د. منال أبو الحسن

 

العنف ضد الطفل في المفهوم الغربي له أسبابه وتداعياته نشأ ضمن العديد من المفاهيم والقوانين التي تلبي ظروف المجتمعات الغربية التي فضلت العلمانية نظام للدولة وتغيرت بالتالي القيم الفردية والأسرية، وأصبحت العلاقة بين الأبناء والوالدين علاقة مصالح دنيوية ومادية بحتة، وعند النظر لهذا المفهوم من الجانب الإسلامي نجد أن الإسلام أعطى للطفل حقوقًا لا تخل بمقتضيات أخرى فله الحق في الحماية من كافة أشكال العنف أو الضرر أو أي تعسف، ومن إساءة معاملته بدنيًّا أوعقليًّا أو نفسيًّا.

 

ومن الإهمال أو أية معاملة ماسة بالكرامة ولا يخل هذا الحق بمقتضيات التأديب, والتهذيب اللازم للطفل, وما يتطلبه ذلك من جزاءات مقبولة تربويًّا, تجمع بحكمة وتوازن بين وسائل الأفهام والإقناع والترغيب والتشجيع, ووسائل الترهيب والعقاب بضوابطه الشرعية والقانونية والنفسية, وهذا ما تنص عليه المادة (27) من ميثاق الطفل في الإسلام بالفقرة ب؛ الذي أصدرته اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل واعتمده الأزهر الشريف؛  وهي  توضح أن الثقافه الإسلامية عندما تعطي حقوقًا لفرد لا تنزع حقوقًا من آخر، وإنما هي منظومة متكاملة تُعطي حقوقًا وتفرض واجبات.

 

أما الاتفاقيات الدولية الخاصة بالعنف ضد الطفل فلها منظور يؤدي إلى إعطاء حقوقٍ للطفل تتعارض مع حقوق والديه أو المسئولين عن رعايته؛ حيث تؤدي إلى ضعف قيم بر الوالدين واحترام المعلم وتبجيله، وقد نسمع عن قريبٍ إذا تمَّ تطبيق الاتفاقات الدولية الخاصة بالعنف ضد الطفل بنفس طرق تطبيقها في الغرب ودون مراعاة الثوابت الدينية والمجتمعية الأصيلة إلى مقاضاة الطفل لوالديه, وشكوى الطفل من خلال الخط الساخن الذي تُوفِّره له الدولة وما يترتب على هذه الأمور من إلغاء مكانة الأب أو الوالدين ومن تبجح الأبناء على ذويهم ومعلميهم وضعف الروابط الأسرية.

 

وفي الفقرة (ج) من المادة (27) المخصصة لحماية الطفل من العنف والإساءة نجد أنه "على مؤسسات المجتمع كافة ومنها الدولة تقديم المساعدة الملائمة للوالدين وغيرهم من المسئولين القانونين عن الطفل واتخاذ جميع التدابير الاجتماعية والتشريعية, والإعلامية والثقافية اللازمة لغرس مبادئ التربية الإيمانية, وإقامة مجتمع فاضل, ينبذ الموبقات والعادات المنكرة, ويتخلق بأقوم الأخلاق وأحسن السلوكيات".. مثل هذه البنود إذا تم تطبيقها على المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات لا تجني ثمارها للطفل وحده وإنما للمجتمع كافة.

 

فهل تستطيع القوانين الدولية الشاذة اختراق الثقافات والعقول العربية ومجتمعاتنا؟ ربما الجهل بالثقافة العربية والإسلامية, والتبعية الثقافية, ودعاوى العولمة, وضعف الرؤية المستقبلية, والهيمنة الغربية والأمريكية, تساعد على هذا الاختراق, إنَّ مَن أخطر ما يواجه الأمة الإسلامية اليوم هو البحث عن حلولٍ مستوردةٍ للمشاكل الاجتماعية، ويتعجب المرء في هذه المرحلة من تاريخ مصر أن نجد مَن ينادي بتطبيق قوانين دولية تضر بأبنائنا وآبائنا وتعقد المؤتمرات المنادية بالتطبيق، هل نسي هؤلاء جميعًا أن لهم أبناء وآباء وأمهاتٍ وأسر قد تتعرض للخطر وتهدم مصالحها!.

 

لقد اتخذوا من عمومية المفهوم وسيلة لاستيراد مساوئ المجتمعات الغربية وانحطات القيم الأسرية الأصيلة، من انفلات الأطفال من نظام الأسرة وفقدان التوازن المطلوب بين أفرادها؛ ومن ثَمَّ ضياع حقوق الجميع.

---------------

* عضو اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل