بقلم: أيمن مبروك
كادت هذه الحكمة التي سمعتها من أحد حرَّاسي بسجن مزرعة طرة في منتصف مايو 2005م أيام (هوجة) الاعتقالات التي ضربت مصر على أبواب تعديل فخامة المادة 76 للدستور، وقضيت أيامها ما يمكن أن أعتبره أجملَ أيام حياتي حتى الآن "أيام حلوة الله لا يُعيدها على رأي أستاذنا الشيخ وجدي غنيم الله يحفظه".
كنت أقول إني ساعتها سمعت حكمةً من أحد حرَّاسي، ومضت بي الأيام حتى كدت أنساها، لكن ما ذكرني بها هذه الأيام هو عودتي لنفس المكان ورؤيتي لنفس الشخص الذي قالها، لكن مع اختلاف جوهري هذه المرة، وهو أنني زائر ولست سجينًا.. طبعًا أنا أعرف أنكم تتشوَّقون إلى معرفة هذه الحكمة التي أخذتها عن حارسي ولن أبخل عليكم بها؛ فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
كانت تجربة الاعتقال هذه هي الأولى "وربنا يجعلها الأخيرة"، وكانت في قلوبنا نحن الشباب بعض الرهبة منها، وكنا نسأل مَن حولنا مِن أساتذتنا ومعلمينا عنها، غير أن عم فاروق- حارس العنبر- قال لنا هذه الحكمة الجميلة: "يا ولاد ما تقلقوش مفيش حد جه هنا إلا وخرج"، فابتهجنا جميعًا وابتسمنا، لكنه لم يكن قد أكمل عبارته بعد، فقد فاجأنا قائلاً: "ومفيش حد خرج إلا ورجع تاني"، ورغم هذه العبارة المفاجئة إلا أننا قهقهنا جميعًا وضربنا كفوفنا بكفوف بعضنا، فقد وجدنا فعلاً أن معظم من كانوا معنا يكادون يستخرجون "أبونيه اعتقال".
تذكرت هذه الحكمة وأنا أزور أخي وأستاذي الحبيب محمد مهنا خلال الأيام الماضية، وهو من الذين أحالتهم حكومة الكوارث إلى القضاء العسكري ولم أجد شيئًا تغيَّر إلا إلى الأسوأ، وسُبحان من يغيِّر ولا يتغيَّر، والموضة تطوَّرت كثيرًا، فالاعتقال أصبح موضةً قديمةً استُبدلت بها المحاكمات العسكرية، والتهديد أصبح مصادرةً واتهاماتٍ بغسيل الأموال، بل إن بعض "المستهبلين" تمخَّض فأنجب فأرًا عندما انبرى وقال إن الإخوان يقفون وراءَ جرائم سفَّاح المعادي وسلِّم لي على "التروماي"!!
تذكَّرت هذه الحكمة وأنا أدخل السجن زائرًا فيستقبلني عمّ فاروق بحضن رائع وابتسامة جميلة وخِفَّة دم معهودة: "أيمن.. إنت نسيت عمك فاروق وللا إيه؟!" واحتضنني بقوة وبادلته نفس المشاعر على رغم ما فرضته عليَّ الحكومة من كُره للبدلة الميري.
تذكَّرت هذه الحكمة التي خرجت من رجل بسيط يصف فيها حال مصرِنا الحبيبة التي يتشدَّقون بحبِّها صباح مساء، ثم يبيعونها على أرصفة العدو، وسلِّم لي ع الغاز الطبيعي وأكياس الدم الفاسدة والعبَّارة المنكوبة والبقية تأتي!!
تذكرت هذه الحكمة وأنا أرى نفس الوجوه التي عايشتها في نفس المكان في مايو 2005م، وهي ترتدي نفس الملابس البيضاء أيضًا في 2007م، ويا رب ما تقلبش بأزرق!!
رأيت هذه الحكمة تتكرَّر، وسوف تتكرَّر طالما أن شعبنا البسيط يغضُّ الطرف عن مفاسد جلاَّديه خوفًا ورغبًا.. "أنت عارف يا بيه لقمة العيش صعبة وحطّ راسك بين الرؤوس هيَّ يعني المية بتطلع في العالي"، يا جمال شعب المخروسة، قصدي المحروسة.
والغريب في الأمر أن الوجوه التي كانت تنكسف أحيانًا زمان قد أصابها لفحة من البجاحة وبقت عينها تندب فيها رصاصة فلم يكتفوا بالاعتقال أو تخويف المجتمع من الشرفاء بل رموهم- وببرود شديد- باتهامات أقل ما يقال فيها إنها تخلُّ بالشرف، وأرى أن ما تفعله الحكومة مع هؤلاء الشرفاء هو ما يطلق عليه علماء النفس (أسلوب الإسقاط)؛ حيث يُسقط الشخص المريض نفسيًّا أخطاءه وعيوبه على الآخرين لكي يقنع نفسه أنه لا يقل عمن حوله في شيء، وأن عيوبه ليست فيه وحده بل في الآخرين أيضًا كي لا ينهزم أمام نفسه أو يفقد احترامها له، فالذين يتهمون الشرفاء بغسيل الأموال يعرفون جيدًا من أين جاءت أموالهم وسلِّم لي على بنوك سويسرا!!
والذين يتهمونهم بالخطورة على أمن البلاد يعرفون جيدًا كم روعت زبانيتهم أمن المواطنين في جنح الليل وكم في الحبس من المظاليم بدعوى أمن البلاد وسلِّم لي على لاظوغلي باشا!! والذين يتهمونهم بمخالفة القانون يعرفون جيدًا طرق وأساليب ودهاليز العزف على القانون!!
لكنني ارتحْتُ عندما فتحت كتاب الله وقرأت فيه تصريحات فرعون بكل فساده وظلمه وجبروته عن موسى، فانبرى- محذرًا لقومه من موسى- قائلاً: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26) وعرفت ساعتها أن حكومتنا هي التطور الطبيعي للقمع الفرعوني التاريخي!!