بقلم: وصفي عاشور أبو زيد

ربما يعجب القارئ من العنوان ويتساءل في دهشة: هل في الجنة رياء؟ ولماذا يرائي أهل الجنة فيها وقد وفَّاهم الله أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون؟ وما فائدة الرياء في الجنة وهي دار نعيم مقيم وخير عميم؟!

 

والحق أنني لم أقصد إلى هذا كله، إنما قصدت "الرياء" كما تحدث عنه برنامج: "رياض الجنة" الذي يُعرض على قناة (البحرين) يوم الأربعاء من كل أسبوع، ويقوم بإعداده وتقديمه ثلاثة من أعلام الدعوة في عصرنا: الدكتور عمر عبد الكافي الداعية اللامع والمتحدث المحبوب، والشيخ وجدي غنيم الداعية المعروف، والذي يواصل جهاده الدعوي مهما ساح في الأرض، والأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان العالم الجليل والأستاذ الجامعي المرموق.

 

ولقد تناول البرنامج داء الرياء في حلقتَين مضَتا، وأتى على معانٍ عظيمة ومفيدة يحسن بي أن أجليها وأوضِّحها للقراء، فحقٌّ على من سمع الخير أو قرأه أن ينقله إلى غيره، وسأحاول أن أحرر هنا ما تسعفني الذاكرة به.

 

المرائي غبي!!

 الصورة غير متاحة

 د. عمر عبد الكافي

وفي أول صفعة للمرائي يصف الدكتور عمر عبد الكافي المرائي بالغباء؛ حيث يستجلب إعجاب الناس، ويستمطر مدحهم وثناءهم بلا مقابل، إلا من الغرور والانتفاش الكاذب، وهنا يسوق عبد الكافي حكمة الإمام علي: "يا ابن آدم، إن غرك مالك فارزق عباد الله يومًا واحدًا، وإن غرَّتك قوتك فلماذا استحكمت فيك شهوتك؟!".

 

والبلية الكبرى أن المرائي يعمل عمله ويرائي به مَن لا يستحق، وكان الأولى به أن يكون عمله خالصًا لمَن خلقه وسواه ورزقه وأكرمه وهو الله تعالى، في إشارةٍ إلى الحديث القدسي الشريف: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر غيري؟" (رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء، وضعفه السيوطي).

 

ولا شكَّ أن هذا غباء؛ لأن الغبي قليل الفهم والفطنة، وهل لديه فطنة مَن يُتعب نفسه في عملٍ ثم يذهب به أدراج الرياح هباءً منثورًا؟! وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: 23)، يقول صاحب الظلال في هذه الآية: "هكذا في لحظة، والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل وعملية الإثارة للأعمال، والتذرية في الهواء، فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء، ذلك أنه لم يقُم على الإيمان الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجًا مرسومًا وأصلاً قاصدًا، لا خبْطَ عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية، فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقةً من سلسلة ذات هدف معلوم".

 

الرياء أثناء العمل

المسلم الذي بدأ عمله بالرياء أو ينوي ابتداءً أن مقصد عمله هو استمطار كلام الناس ومدحهم وثنائهم.. هذا لا شكَّ في بطلان عمله، لكن يطرح الدكتور عمر عبد الكافي- الذي قدَّم هاتين الحلقتين- تساؤلاً مهمًّا في هذا الصدد، وهو: ماذا لو بدأ الإنسان عمله مخلصًا ونوى أنه لله، ثم طرأ له الرياء أثناء العمل؟! ذكروا هنا وجوب المجاهدة على المسلم، وأن يستحضر الإخلاص دائمًا، ويستصحب نيته الأولى طول العمل، لكن كان ينبغي هنا التفصيل كما فصَّل العلاَّمة ابن عثيمين حين قال: فهذه العبادة- يعني ما طرأ لها الرياء بعد نية الإخلاص- لا تخلو من حالين:

 

الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها،