استيقظَت غزة صبيحة الأربعاء 4/7/2007 على خبرٍ سارٍّ، تلقفته وسائل الإعلام العالمية والمحلية وطيَّرته لأرجاء الدنيا: "لقد تم الإفراج عن الصحفي البريطاني آلان جونستون في غزة بعد أن ظلَّ محبوسًا لدى خاطفيه قرابة أربعة أشهر".

 

ووقع الخبر وقْع الفرحة الغامرة على جونستون ومحرِّريه من كتائب القسام والقوة التنفيذية وحماس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، وعلى كل محبيه والمتضامنين معه، والحكومة البريطانية، والجهة الوحيدة التي عبَّرت عن امتعاضها هي فلول التيار الانقلابي في فتح؛ حيث وصف أحد مسئولي هذا التيار طريقة الإفراج عن جونستون بأنها "مسرحيةٌ هزليةٌ" لعبتْها حماس لتَظهر أمام العالم بأنها محرِّرةُ جونستون في الوقت الذي أبدى محمود عباس سعادتَه لتحرير آلان، وشكر الجميع، ما عدا الذين كانوا سببًا في تحريره، وهم بالنسبة له التيار الانقلابي في غزة الذي يرفض الحوار معه.. هكذا بدا المشهد في غزة وهكذا رآه العالم.

 

غير أن المتتبع للأحداث يرى أن مشهد تحرير آلان بعد 16/6/2007 متغيِّر تمامًا عنه لو كان قد حُرِّر قبل ذلك التاريخ، وهو اليوم الذي أحكمت حماس وكتائب القسام سيطرتَهما على الأمن في قطاع غزة، وبات الناس بعدها آمنين على حياتهم وممتلكاتهم، وانتهت ظاهرة الفلتان الأمني من القطاع، وهذه دلالة كبرى من مشهد التحرير للصحفي البريطاني، ويعقبها دلالات أخرى، أهمها:

1- لقد فشلت الأجهزة الأمنية التي كان يسيطر عليها التيار الانقلابي في غزة فشلاً ذريعًا في تحرير آلان، وأظهرت عجزَها الكامل، وربَّما تورَّطت في الاختطاف من قريب أو بعيد، وكانت هناك أنباء تردَّدت أن هذا التيار في الضفة يحرِّض الخاطفين لعدم الإفراج عنه حتى لا تظهر حماس بوجهها المشرق النظيف أمام العالم.

 

2- إظهار حماس وقد بسطت يدها الأمنية على كل قطاع غزة، ولم يعد هناك لا فلتان أمني ولا حوادث اختطاف، وبخاصةٍ للأجانب، ومعظم هذه الحوادث كانت من تدبير التيار الانقلابي في فتح حتى يُظهر الحكومة التي شكَّلتها حماس عاجزةً عن بسط الأمن تمهيدًا لإسقاطها، حسب خطة الجنرال الأمريكي دايتون.

 

3- قول جونستون بعد الإفراج عنه إن الخاطفين شعروا بالارتباك بعد سيطرة حماس على القطاع.. رسالةٌ قاطعةٌ لكل الفصائل والسكان في غزة على جدِّيَّة فرض النظام والقانون من قِبَل حماس.

 

4- رسالة قوية للعالم، وبخاصةٍ الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، أن حماس المتهمة بالإرهاب لديهم هي التي حرَّرت جونستون من أيدي مختطفيه، وأن سلاحها ومقاومتها وعملياتها لا توجَّه إلا للمحتل الغاصب للأرض.

 

5- وُجِّهت الأنظار لعدالة القضية الفلسطينية بعد أن أكَّد عليها جونستون بعد الإفراج عنه، وبخاصةٍ أن هذا الصحفي تضامن معه مئاتُ الألوف من الناس حول العالم، وشغلت قضيته الرأي العام العالمي.

 

6- الجدِّيَّة التي ستتعامل بها حماس مع كل الفصائل الإسلامية وبخاصةٍ العنيفة منها، في كونها لن تسمح بالعنف أن يسود في القطاع، أو أن يكون له أرضية تهدد القضية الفلسطينية.

 

7- إظهار حكومة الطوارئ التي شكَّلها عباس في الضفة عاجزةً لا تملك من أمر القطاع شيئًا غير التهديد بالرواتب ومنحها هنا ومنعها هناك، على الرغم من كونها أموال الشعب الفلسطيني وليست أموال عباس أو فياض، ووضوح الفصل الكامل بين غزة والضفة.

 

8- لم يكن الفلتان الأمني الذي تم القضاء عليه فقط في غزة، ولكنَّ الفساد المالي والسياسي؛ حيث تم الإفراج عن الصحفي من غير فدية مالية أو تنازلات سياسية.

 

ويبقى القول في نهاية المطاف بأن بسط الأمن وتوحيد الجبهة الداخلية وسيادة العدالة عوامل أساسية لصمود ومقاومة الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني ورصّ الصفوف حول قضية فلسطين العادلة ومحفّز للفت نظر العالم لها.