إعداد: طارق عبد الرحمن

توقفنا في الحلقة السابقة عند خطاب الإمام البنا لزعماء الوادي وساسته، طالبهم فيه أن يتناسوا كل خصومةٍ شخصية، وكل عاطفة حزبية، وأن يتذكروا وادي النيل ومجد العروبة وعزة الإسلام.

 

بعد ذك وجَّه النقراشي باشا خطابًا للملك، فماذا قال فيه؟ وما تعقيب الإمام البنا؟ هذا ما سنعرفه في هذه الحلقة.

 

حول خطاب دولة النقراشي باشا(1)

الغاية، والوسيلة، والعدة، والسياج، هي الأمور التي عرض لها خطاب رئيس الحكومة المفصل إلى جلالة الملك المعظم، فأوضح أن الغاية "هي العمل على جلاء الجنود الأجنبية عن أرض الوطن العزيز، وتحقيق مشيئة أهل وادي النيل في وحدة مصر والسودان".

 

وهذا الكلام على عمومه قد يكون كافيًا لو كنا نتعامل مع قومٍ لا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا ينفذون إليه من أضيق الثغرات فيه، ولن ترضى الأمة بهذا التعبير أو تشارك الحكومة في القناعة به حتى يكون مفهومًا ومعلومًا أن المراد بالوطن هنا مصر والسودان معًا، وأن الجلاء المقصود هو جلاء الجنود الأجنبية عن أرضهما جميعًا، وحتى يكون مفهومًا ومعلومًا كذلك أنَّ المراد بوحدة مصر والسودان الوحدة الحقيقية التي توجبها "هذه اللحمة الطبيعية التي ربطت شقي الوادي من صلات اللغة والقربى والمصلحة من قديم التاريخ وحديثه"، كما أوضح الخطاب أن السبيل إلى هذه الغاية ليس مقصورًا على المفاوضات وحدها، وأن الحكومة "لن تدع سبيلاً يصل بالوطن إلى غايته العادلة إلا سلكته"، وهذا الكلام على عمومه كذلك قد يكون مقبولاً من الأمة ومقبولاً لديها لو كنا في أول الطريق، أما ونحن قد وصلنا إلى النهاية الخطيرة المريرة، وبلونا من خداع الإنجليز ومكرهم بنا، وتضييعهم الفرص علينا ما جعلنا نؤمن إيمانًا لا شك فيه بأن المفاوضات لم تعد بحال من السبل التي تصل بالوطن إلى غايته، فإن الأمة لن تقبل من الحكومة هذا التعبير، ولن تقف معها عنده، بل هي تطالبها بإلحاح أن تعلن فشل المفاوضات وانقطاعها، وتأخذ فعلاً في السبل العملية الكثيرة، وهي تستطيع أن تفعل الكثير لو أرادت كما أوضحنا ذلك بالأمس.

 

وقرر هذا الخطاب أن الحكومة "لها في إيمان الأمة بحقها وثباتها ويقظتها وصبرها ومثابرتها وتقديرها الكامل لمسئوليتها خير عونٍ ومددٍ في إدراك هذه الأهداف السامية الحقة".. فهل الحكومة جادة حقًّا في هذا التعبير، أم هي بلاغة العبارة وخلابة اللفظ ونسيان المعاني وإهمال ما تؤدي إليه هذه الكلمات عمليًّا؟ وإذا كانت الحكومة جادة في اعتمادها على الأمة واعتدادها بإيمانها ويقظتها وصبرها... إلخ، فلم تخف إذن أن تلقى خصمها في ميدان الجهاد العملي، معها هذه الأمة المؤمنة الصابرة اليقظة المثابرة التي تُقدِّر المسئوليات وتحمل التبعات، وبخاصة وقد أعلنت الأمة في وضوح وجلاء أنها على أتم استعداد لتحمل كل شيء في سبيل الوصول إلى أهدافها السابقة الحقة.

 

وهل يليق بحكومةٍ تؤمن بشعبها هذا الإيمان أن تكبت حرياته وتحارب خيرة جماعاته وهيئاته، وتغلق مدارسه ومعاهده وتسجن أحراره ومفكريه، وتلاحقه بالتضييق والإرهاق والإعنات كل أجزاء فيه؟ ثم تقول بعد ذلك: إنها عليه تعتمد ومنه تستمد..!

 

ما أشد شوقنا وترقبنا لتلك اللحظة المباركة التي تُدرك فيها الحكومات هذه الحقيقة فلا تتخذ من غير الشعب سنادًا ولا ترى لها في غيره عمادًا.

 

ويتضمن الخطاب قرب نهايته تحفظًا قويًّا رائعًا جميلاً هو أن "مصر ستظل حريصةً على أن تكون التزاماتها الدولية في الحدود التي رسمها ميثاق الأمم المتحدة بنصه وروحه" فنتذكر نحن حين نسمع هذا القول المثل العربي القائل: كلام كالعسل وفعل كالأسل(2) بل نذكر قول الله العلي الكبير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ(3)﴾ (الصف) ونُسائل الحكومة في إخلاصٍ لا نريد به إحراجًا ولا عنتًا: هل يتفق التحالف العسكري بقيوده الثقيلة وشروطه البغيضة مع هذا الميثاق في نصه وروحه؟ أم أنه في حقيقة أمره طعنة تصوب إلى هذا الميثاق، وتكشف عن عبث هذه الدول الكبيرة الطامعة بالنصوص والشعوب والحكومات الصغيرة على السواء، وما الذي يدفعنا إلى معاهدة جديدة أو تحالف جديد ما دمنا نحن وبريطانيا قد أمضينا ميثاق الأمم المتحدة؟

 

وتأتي بعد هذا كله ثالثة الأثافي(3)، والثغرة الواسعة، بل الهوة العميقة التي تتردى فيها الحقوق والآمال، وهي تصريح الحكومة بأن "عهدها في هذا الأمر التوجه بالسودان إلى الرقي في شتى نواحي الحياة ليدرك مرتبة الحكم الذاتي في ظل الوحدة مع مصر"، أي كلامٍ هذا الذي تُسجِّله الحكومةُ في أول وثيقةٍ رسميةٍ تخطها وتناقض بها نفسها، وتخرج به عن مشيئة شعب الوادي وإرادته، وتسلب به باليسار ما قدمته باليمين.

 

إن الحقيقة التي يؤمن بها شعب وادي النيل، ونريد أن تؤمن بها حكومته، وأن تقنع بها مَن لم يفقهها بعد من المواطنين أو الأجانب على السواء، أن مصر والسودان وطنٌ واحدٌ لا وطنان وشعب واحد لا شعبان، وأن السودان قد وصل فعلاً بحكم أنه مكملٌ لمصر إلى مرتبة الاستقلال الكامل التام، وأننا في السودان لسنا مستعمرين يعملون لخير مَن استعمروهم من الشعوب والأمم، ولكنا مواطنون نتساوى في الحقوق والواجبات، وإن مصر بهذا الاعتبار عليها أن تتوجه بالسودان إلى الرقي في شتى نواحي الحياة؛ لأن هذا واجبها لكل جزءٍ من أرض الوطن العزيز، ولا ينتقص استقلال السودان إلا هذا الاحتلال البغيض فيه وهذه الشركة الظالمة الجائرة التي فُرِضَت على مصر ظلمًا وعدوانًا.

 

لقد أحكمت السياسة الإنجليزية هذا المزلق، وجرَّت إليه الساسة المصريين، فانجروا معها إليه، وإنَّ من الخير كل الخير أن تعود الأمور إلى نصابها، وأن ترجع الرءوس الخاطئة إلى صوابها.

 

وبعد: فليس الأمر في حاجةٍ إلى هذا العناد أو الالتواء، وكان يغني الحكومة ويرضي الأمة أن تقرر الغاية في وضوح، وهي الجلاء التام الناجز عن أرض الوادي كلها والمحافظة التامة على وحدته حقيقةً وعملاً، وأن تذكر الوسيلة وليست إلا الكفاح والعمل، وأن تتخذ العدة وليست إلا الأمة، وأن تسد(4) على الخصوم كل المنافذ والثغرات ولئن فات الحكومة أن تستوعب ذلك بالقول فلعلها تستوعبه بالعمل ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).

 

مسألة وقت(5)

حدد شعب وادي النيل مطالبه واضحةً سافرةً صريحةً عادلة، وأعلن أنها الجلاء التام الناجز بلا قيدٍ ولا شرط؛ حتى يتم بذلك له معنى الاستقلال الكامل، ويتذوق طعم الحرية الصحيحة والوحدة الحقيقية التي تجعل من الوادي وطنًا واحدًا لشعبٍ واحدٍ ألفت بين بنيه كل العوامل الطبيعية والاجتماعية والتاريخية ثم المصلحة المادية بعد ذلك فلا غنى لمصر عن السودان ولا غنى للسودان عن مصر، وإذا كان بعض أبناء هذا الوادي قد انخدع بالدعايات الأجنبية والمغريات الإنجليزية، فألقى بنفسه في أحضان الإمبراطورية يطالب بالانفصال والاستقلال اليوم ليكون السودان فريسةً لبريطانيا في الغد، فمن حسن الحظ أن هؤلاء أقلية لا يُقام لها وزن، وأن الشعب السوداني في الجنوب يدرك تمامًا العوامل الخفية والدوافع الشخصية التي تدفعهم إلى مثل هذا القول.

 

وإذا كان البعض الآخر يتمسك بالحكومة الديمقراطية والاستقلال الذاتي وما إلى ذلك من التحفظات مع تسليمه بالوحدة وإيمانه بضرورتها إيمانًا لا يرقى إليه الشك، فإن الحوادث وضرورة الكفاح اليوم والإصلاح غدًا ستقنعه تمام الاقتناع بأنه لا مناصَ من الاندماج الكامل والوحدة التامة، وهي على كل حال قضية بين شقيقين لا يريدان دخيلاً بينهما، ولا يستطيع أحد في الدنيا أن ينكر أن الانفصاليين والمتحفظين ودعاة الاندماج والمصريين قد اتفقت كلمتهم جميعًا على المطالبة بجلاء الإنجليز عن السودان، فإذا كان الإنجليز صادقين في دعواهم العمل على رفاهية السودانيين، وتحقيق مطالبهم فليحققوا إذن هذا المطلب المجمع عليه، وليدعونا مع إخوتنا نتفاهم، وسنصل إلى ما يرضي الفريقين، ويؤدي إلى خير الشطرين ويريح أهل الشمال وأهل الجنوب على السواء، أما التعلل بالتزامات بريطانيا نحو السودان وواجبها الدولي نحو أهله...إلخ، فحجج واهية وتستر بغير الحق، وإذا كان هناك التزام يحاسب عليه ملتزمه فهو التزام مصر للسودان أن تخلطه بنفسها وأن ترقى به كما ترقى بأي جزءٍ من أرضها، وأن تعمم فيه معالم الإصلاح، ومصر على أتم الاستعداد للنهوض بهذا الواجب، ولا يحول بينها وبين أدائه إلا استئثار بريطانيا دونها بالتحكم في مقدراته تحكمًا لم ينتج بعد خمسين سنة تقدمًا في أية ناحية من نواحي الحياة.

 

ولقد جاء هذا التحديد نتيجةً لهذا الوعي القومي البالغ واليقظة الوطنية الكاملة التي تأججت شعلتها في صدر أبناء الوادي منذ وضعت الحرب أوزراها، بل منذ نشبت هذه الحرب وقدَّم لها هذا الشعب دمه وأقواته ومرافقه جميعًا رجاء أن يصدق المنادون بمبادئ الحرية والعدالة، والواضعون للمواثيق والعهود والمقسمون بأغلظ الأيمان أن يحققوا للشعوب المهضومة حرياتها، ويقفوا إلى جانبها حتى تصل إلى حقها.

 

كما جاء هذا التحديد نتيجةً حتميةً لهذا التطور العالمي في تفكير البشر ومشاعر الناس بحيث صار الاستعمار بكل أنواعه وصوره وأشكاله معنى من معاني الرجعية التي يجب أن تحارب بكل سلاح حتى يزول من الوجود، وحتى يبطل هذا الرق السياسي الاجتماعي، ويقضي على استعباد الشعوب للشعوب فلم تكن المطالب القومية نتيجةً لدعاية حزبية أو لعاطفة وقتية.

 

ومن هنا كان من الخير كل الخير أن يعلم البريطانيون أن قضية هذا شأنها لا يمكن أن ينساها أهلها بالزمن، أو تنفع في شغلهم عنها وصرفهم عن الجهاد في سبيلها مناورات المفاوضات أو مداورات النصوص والمعاهدات أو الوقوف عند الصيغ والتفسيرات، فلن يزيد الزمن أهل الحق الواعين إلا تمسكًا بحقهم وجهادًا في سبيله ورغبة في الوصول إليه كاملاً غير منقوص، ومن الخير للحكومات المصرية أن تدرك هذه الحقيقة وهي لا شك تدركها، وهل هي إلا من أبناء هذا الشعب ومن واجبها أن تحس بإحساسه وتشعر بشعوره؟!

 

ولكنا لا نريد أن تقف عند حد الإدراك أو الشعور بل إن عليها أن تصارح البريطانيين رسميًّا بهذه الحقيقة، وأن يقوي إيمانها بها إيمانًا يحول دون كل مظهر من مظاهر الضعف أو الوهن.
وإذن فالمسألة مسألة وقت فقط أما النتيجة فلن تكون إلا الوصول إلى هذه الحقوق كاملةً، وخير لإنجلترا أن تُدرك هذه الحقيقة فتعجل بالجلاء عن أرض الوادي وتعترف بوحدته وتكتسب بذلك عن إخلاص جميل معاونته وكريم صداقته وخير البر عاجله.

 

أما إذا تغلبت رُوح الرجعية الاستعمارية فستخسر بريطانيا صداقة هذا الشعب ومعه الشعوب العربية والإسلامية إلى الأبد، وسيظل أبناؤه يجاهدون بكل وسيلة حتى يصلوا إلى الغاية، فإما النصر وإما القبر، والله غالبٌ على أمره.

 

خلال أسبوعين(6)

تقول المصادر المتصلة بدولة رئيس الحكومة أنه قد عزم على استئناف المفاوضات مع الحكومة البريطانية على أساس تفسيرات دولة صدقي باشا، وأنه سينتظر أسبوعين فقط بعد عودة مستر بيفن من أمريكا فإذا سلمت الحكومة البريطانية بوجهة نظر الحكومة المصرية فبها وإلا رفعت القضية إلى مجلس الأمن.

 

ولا ندري ما الذي يحدو بالحكومة المصرية إلى هذا الانتظار، وهي تعلم تمام العلم أن الفريق الأكبر من شعب وادي النيل قد أعلن في صراحة ووضوح معارضته في مشروع المعاهدة حتى بعد هذه التفسيرات، وهي تعلم كذلك أن الإنجليز يتذرعون بشتى الوسائل ليكسب الوقت والمماطلة، وأن الزمن في جانبهم وأن الظروف الدولية تمر فلا تعوض، وحسبنا ما أضعنا على أنفسنا من وقت وما فاتنا من فرص، ولسنا في حقنا ضعفاء بحمد الله وهو واضح كفلق الصبح لا يكابر فيه إلا كل معتد أثيم.

 

لا ينفع الحكومة المصرية ولا يجدي في الحصول على الحق المهضوم مع هذه المناورات إلا موقف الحزم الكامل، ولقد كان علينا أن نأخذ به الأمر من أول يوم منذ أعلنت الهدنة في يونيو سنة 1945م.

 

كان علينا منذ هذا التاريخ أن نطلب إلى الحكومة وإلى غيرها من الحكومات الأجنبية سحب قواتها، والجلاء عن أرض الوطن ومائه وهوائه ثم نعلنها ببطلان معاهدة 1936م، فإذا نازعت في هذا ولم ترض به رفعنا أمره إلى محكمة العدل الدولية، وفي أيدينا الحجج القانونية والمستندات التي تؤيد حقنا وتؤكد ما ذهبنا إليه، ونلجأ في الوقت نفسه إلى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن إذا شعرنا بمعنى المراوغة والتهرب من الجلاء، ونتفاهم بعد ذلك في أمر الشطر الجنوبي من أرض الوطن (السودان)، فإما اتفاق وإما تحاكم كذلك، ولنا في النهاية النصر والفوز لأننا لا نطالب إلا بالحق، وهو دامغ، ولا نسير إلا في طريقٍ وهو واضح.

 

كان علينا منذ يونيو سنة 1945م أن نختط هذه الخطة وأن نسلك هذه السبيل ولكنا سلكنا سبيل المفاوضات، وأضعنا هذا الوقت الطويل في المذكرات والخطابات والمشروعات والتيسيرات والقطع والوصل والتشاؤم والتفاؤل حتى انتهينا بعد كلِّ هذه المحاولات إلى نقطة الابتداء.

 

هذا الدرس كاف لنتعظ به ونعتبر ولا أظن أننا في أسبوعين سنصل إلى ما عجزنا عن الوصول إليه في قرابة عشرين شهرًا، ومن واجب الحكومة الآن أن تختصر الطريق تتخلص من هذه المفاوضات، وتخرج من هذه الدائرة المفرغة التي لا يدرى أين طرفاها، وتطرق باب التحاكم الدولي، وتهيئ الأمة(7) لأسباب الكفاح والجهاد.

 

ولا يضيرنا أبدًا عدم تكافؤ القوى المادية والأدبية بيننا وبين خصومنا ففي كفتنا الحق، وفي ميزانهم الباطل وفي يدنا العدل ومعهم الجور والعدوان والله مولانا ولا مولى لهم، و﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).

 

بيان وقرار(8)

انتظر الناس بفارغ الصبر ببيان رئيس الحكومة المصرية، وترقبوا فيه جديدًا يريح النفوس القلقة، ويطمئن الخواطر المضطربة، ويجلو غوامض الأمور، ويرسم الطريق العملي، ويشير إلى الخطوات التي ستسلكها الحكومة؛ لتحقيق الأهداف القومية بعد أن أعلنت في خطاب تأليفها أنها ستسلك إلى ذلك كل طريق موصلة.

 

ولكن البيان جاء على غير ما كان ينتظر المترقبون، فاكتفى بالإشارة إلى حقوق الوطن في إجمال لم يزد على أنها "تلك المطالب التي نقشت على قلب كل مصري، وهي الجلاء، ووحدة وادي النيل طبقًا لمشيئة أهل الوادي ورغبتهم وهي رغبة طبيعية.. مع بذل الجهد في السير بالسودان إلى الحكم الذاتي، وتهيئة أهله لتولي شئونه"، ونحن لا نكره لإخوتنا في السودان أن يتولوا شئون هذا الشطر من الوطن فهم أحق بهذا التولى وأهله، على ألا يكون وسيلةً لا الانفصال الذي ليس في صالحنا ولا في صالحهم بحالٍ.

 

وكم كان الناس في الجنوب وفي الشمال مشوقين إلى وضع هذا التحفظ في بيان رئيس الحكومة؛ حتى تقطع جهيزة قول كل خطيب(9) وتقف المناورات البريطانية، والتلاعب السياسي الماكر بالألفاظ عند هذا الحد الواضح المستنير.

 

وكم كان الناس مشوقين كذلك إلى أن يتعرفوا خطة الحكومة العملية كما قدمنا، وهل هي ستستأنف المفاوضة من جديد، وعلى أي أساس يكون هذا الاستئناف إذا فكرت فيه، أو ترفع القضية مباشرةً إلى مجلس الأمن؟ هذه أسئلة لم يفصح البيان عن الإجابة عليها مع شدة ترقب الرأي العام لهذه الإجابة، وسأمه من سياسة الغموض والتلويح.

 

ولعل الحكومة في الأيام القريبة تكشف بالعمل ما أغفلته بالقول، ولعلها تستجيب لهذه الرغبة الملحة التي رددها أبناء الوطن بكل لسان، وهي التخلص من هذه المفاوضات العقيمة، والتفكير في سواها من الوسائل القانونية والعملية، للتخلص من بلاء التحالف والتدخل والاحتلال وإذا صدق العزم وضح السبيل.

 

ولقد طالعتنا الصحف منذ يومين بإقرار هيئة الأمم المتحدة لاقتراح مندوب مصر عبد الرازق السنهوري باشا الذي نصه: "وينبغي تنفيذًا لميثاق الأمم المتحدة بنصه وروحه أن تشرع الدول المشتركة في هيئة الأمم المتحدة في العمل بلا إبطاء على سحب قواتها المسلحة المرابطة في أراضي الدول الأخرى من أعضاء هذه الهيئة بغير موافقتها".

 

وقد اعتبرت الحكومة وأنصارها هذه الموافقة انتصارًا لها، وسلاحًا في يدها تبرزه عند اللزوم إذا رفعت الأمر إلى مجلس الأمن، واعتبرت موقف السنهوري باشا عملاً مشرفًا يُشكَر عليه، ولكن ما عرف من أن السنهوري باشا قدَّم هذا الاقتراح منفردًا برأيه في هذا التقديم، وأن سفير مصر في الولايات المتحدة عضو وفدها لدى هيئة الأمم محمود حسن باشا قد اعترض على هذا التصرف، وأبرق إلى دولة صدقي باشا قبل سقوط حكومته محتجًا عليه احتجاجًا صارخًا، وأن الاقتراح الذي تقدم به محمود بك فوزي عضو الوفد أيضًا تعديلاً للاقتراح الروسي كان أدق وأحكم وأوفى بالغرض إذ كان نصه "وترى الجمعية العمومية طبقًا لنص الميثاق وروحه ولمبدأ المساواة في السيادة، أنه لا يحق لأي دولةٍ أن ترابط قواتها المسلحة في أراضي دولة أخرى من أعضاء هيئة الأمم المتحدة إلا في الحالات المنصوص عليها في الميثاق، وعملاً بهذا تُوصي الجمعية العمومية كل دولة مشتركة في عضوية هيئة الأمم المتحدة، ولها قوات مسلحة في أراضي غيرها من أعضاء الهيئة أن تسحب قواتها فورًا"، ويضاف إلى هذا ما قيل من أن اقتراح السنهوري باشا كان أخذًا بتوجيه المستر بيفن، وتحقيقًا لسياسته، وأنه فتح بالتحفظ الأخير الوارد فيه باب المراوغة والتهرب والتلاعب بالألفاظ أمام الدول المعتدية.

 

كل ذلك آثار الغبار الكثيف حول بريق الفوز الذي تدعيه الحكومة لرئيس الوفد المصري في الهيئة، وإن كانت ترد على هذا كله بأنه إذا كان الاقتراح الأول قد رُفض فما فائدة التمسك به والموازنة بينه وبين غيره؟ وشيء خير من لا شيء ولسنا راضين عن الاحتلال بحالٍ حتى نتقيد بالتحفظ الوارد في التعديل، والرأي العام في حاجةٍ إلى بيانٍ من الحكومة؛ تكشف به غوامض هذه المسألة، ويجليها على حقيقتها للناس وإنا لمنتظرون.

 

بعد هذه الأحداث الساخنة وجَّه البنا خطابًا للنقراشي باشا رئيس الحكومة، فماذا قال فيه؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

 

---------------

(1) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (185)، السنة الأولى، 17 محرم1366 ﻫ/11 ديسمبر 1946م، ص(1).

(2) كلام كالعسل وفعل كالأسل: يضرب في اختلاف القول والفعل. [مجمع الأمثال].

(3) ثالثة الأَثافي: القطعة من الجبل يجعل إِلى جانبها اثنتان، فتكون القطعة متصلة بالجبل.

قال أَبو سعيد: معنى قولهم: رماه الله بثالثة الأَثافي، أَي: رماه بالشرّ كُلّه فجعله أُثْفِية بعد أُثْفِية حتى إذا رُمى بالثالثة لم يترك منها غاية. والأُثْفِيّة حجر مثل رأْس الإِنسان، وجمعها أَثافيُّ. [اللسان، مادة (ثفا)].

(4) في الأصل: "نسد".

(5) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (187)، السنة الأولى، 20محرم 1366/ 14ديسمبر 1946، ص(1).

(6) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (188)، السنة الأولى، 21محرم1366ﻫ/15 ديسمبر 1946م، ص(1).

(7) في الأصل: "والأمة".

(8) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (191)، السنة الأولى، 24 محرم سنة 1366ﻫ/18 ديسمبر 1946م، ص(1).

(9) قطعت جهيزة قول كل خطيب: أصله أن قومًا اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيين قتل أحدهما من الآخر قتيلاً، ويسألون أن يرضوا بالدية، فبينا هم في ذلك إذ جاءت أمة يقال لها جهيزة فقالت: إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله. فقالوا عند ذلك: قطعت جهيزة قول كل خطيب. أي: قد استغنى عن الخطب. يضرب لمَن يقطع على الناس ما هم فيه بحماقة يأتي بها. [الميداني: مجمع الأمثال].