.

 

وأكد عبد العظيم أن المشكلة في مصر هي أولويات توجيه أموال هذه القروض، مشيرًا إلى أن هناك أشياءً أكثر إلحاحًا لا بد أن تُوجَّه إليها هذه الأموال مثل الغذاء ومياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والتعليم والصحة، وغير ذلك، بدلاً من المطار الثالث والمترو الثالث وغير ذلك، رغم أن هذه الأشياء مطلوبة، ولكن ليس بنفس درجة الأولوية.

 

وأشار عبد العظيم إلى أن المديونية الخارجية بالنقد الأجنبي وسداد أقساطها وفوائدها السنوية يُشجِّع على السحب من احتياطي البنك المركزي؛ ممَّا يترتب عليه تقليل الاحتياطي اللازم للغذاء والأدوية، وهي أشياء لا يجب أن تُؤجَّل؛ لأنها متعلقة ببقاء الإنسان حيًّا.

 

وطالب عبد العظيم بضرورة الاهتمام بدراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية التي تبحث أساليب السداد وأثره على الميزان التجاري والموازنة العامة للدولة وغير ذلك قبل التفكير في اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

 

مكافآت وحوافز

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي حسن

ويضيف الدكتور حمدي حسن- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب- قائلاً: إن المنح والقروض الأجنبية‏ إمَّا أنها لا يتم استخدامها على الإطلاق بسبب تلال المعوقات الإدارية والبيروقراطية الوظيفية وبطء التنفيذ فتعود إلى أصحابها؛ نظرًا لعدم الالتزام بتنفيذ شروط المنحة، وإما أننا نستخدمها ولكن بعيدًا عن تحقيق التنمية الاقتصادية؛ إذ يتم صرفها على المكافآت والحوافز وأجور الاستشاريين والخبراء وميزانيات البحوث والدراسات ورواتب العاملين، وهنا تكون النتيجة عودة الأموال أيضًا إلى أصحابها والامتناع عن استكمال صرف بقية قيمة المنحة أو القرض؛ لأن الدفعة الأولى أُنفقت في غير أوجهها‏.

 

واستدلَّ حسن بما ذكره تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الخاص بمتابعة وتقويم اتفاقيات القروض والمنح المُوقَّعة مع حكومات الدول الأوروبية، الذي أكد أن هناك عددًا من الأسباب أدَّت إلى هروب ملايين الدولارات، ولم تستفد منها مصر، ولم تستغلها الجهات الإدارية، ولم تحاول أن تبذل جهودًا لتلافي هذه الأسباب مستقبلاً.

 

من تلك الأسباب عدم وفاء الحكومة ببعض الالتزامات‏ مع عدم توافر إدارة للمشروع‏، وكذلك عدم توافر الاعتمادات المالية لبعض المشروعات، وتأخُّر إدراج اعتماداتها، إضافةً إلى عدم كفاءة الدراسات لبعض المشروعات، وقلة الدراسات عن السوق، علاوةً على انفراد الدول المانحة باختيار الاستشاريين؛ وهو ما يؤدي إلى عدم استخدام المنح أو المطالبة بتحويلها إلى قروضٍ ميسرة.