بقلم: حفصة خيرت الشاطر
سيدٌ أنت حقًّا أيها القاضي في زمن قَلَّ فيه أمثالك وكثُر فيه المتملِّقون والمنافقون..
سيد أنت حينما نطقت بكلمة الحق في وجه سلطانٍ جائرٍ على أبسط حقوق شعبه، لينعم هو وأتباعه في دنيا فانية، وحققت بذلك أفضل الجهاد.. لتنعم أنت- بإذن الله- بظل ملك الملوك يوم تدنو الشمس من الرؤوس في دار الخلود.
قل لهم يا سيدي إن الناس أمام القضاء سواءٌ، فالكل يخطئ ويصيب..
قل للمتملِّقين والمنافقين إن القضاء مع الحق وليس مع الأقوى..
قل لهم إنهم رضوا بأن يعلوهم أمرُ الله بالعدل ولا يأمرهم باتباع الأهواء والمصالح والسلطة، فلا يخدعوا أنفسهم وغيرهم بأن يقولوا: لا سياسة في القضاء، كما قال غيرهم قبل ذلك: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.. إننا في دولة من المفترض أن تحكم بشرع الله لا باتباع الأهواء..
علِّمهم كيف يكون إحقاق الحق أهمَّ من مناصب تُرتقى لو كتبها الله لهم لكانت، ولو لم يكتبها لهم لزالت مهما فعلوا.. وتبقى كلماتهم التي ربما كانت سببًا في تشريد أُسَر وفراق أحبة وعمرٍ يمرُّ ظلمًا خلف القضبان، كل لحظة فيه هي لعنة على الظالمين؛ لأن الله وعد المظلومين بدعوة لا تُرَدّ كما وعدهم بالتمكين.
سيدي القاضي.. أنت وأمثالك قلة يتبرَّأ منكم المنافقون ويقولون إنكم لا تمثلون القضاء فأخبرهم يا سيدي أنكم قلة.. نعم ليس لأنكم مخطئون وهم على صواب، وإنما لأن ذلك تصديقٌ لقول رسولنا الكريم: "القضاة ثلاثة، قاض في الجنة وقاضيان في النار" ثلث يتبع الحق وثلثان آخران يضلاَّن فلتتركهم سيدي يقولون ما يقولون، وليحكموا بما أرادوا، وليلغوا القرارات، وليعدلوا القوانين، وليقمعوا الحريات..!!
لكن.. فقط أخبرهم أننا غدًا الضاحكون وهم الباكون، فليحفظوا وجوهنا، وليتمعَّنوا فيها، وليتذكَّروا هذه الكلمات، فيوم القيامة سيسألوننا: لماذا لم تخبرونا، سنُعرَض عليهم كما عُرضنا في الدنيا؛ لنذكِّرهم بالظلم الذي ألحقوه بنا، لكننا حينها سنكون أمام الحق والعدل.. أمام من تناسَوه لصالح من ظنوا أن نعيمهم في رضاه سيريدون الاحتماء به يومها، لكنهم لن يجدوه فسيلقى مصيره أمام الله، وسيأتون إليك ويقولون: قد كنت منا لكنك لم تكن، خيَّبت ظنونهم في الدنيا، وتحالفوا ضد تطبيق ما قضيت به في حكمك؛ لأنه خالف هوى أسيادهم!!
أخبرهم سيدي أن قضيتنا هي الإصلاح وليست الدنيا، لا نهاب السجون فلقد نذرنا أنفسنا فداءً لله ثم الوطن، لكننا أشداء على مَن ظلمنا، فلينتظروا منا في كل ليلة دعاءً ندعوه في كل سجدة أن يعجِّل اللهُ إما بهدايتهم أو نهايتهم هم وكل الظالمين المستبدِّين.
سيدي القاضي.. عذرًا لك ولكل من أصدر قرارًا أملاه عليه ضميره والقانون الذي درسه ولم ينفَّذ استبدادًا من النظام والظغيان..!!
عذرًا سيدي القاضي، ويكفي الاحترام والتقدير الذي أكنَّه الكثيرُ لك.. سيظل اسمُك بارقًا في صفحات التاريخ.. لقد ضربت أروعَ الأمثلة، فلربما اقتدى بك غيرُك فتأخذ ثوابهم؛ ليكون هو ودعاؤنا لك سببًا بإذن الله في ارتقائك أعلى الدرجات في الجنة ومن قبلها الدنيا بعد نهاية الظالمين قريبًا، والله وعدنا بذلك.
وختامًا.. اسمح لنا أن نقدم أسمى آيات الشكر لك بعد حمد الله؛ أن كنت شمعةً أضاءت في ظلمات عصر مستبد.. أعطيتنا بريقَ أمل نحن والكثير غيرنا لنواصل ونواصل..
رغم القيد والسجان..
رغم القهر والطغيان..
لتعمير الأرض وإصلاحها بشرع الرحمن..
لنصل برحمته ورضاه أعلى الجنان.