مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والخسران والبوار على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، إمام المجاهدين، وقائد الغُرِّ الميامين، وسيد الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن دعا بدعوته وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
أما بعد.. فإن الجهاد في سبيل الله هو العزُّ الذي أظهر الله به دينَ الإسلام، والتجارةُ الرابحةُ التي ندب الله إليها خيارَ عباده أولي العزم من المؤمنين، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).
قال العلماء في تفسير هذه الآية: لا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسنَ ولا أبلغَ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد، عاقده رب العزة، وثمنُه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعله مُسجَّلاً في الكتب السماوية، وناهيك من صدقه!! وجعل وعده حقًا، ولا أحد أوفى من وعده، تنسيئه- أي ما أخَّره من الوعد- أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم.
وهو استعارة تمثيلية، صوَّر جهادَ المؤمنين وبذلَ أموالهم وأنفسهم فيه وإثابةَ الله لهم على ذلك الجنةَ بالبيع والشراء، وأتى بقوله ﴿يُقَاتِلُوْنَ..﴾ إلخ؛ بيانًا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله- صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه (البخاري)-: "الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم أمضاه بقوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمُ﴾.
بهذا الجهاد يعلو الحق، ولا تُعطي الأمةُ الدنيَّةَ في دينها، ولا يستهينُ بها أعداؤها، وبذلك تجمع عزَّ الدنيا ونعيم الآخرة بإذن الله.
ولقد مرَّت بالأمة أوقاتٌ كئيبةٌ أنِسَتْ فيها إلى الدَّعَة والراحة، ومالت فيها إلى الكسل والسكون، حتى أخذ أعداؤها بزمام الأمور وخلَّفوها وراء وراء!! وليتها وليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل راحوا يروِّجون- وراحت الأمة تسمع- أن الجهاد إرهابٌ تنبغي محاربتُه وشرٌّ يجب الوقوف في وجهه، حتى استخذى بعض المسلمين من التفوُّه بهذا اللفظ، وتداعى بعضهم إلى حذفه من قواميس اللغة، بعد أن حُذِف من مضابط جلسات القمم.

لكنَّ الله تعالى قيَّض للأمة رجالاً مخلصين وأئمةً هداةً، وشبابًا يتدفَّق إيمانًا وصلاحًا، آلمه ما وصل إليه الحال، وأقضَّ مضجعَه ما نزل بالأمة من بلاءٍ، وما غدت تدور فيه من ذلٍّ وهوانٍ يسومها إيَّاه أعداؤها، فعاد يرفع رايةَ الجهاد في سبيل الله غيرَ مبالٍ بتلك الأوصاف الماكرة أو الألقاب الظالمة التي رماه بها الأعداء، فغيَّر في وقتٍ قليلٍ عن طريق الجهاد ما عجزت الأمة في سنواتٍ طويلةٍ عن تحقيقه من طريق الخنوع والاستسلام، واستعادت الأمة روح الجهاد المباركة، وخصوصًا في فلسطين، وارتوت شجرةُ الجهاد بدماء زكية طاهرة، وتواترت قصص الجهاد والاستشهاد، وأعاد أبناء أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي سيرةَ المجاهدين الأوائل الذين ربَّاهم الإسلام على عينه، فبنَوْا مجدًا لا تزال آثارُه قائمةً وشواهدُه ظاهرةً، وصار من واجب المخلصين في هذه الأمة أن يلتقوا على هذا المشروع الكريم المبارك، وأن يتنادَوْا إلى الجهاد في كل الميادين، و