أبو عميرة- مصر
السؤال: أرجو الإفادة في حكم صلاة قيام الليل جماعةً؟ وهل يجوز الاتفاق عليها مسبقا؟ مثلاً يوم الأحد سنُصلي ركعتين قيام جماعة؟.. أرجو الإفادة وجزاكم الله خيرًا.
المفتي: الدكتور عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالمنصورة جامعة الأزهر الشريف.
الإجابة: نظرًا لكثرة الأسئلة في هذا الأمر فإنني سأبسط فيه القول:
الأصل في النوافل أن يُصليها العبد منفردًا وأن يصليها أو يصلي أكثرها في البيت، وقد كان هذا أكثرَ فعل النبي- صلى الله عليه وسلم-، لكن لا مانع شرعًا عند جمهور العلماء أن يُصليها في جماعة، مثلما يحدث في قيام رمضان.
وقد أخرج الشيخان قصة مبيت ابن عباس- رضي الله عنهما- عند خالته ميمونة- رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف النبي- صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة، وقد كان ذلك تطوعًا، كما جاء صريحًا في رواية عند مسلم عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بِتُّ ذاتَ ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي متطوعًا من الليل، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى القِرْبة فتوضأ، فقام فصلى، فقمتُ لما رأيتُه صنع ذلك فتوضأتُ من القِرْبة، ثم قمتُ إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يُعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. قلت- القائل عطاء بن أبي رباح يسأل ابن عباس-: أفي التطوع كان ذلك؟. قال: نعم.
وسُئل الإمامُ مالك عن الرجل يؤمُّ الرجلَ في النافلة؟ فقال: ما أرَى بذلك بأسًا.
وقال مالك أيضًا: لا بأسَ أن يُصلِّي القومُ جماعةً النافلة في نهارٍ أو لَيْلٍ.
قال: وكذلك الرجلُ يَجمعُ الصلاةَ النافلة بأهل بيته وغيرهم لا بأسَ بذلك.
وخالف في ذلك أصحاب الرأي، فكَرِهُوا أن يُصلِّي الناس التطوع في جماعةٍ في غير رمضان، وصلاة الكسوف.
وحديث ابن عباس المذكور حُجَّةٌ عليهم، ففيه التصريح بأن صلاة ابن عباس خلف النبي- صلى الله عليه وسلم- كانت تطوعًا، وهناك أحاديث أخرى في ذلك، منها حديث الشيخَيْن عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن جَدَّته مُلَيْكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعامٍ صنعته له، فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلِّ لكم"، قال أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طُول ما لُبس، فنضحتُه بماءٍ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففتُ واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف.
ولا ريب أن ذلك كان في نافلة؛ إذ الفريضة كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يُصليها جماعةً في المسجد، ويدلُّ على أنه لم يكن يُصلِّي بهم المكتوبة ما رواه مسلم عن أنس قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، فقال: "قوموا فلأصلي بكم"، في غير وقت صلاة، فصلَّى بنا... الحديث.
والصحيح رأيُ جمهور العلماء، وقد فعله كثيرٌ من الصحابة- رضي الله عنهم-، منهم عمر وابن مسعود وابن الزبير وغيرهم: فقد أخرج مالك وعبد الرزاق عن عبد الله بن عتبة قال: دخلتُ على عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو يصلي في الهاجرة [وهي نصف النهار قبل الظهر أو بعده] تطوعاً [في رواية: فوجدته يُسبِّح (أي يصلي نافلةً)]، فأقامني حذوه عن يمينه، فلم يزل كذلك حتى دخل يَرْفَأ مولاه فتأخرتُ، فصففنا خلف عمر رضي الله عنه.
وأخرج محمد بن نصر المروزي في قيام رمضان عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: دخلتُ مع أبي المسجدَ، والناس صفوف في صلاة الصبح، فخنَس دونهم فأقامني عن يمينه، فصلَّى ركعتين، ثم لحق بالصف.
وأخرج كذلك عن هشام بن عروة قال: رأيتُ عبد الله بن الزبير- رضي الله عنهما- يؤمهم في المسجد الحرام بالنوافل، ووراءه شيوخ من أهل الفقه والصلاح، يرون أن ذلك حَسَن.
قال هشام: إن الإمام كان يؤمهم في المكتوبة، ثم يدخل الدار فيسبح [أي يَتَنَفَّل] ويسبحون بصلاته، وهو يؤمهم.
فإذا تَمَّ الاتفاق بين مجموعةٍ من الناس على إقامة صلاة التطوع ليلاً أو نهارًا وتنادوا إلى ذلك فلا بأسَ، على ألا يجعلوا صلاتهم في تلك الساعة من ذلك اليوم عملاً دائمًا راتبًا لئلا تشتبه على العوام فيظنون ذلك من السنن، وبخاصة إذا كان في هؤلاء المجتمعين مَن يُقْتَدَى به ويُرجَع في الفتوى إلى قوله وفعله، والله أعلم.