كثيرًا ما نتحدث عن معاصي العامَّة من الناس، وتُسلَّط الأضواء على الصغائر والكبائر التي يقترفها أهل الفسق والمجون والميوعة، مع أن كبائر العلماء قد تكون أشدَّ خطرًا على الأمة من كبائر أهل الفسق.

 

ولنقف سريعًا على أهم هذه الكبائر والتي يأتي في مقدمتها: التجريح، وكتم العلم، وحب الشهرة، والترخُّص والتشدد.

 

التجريح المتبادل

فتجريح العالِم لإخيه العالِم كبيرةٌ من الكبائر، فهذا التجريح الذي يتسرْبَل عادةً بسربال النُّصح وهو منه بعيد يؤدي إلى تجرُّؤ العامَّة على جناب العلماء، وإذا هان العالم هان المجتمع، وفي أغلب الأحيان نرى أن هذا التجريح يحدث بين الأقران في العِلْم الواحد، بسبب الغيرة أو الحسد أو لطلب الشهرة.

 

أما لغة التجريح فهي سيلٌ من المصطلحات والألفاظ التي تشكك في العقائد والأفكار والولاء والبراء عند العلماء، كالتفسيق والتبديع والتكفير والزندقة ومخالفة السنة، أو قول التجريحي: فلان مبتدع، علان ضالّ، هذا مترخِّص، وسين في عقيدته دخَن.. إلخ.. إلخ.

 

كتم الحق والعلم

كبيرة أخرى يقع فيها بعض العلماء، وهي لا تقل بشاعةً عن كبائر القتل والزنى والسرقة، إنها كبيرة كتم العلم والحق، فالعالِم إذا كتم علمًا أو أخفى حقًّا؛ بهدف أن ينافق الظالم أو خوفًا من بطش السلطان أو جلبًا لمنفعة شخصية لنفسه، فإنما يرتكب في حق نفسه وحق أمته ذنبًا عظيمًا مريعًا.

 

ومثال هذه الكبائر تجاهُل العلماء جرائمَ الحاكم المستبدّ والأنظمة الفاسدة، فتجد العالم يُغرق أحاديثه ودروسه بالنصوص التي تحرِّم الزنى أو إطلاق البصر أو حلق اللحية.. إلخ، ويتجاهل- إرضاءً للحاكم والوزير- جرائمَ تتم في حق المسلمين لا تقلُّ بشاعةً من الزنى والقتل، كتلك الجرائم التي ترتكبها الأنظمة الحاكمة في حقِّ الدين والشعب، كسجن الإسلاميين والدعاة إلى الله، وتلفيق التُّهَم لرموز الجمعيات والجماعات الإسلامية، ومحاربة الحجاب، وفصل المتدينين من العمل، أو التضييق عليهم في أقواتهم ومعايشهم.. ناهيك عن جرائم كبرى، كفصل الدين عن الدولة، والحكم بغير ما أنزل الله، والعمالة لأعداء الإسلام..

 

حب الشهرة

وقد يستخدم الفقيه أو العالِم لغةً معينةً في الحديث أو الكتابة، أو ينحو أسلوبًا شاذًّا في الفتاوى، من باب "خالِف تُعرَف"، ليرى مكانه بين الناس، ولتسلَّط عليه الأضواء والكاميرات، وليلهثَ وراءه الصحفيون والمذيعون، وهذه كبيرة قلبية، حذَّر منها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأخبر أن هذا الصنف هو، والعياذ بالله، من الذين تُسعَّر بهم النار أول ما تُسعَّر، باحث أو عالم تعلَّم العلم ليقال "عالم" وقارئ تعلم القرآن ليقال "قارئ"..

 

الترخص والتشدد

 الصورة غير متاحة

 محمد ياقوت

آفة العلماء هي الجنوح إلى التفريط أو الإفراط، أو الضياع  في أحد الطريقين: الجمود أو التحلل، بيْدَ أن المنهج النبوي السمْح هو منهج الاعتدال والوسطية، وهما الفكرة الأساسية للإسلام في كل أمور الدنيا والدين، وتوجيهات النبي واضحةٌ جليةٌ في ترسيخ الوسطية، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إيَّاكم والغلوَّ في الدِّين؛ فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين" (صحيح- رواه النسائي، برقم 3057  وصححه الحاكم (1/466)، ووافقه الذهبي، وهو في السلسلة الصحيحة رقم 1283).