قَل أن نجد أمةً ارتبطت حياتها بنهرها ارتباطًا وثيقًا مثلما ارتبطت مصر بالنيل، فهو لها بمثابة الروح من الجسد، ولكونه مصدر خصبها ونمائها والرخاء فيها، لهذا كانت أهمية النيل بالنسبة لمصر منذ القدم، وما زال النيل يترك عميق الأثر في أوضاع مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية باعتباره العامل الأساسي الموجه لمراكز الحضر والعمران بها؛ لذلك فلا غرابةَ أن يصبح محط اهتمام المصريين منذ القدم وحتى يومنا هذا، فاهتمَّ به الحكام على مدار التاريخ، واعتنوا بجريانه وضبطه بما ييسر لهم الحياة الآمنة المستقرة، ويتجلى ذلك في حرصهم على إنشاء السدود والجسور والمقاييس.

 

تاريخ المقاييس في مصر

تاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية التي أذهلت العالم والعلماء بفكرها وعلمها، فهي حضارة متصلة الحلقات تفاعل معها الإنسان المصري وتركت في عقله ووجدانه بصماتها، وكانت مصر أول دولة في العالم القديم عرفت المقاييس لقياس كمية المياه التي تأتي في فترة الفيضان، وليراقبوا مقدار ارتفاع النيل لما في ذلك من علاقةٍ وثيقةٍ بري الأرض وتحصيل الضرائب، واتخذت مقاييس النيل عند الفراعنة أشكالاً مختلفةً فكان في شكله البدائي عبارة عن صخرة في مكانٍ مناسبٍ في النيل، ومنها أيضًا ما كان على شكل سلم خشبي أو سلمين متقاربين، وبعد ذلك وضعوا عمودًا في النهر محفورًا عليه عدد من الحزوز الأفقية المتدرجة من أسفل إلى أعلى لقراءة ارتفاع المياه ومنسوبها.

 

وتعددت من ثَّم المقاييس التي أُقيمت على طول مجرى النهر، ومنها مقياس بأنصنا وآخر بمنف ومقياس بقصر الشمع وغيرها من المقاييس، وقد عُرف الموظف المسئول عن المقياس باسم "صاحب المقياس"، وكان يقيس الزيادة بالمقياس كل يوم عصرًا، كما كان يقارن مستوى الزيادة في الماء كل يوم بما قبله من ذلك اليوم في العام المنصرم؛ حيث تدون هنالك في سجل يرفع إلى أولى الأمر.

 الصورة غير متاحة

 منظر للمقياس من النيل

 

وعند الفتح الإسلامي لمصر كان بها مقياس في منف وهو من أقدم المقاييس المصرية، ونسبه ابن عبد الحكم إلي يوسف عليه السلام، كما ذكر أن دلوكة العجوز أنشأت مقياسين أحدهما في أنصنا والآخر في أخميم، كما بنى الرومان مقياسًا عند حصن بابليون.

 

وعرف العرب ما لهذه المقاييس من أهمية فظلوا يستعملونها واعتنوا بها إلى أن أنشأوا مقاييس أخرى، بل إنهم ظلوا يستعملون مقياس منف إلى جانب المقاييس التي أُنشئت بعد الفتح الإسلامي حتى أواخر القرن الثاني الهجري على الأقل.

 

أما عن مقاييس النيل في مصر الإسلامية فَيُذكر أن عمرو بن العاص ابتنى مقياسًا بأسوان وآخر بدندرة وثالث بحلوان، وبنى معاوية مقياسًا بأنصنا، ومن المحتمل أن عمرًا ومعاويةً أعادا إصلاح المقاييس القديمة في هذه الجهات، ومما لا شك فيه أن أول مقياس أُنشئ في مصر الإسلامية بإجماع الكُتَّاب العرب هو المقياس الذي أنشأه عبد العزيز بن مروان بحلوان عندما اتخذ منها مقرًّا له أثناء ولايته على مصر، وكان مقياسًا صغيرًا، ثم أنشأ أسامة بن زيد التنوخي عامل الخراج مقياسًا في جزيرة الروضة، وفي سنة 247هـ/861م أمر الخليفة المتوكل على الله العباسي واليه على مصر يزيد بن عبد الله التركي ببناء مقياس في الطرف الجنوبي من الجزيرة، وهو المقياس الذي ما زال قائمًا حتى الآن، وفي عهد الدولة الإخشيدية أمر الإخشيد أبو بكر محمد بن عبد الله الخازن سنة 968م ببناء مقياس فبناه بين جامع عمرو والحصن الروماني تقريبًا، وتوقَّف العمل بهذه المقاييس وتم الاعتماد على مقياس النيل بالروضة.

 

مقياس النيل بالروضة

1- الموقع وتاريخ الإنشاء:

يقع هذا ا