- اسم الكتاب: حرَّاس السلطة: أسطورة وسائل الإعلام الليبرالية
- المؤلف: دافيد إدواردز، دافيد كرومويل
- ترجمة: آمال الكيلاني
- الناشر: مكتب الشروق الدولية- القاهرة
- تاريخ النشر: الطبعة العربية الأولى- 2007م
- عدد الصفحات: 146 صفحة من القطع الكبير
عرض وتعليق: أحمد التلاوي
*****
الإعلام الغربي كاذب ومُدَّعي!!، هذه هي حصيلة الكتاب الذي وضعه اثنان من كبار الصحفيين وأساتذة الإعلام في الغرب، وهما دافيد إدواردز ودافيد كرومويل، والأول هو مؤلف كتاب "كشف كل الأوهام" الذي أحدث ضجةً كبيرةً في المجتمع الإعلامي الغربي والأوساط السياسية هناك في منتصف التسعينيات الماضية لما كشفه من حقائق حول حقائق السياسة الأمريكية والبريطانية ودور الإعلام في التضليل على مختلف التجاوزات فيها، والثاني باحث في مركز جغرافية المحيط القومي البريطاني، وله أكثر من عمل في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية، من بينها كتاب "الكوكب الخاص".
وأهمية الكتاب الذي بين أيدينا الآن تنبع من أنَّه لا يكشف فحسب عن حقيقة السياسات التي تُدار بها الآلة الإعلامية الغربية بعيدًا عن شعاراتِ الحيادية والنزاهة التي ترفعها، بما في ذلك مؤسساتٍ "عريقة" مثل هيئة الإذاعة البريطانية؛ بل إنَّ أهمية هذا الكتاب الرئيسية تنبع من كونه شهادةً من مجموعة من الباحثين والصحفيين الغربيين الموثوق فيهم حول السياسة التي تتبناها القيادة الأمريكية- البريطانية للعالم الغربي إزاء العالم العربي والإسلامي.
فالكتاب يكشف عن أدلةٍ ومواقف جديدة تفضح زيف مزاعم الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية حول الأهداف الحقيقية من وراء غزو أفغانستان والعراق بعيدًا عن المزاعم الكاذبة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وتابعه الوفي المخلص توني بلير الذي على وشك أنْ يغادر مكانه في 10 داونينج ستريت في لندن كرئيسٍ للحكومةِ البريطانية.
وفي إطار رصد الكتاب لطبيعة التحالف القائم في الغرب بين السياسة والإعلام فإنَّ العديدَ من القضايا المهمة حاول الكاتبان وضعها أمام القارئ الغربي، بينما القارئ العربي أحوج ما يكون إلى الاطلاع عليها لمعرفة جانب- وليس كل- من حقيقة ما يُحاك حوله من مؤامراتٍ على حاضره ومستقبله، وبالتالي على حاضرِ ومستقبل الأمة بأكملها بما فيها ثرواتها ومقدراتها وحضارتها.
تاريخ من الكذب
لا يناقش الكتاب أكاذيب الإعلام الغربي وتحالف الإعلام والسلطة في بلدانٍ تزعم الديمقراطية في ملفاتٍ قريبة مثل العراق وأفغانستان فحسب؛ بل يستعرض العديدَ من المواقف والقضايا الدولية التي لعب الإعلام الغربي دورًا مهمًّا في الترويج لأكاذيب الكتلة الغربية في صددها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة بين الكتلتَيْن؛ الشرقية والغربية.
فالمؤلفان يؤكدان أنَّ ما روجته أدوات القوة الناعمة الغربية في عقود الخمسينيات وحتى التسعينيات الماضية ضد الاتحاد السوفيتي السابق و"تهديده النووي" للغرب كان عبارة عن أكاذيب تمادت القوى الغربية مدعومة بآلتها الإعلامية الجبارة في الترويج لها بحيث صارت من حقائق الحياة!!
ولم يقتصر ذلك التضليل على مجرد الصراع السياسي الدولي الذي دار في تلك العقود بل امتد إلى التضليل على جرائم سياسية وإنسانية حقيقية ما بين الانقلاب على حلفاء سابقين كانوا "من أبرز الأصدقاء" ثم صاروا "شياطين العالم الجديد" مثل مانويل نورييجا في بنما، وصولاً إلى ما ارتكبته المخابرات الأمريكية من جرائم اغتيال وقتل وانقلابات في مناطق العالم الثالث ضمن الصراع القذر مع الكتلة الشرقية بزعامة السوفييت كما جرى في الكونغو ونيكاراجوا ضمن شعار "الحرب الطبية" الذي اصطكه الغرب!!
وفي هذا يؤكد الكتاب أنَّ تاريخ الأكاذيب الإعلامية والدعائية الغربية في تلك الفترة كان يروج لحربٍ باردةٍ ضد الكتلة الشرقية، بينما هو يعمل على خنق وقتل كل ما ليس غربي أبيض أنجلو ساكسوني، وبخاصة السود والملونين في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ونهب ثروات بلادهم.
جرائم العصر الحديث!!
وبعد انتهاء الحرب الباردة استمرت الآلة الإعلامية الغربية مدفوعة بمصالح فئاتٍ محدودة من مجتمع السياسة والإعمال في ممارسةٍ دورها الممقوت هذا؛ حيث كان نموذج "الأخ الأكبر" الحاضر في الأدب الغربي هو المحرك الخفي لوسائل الإعلام الغربية.
و"الأخ الأكبر" هذا إمَّا أنْ يكون رأس المال الذي يملك وسيلة الإعلام هذه أو تلك، أو المجمع الصناعي- العسكري الأمريكي الذي يختنق تمامًا دون حربٍ كبيرة على الأقل كل بضعةِ أعوام، وصولاً إلى أجهزة المخابرات الغربية.
وتعتبر الحالة العراقية واحدةً من أهم جرائم الإعلام الغربي في عصر ما بعد الحرب الباردة؛ حيث "برَّر" الإعلام الغربي في حالاتٍ وتعامى في حالاتٍ أخرى عن جرائم الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق منذ أنْ فُرضت العقوبات الدولية عليه في العام 1990م، وحتى ما بعد الغزو الهمجي البربري الأنجلو أمريكي له في العام 2003م.
![]() |
|
الجوع يقتل أطفال العراق |
فالإعلام الغربي لم يتطرق بأي شكلٍ من الأشكال لكارثة أطفال العراق بفعل العقوبات الظالمة التي استمرت على العراق لمدة زادت على الأعوام الـ12؛ حيث سقط نصف مليون عراقي ضحية العقوبات، بينما رأت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة وقت أنْ كانت في السلطة أنَّ الأمر يستحق!!
ثمَّ وقبيل الغزو عمدَ الإعلام الغربي إلى تأكيد الأكاذيب التي روجها تحالف بوش- بلير حول العراق ونظام رئيسه الراحل صدام حسين، خاصةً ما يتعلق بأكاذيب المعارضة العراقية في الخارج والتي دعمتها المخابرات المركزية الأمريكية بشأن مزاعم امتلاك العراق لأسلحةِ دمارٍ شاملٍ، وبوجودِ علاقةٍ بين نظام صدام- البعثي القومي- وتنظيم القاعدة!!
وبعد الحرب لاحظ مؤلفا الكتاب أنه لم تتم تغطية الجرائم الأمريكية والبريطانية خلال الغزو وبعد توقف العمليات القتالية الرئيسية في العراق؛ حيث لم يرد أحد على ذكر جرائم العامرية والفلوجة وحصار بعقوبة وغيرها من المدن العراقية، كما تجاهل الإعلام الغربي تمامًا بشهادة العديد من الشخصيات الأمينة التي تابعت الوضع على الأرض استخدام القوات الأمريكية لأسلحة محرمة دوليًّا ضد العراقيين على المعابر وداخل المُدن مثل قذائف اليورانيوم المنضب وقنابل النابالم.
وبطبيعة الحال يقول الكتاب إنَّ التهليل الإعلامي في الغرب كان في المقابل للمشروع الديمقراطي المزعوم الذي حملته الدبابات والمدافع والقاذفات الأمريكية والبريطانية إلى العراق، بينما في حقيقة الأمر أنَّها لم تحمل معها سوى الموت والمقابر الجماعية.
![]() |
|
هانز بليكس |
وقد استخدم الكتاب تعبير "الدفن" للتعبير في هذا المُقام عن الطريقة التي تعامل بها تحالُف الإعلام والسلطة في الغرب مع ملف المفتشين الدوليين في العراق ونتائج أعمالهم في هذا البلد طيلة عقدٍ كاملٍ من الزمن؛ حيث تمَّ "دفن" ما قالته التقارير من أنَّ العراقَ خالٍ من أسلحة الدمار الشامل أو برامجها، بينما تمَّ إبراز ما زُعِمَ أنَّه "معوِّقات" وضعها نظام صدام حسين أمام أنشطة المفتشين.
وفي إطار عرض هذه الحقائق المخيفة فإنَّ الكتاب يعرض مجموعةً من نماذج التضليل والتعمية تلك من خلال ما ورد في بعض وسائل الإعلام البريطانية مثل الـ(جارديان) والـ(أوبزرفر) والـ(بي. بي. سي)، ويضع أسماء بعض المحررين النجوم ممَّن أتقنوا لعبتهم هذه، بالرغم من محاولات البعض الرد على هذه الانتقادات كما حاول محرر الأخبار المسائية في هيئة الإذاعة البريطانية "بيتر بارون" ضمن الانتقادات المتزايدة حول التجاهُل الإعلامي الكبير للجرائم المبرمجة التي تتم في العراق.
أعور وسط عميان!!
الحالة على الجانب الآخر في أفغانستان كانت أكثر بساطةً؛ فالإعلام الغربي هناك كان عبارة عن أعور في بلدٍ مليءٍ بالعميان، فلا الأمريكيين كانوا يعرفون ماذا سيفعلون ولا الإعلام استطاع النفاذ إلى هذا المجتمع المغلق الصعب في طبيعته البشرية والجغرافية.
وعلى ضعف المعلومات المتاحة أمام الأمريكيين عن أفغانستان في مرحلةِ ما بعد طالبان، وعدم وجود مقومات الحرب الحديثة في أفغانستان من منشآتٍ يمكن ضربها أو معسكرات يمكن الهجوم عليها؛ صار القتل هو الخيار الوحيد أمام الآلة العسكرية الرهيبة للولايات المتحدة- قوات المخابرات المركزية الخاصة والبنتاجون- ولحلف شمال الأطلنطي للعمل في أفغانستان، وهو بطبيعة الحال ما كان بعيدًا عن عيون الآلة الإعلامية الغربية بمختلفِ مكوناتها.
وباتت الأكاذيب التي تفرضها السلطات السياسية هي الأصل في العمل الدعائي والإعلامي حول تحرير أفغانستان وخلافه؛ فمثلاً سيطر على الإعلام الغربي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م وتأثير الدعاية السياسية الأمريكية على العالم مبادئ غريبة سادت المفاهيم الإعلامية بشأن الحرب على أفغانستان مثل:
1- حررت القوات العسكرية الغربية أفغانستان من الخوف وعدم اليقين والفوضى إلا أن بعض المتطفلين الأفغان يقومون حاليًا بتدمير أعمالنا الجيدة.
2- تتصرف الولايات المتحدة وبريطانيا تصرفاتٍ طيبةً لطيفةً، والهجوم العسكري شيء إنساني لطيف!!
والآن فإنَّ الإعلام العربي بعد وضوح هذه الصورة واجبٌ عليه القيام بأي جهدٍ للتصدي بأي شكلٍ من الأشكال لما يجري في معركة القلوب والعقولِ هذه.

