بقلم: محمد عبده (باحث شرعي)
لا شك أن الدعوة إلى الله واجبٌ شرعي لا يمكن التفريط فيه، أو التغافل عنه وتناسيه والانشغال بغيره، وعلى المرء المسلم الذي آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد- صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً أن يمارس الدعوة إلى الله إعذارًا إلى الله، وتقربًا إليه، وطمعًا في الأجر والثواب، وهربًا من اللعنة التي لحقت ببني إسرائيل لتخليهم عن واجب الدعوة والنصح.. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة)، وطمعًا قي الفوز بما عند الله من الأجر والمثوبة للدعاة المصلحين.. "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم".
وبالدعوة إلى الله تصل الأمة إلى المجد والرفعة والسيادة، وتُحرر عقولها وأفكارها كما تُحرر أرضها من كل وصي عليها، أو مُحتلٍّ لها، أو مستولٍ على ثرواتها، وحينها تُصبح الأمة خير أمة أُخرجت للناس.
لذلك فإن الدعاة إلى الله، الذين حملوا على كواهلهم هم الدعوة إلى الله، وتَحَمُّل مشاقّ الطريق ولأوائه، يُعتبرون بحق في أشرف المقامات، وأعظمها أجرًا ومثوبةً عند الله، ولهذا الفضل العظيم استحقوا الثناء من الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت)، فلا أحد أحسن منهم قولاً، ولا صنعًا، إنهم يأخذون بأيدي العباد إلى الله، ويحببونهم فيه.. فيا بشراكم أيها الدعاة، وهنيئًا لكم هذا الشرف العظيم الذي منحكم إياه رب العالمين.
وهنيئًا لكم بشرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (1)، وكما جاء في الحديث أيضًا "مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا...." (2).
من هنا كان الدعاة على خطر كبير إن هم أضاعوا هذا الشرف العظيم من أيديهم، وأصاب طريقهم الدعوي من الأخطاء ما يستنزف تلك الأجور العظيمة، والمثوبة الكبيرة.
ومما يُعرِّض هذا الأجر العظيم للفقدان والضياع:
- عندما يكون هناك انفصالٌ بين القول والعمل.
- عندما يكون هناك تناقضٌ بين الواقع والواجب.
- أن يُصاحب دعوته سلوكيات خاطئة وتصرفات مُشينة، تضر بدعوته كما تلحق الضرر به، فيكون فتنةً لغيره ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)﴾ (الممتحنة).
وعندما يحدث ذلك تخسر الدعوة، ويخسر الداعية، تخسر الدعوة مصداقيتها عندما ترى صاحبها على غير الخلق الذي يدعو إليه، فتُحمل الدعوة على تصرفه وهي منه براء، ويخسر الداعية عندما يضيع أجره وثوابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن الكلمة لتبعث ميتةً وتصل هامدةً مهما كانت طنانة متحمسة.. إذا هي لم تنبع من قلبٍ يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقوله حقًّا حتى يتحول هو ترجمة حية لما يقول وتجسيمًا واقعيًّا لما ينطق به".
إن أحدًا لا ينكر أن هذا الأمل معقود على الدعاة الذين يُصلحون في الأرض ولا يُفسدون، يُعمرون ولا يُخربون، يبنون ولا يهدمون، هداةً مهتدين، يفعلون ما يقولون، قدوةً لغيرهم، وأسوةً لأقرانهم، يؤثرون غيرهم على أنفسهم، ويقدمون سواهم على أهليهم.
واليوم الذي يأتي فيه الدعاة بالأقوال دون الأفعال، وبالمظهر دون الجوهر، واليوم الذي يبحثون فيه عن المغنم الذي يُصيبهم من دعوتهم سواءً كان ماديًّا أو معنويًّا ?...... ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)﴾ (التوبة)، وفي الوقت الذي تتصدر "أنا" وتحتل مكانةً في صدور الدعاة بحثًا عن مكانة أو زعامة، وفي الوقت الذي يُصاب فيه الدعاة بأمراض مجتمعاتهم فلا يختلفون عنهم في شيء مما ينهونهم عنه، في هذه الحالة تفقد الدعوة إحدى ركائزها في تحقيق التقدم، وإحراز التغيير المنتظر، ففاقد الشيء لا يُعطيه، وصدق القائل "أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم على أرضكم".
من أجل هذا كانت تلك بعضًا من السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الدعاة، نضعها بين أيديهم لنحذرهم منها، منبهين لهم من خطورتها، والتي إذا أُصيبوا فيها حينئذ يكون تأخُّر المشروع الإسلامي، وتعطُّل ماكينات الإصلاح والتغيير، وهذه السلوكيات التي نعرضها ليست بالضرورة منتشرة في الدعاة أو أنهم قد أُصيبوا بها بالفعل، بل من باب الحيطة والحذر وشدة الانتباه فقد كان "حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي" (3).
وهذه بعض السلوكيات الخاطئة التي يجب أن يرفضها الدعاة:
1- اختلال النية:
فمن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الدعاة أثناء سيرهم في الطريق اختلال نياتهم، وفسادها في بعض الأحيان وافتقادها الإخلاص، وإصابتها بشوائب الشرك والرياء.
والإخلاص هو أمرٌ في أعماق القلب، لا يطلع عليه أحدٌ إلا الله تبارك وتعالى، ولكنه يتجلَّى في أمورٍ عديدة، وثمرته تبدو واضحةً جليةً في مجال الدعوة.
ومن هنا نرى الفرق واضحًا بين رجلين تساويا في أمورٍ كثيرة، ولكنهما اختلفا في الإخلاص، ويتجلى الإخلاص عند الداعية في أن لا يريد من دعوته إلا الله (4).
فمن صور اختلال النية عند بعض الدعاة رغبتهم في الحصول على مكانةٍ اجتماعيةٍ مرموقةٍ تُعطيهم نوعًا من الوجاهة بين العامة.
ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة عدم سعادتهم إذا تحقق الخير للدعوة على يد أحدٍ غيرهم، وإصابتهم بالغم والحزن والهم إذا ما تفوَّق الآخرون عليهم ووجدوا القبول عند العامة.
ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة حرصهم على نيل قسطٍ وافرٍ من المدح والثناء، وتغير نفوسهم عند الذم وحدوث النقد لأعمالهم.
ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة الرغبة في الظهور وتولي المناصب القيادية والحرص عليها والتمسك بها وعدم الرضا بغيرها للعمل في صفوف الدعاة.
ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة العجب والاغترار بالقدرات والإمكانات وإبراز فضلها على العمل الدعوي، وتكرار ذلك كثيرًا بمناسبة وغير مناسبة.
2- ضعف الصلة بالله:
من السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الداعية جفاء علاقته بالله، وضعف صلته بمولاه، فالداعية أول ما يتطلبه منه إسلامه أن يكون وثيقَ الصلة بالله، دائم الذكر له والتوكل عليه، يقظ القلب، حاضر الذهن، يتواجد بكثرة حيث أمره الله، ويغيب حيث ينهاه، مُطيعًا له في كلِّ ما أوامره، مقبلاً على طاعته ببشْرٍ وسعادةٍ واطمئنان، مُخبتًا أوَّابًا خاشعًا، وقَّافًا عند حدوده، منتهيًا عند نواهيه، يُسارع إلى أوامره وإن خالفت هواه.. "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (5).
والداعية عندما يفقد كل هذه الصفات والمقومات على الطريق فإنه بمثابة مَن فقد الزاد في السفر الطويل.ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: طول الغفلة عند الداعية، والإعراض عن أوامر الله.
ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: التهاون في أداء الصلوات وتأخيرها عن وقتها، ومن ثم التخلف عن أدائها في المسجد في الجماعة الأولى.
ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: التقصير في حق القرآن قراءةً وتدبرًا وتطبيقًا، ومن أهم صور التقصير هجره، والهجر يعني: هجر فهمه والتأثر به، هجر معجزته الحقيقية التي تتمثل في بثِّ الروح وتوليد الطاقة والدافع الذاتي للفرد..﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..﴾ (الشورى: من الآية 52)، فالقرآن هو أهم مولد للإيمان ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ (الأنفال: من الآية 2) (6).
ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: قلة الورع، وقلة الخشية والرهبة من عاقبة التجرؤ على حرمات الله "كن ورعًا تكن أعبد الناس" (7).
ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: عدم تحري الحلال في المطعم والمشرب، إذ بضعف الصلة بالله يفقد العبد كوابح نفسه الإيمانية التي توقفه عن الانسياق وراء شهوة المال فيقع في الشبهات، ومن ثمَّ الوقوع في الكسب الحرام "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام" (8).
ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: هجر قيام الليل، فقيام الليل هو وقود الدعوة، فمن خلاله يتزود الداعية بزاد الإخلاص، ويُجدد عهده مع الله وانتسابه إليه ويستمد منه القوة والطاقة التي تُعينه على القيام بأعباء مهمته العظيمة (9).
3- الفوضوية:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الدعاة: عدم قدرتهم على تنظيم أوقاتهم وتحقيق التوازن اللازم لاستقامة حياتهم، والتنسيق الكامل بين متطلباتهم المختلفة دعويةً كانت أم شخصيةً أو اجتماعيةً، واحتياجات أهليهم وذويهم، وكأنهم يتعاملون مع مثل هذه القضية بنظام الاختيار الصعب: إما الدعوة وإما البيت أو العمل الشخصي.
والحقيقة أنه في غياب التوازن ودقة التنظيم في حياة الداعية يمكن أن تحدث تلك الفوضوية وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أقرَّ سلمان- رضي الله عنه- حين زار أخاه أبو الدرداء، فوجده مبالغًا في عبادته، فأراد أن يُعلمه الموازنة بين أموره التعبدية، واحتياجات الآخرين من حوله، جاء في الحديث: "آخَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "صَدَقَ سَلْمَانُ" (10).
ولعل حماسة الدعاة وأحيانًا جهلهم بفقه الأولويات وراء ذلك السلوك الخاطئ، فأحيانًا ما تكون الحماسة سببًا في ذلك حينما يبذل بعض الدعاة المتحمسين جهودًا في شتى المجالات، ويضربون بسهم في كل وادٍ من أودية الدعوة، سواءً كان بحاجة أم بغير حاجة، وسواء أمكن التفويض في إحدى هذه المهام أم لا، ورغم هذا العطاء والرغبة الشديدة فيه إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تكون جهودًا ذات ثمره ضعيفة، لغياب الدقة والتركيز عنها، مما قد يؤدي إلى حدوث فوضى في كل هذه المجالات.
والأفضل أن يُركِّز الداعية على الأعمال التي يُحسنها، ويجيد العطاء فيها، وهذا ما يُسمَّى "التوظيف الأمثل"، وفي ذلك خير له ولدعوته من العشوائية وتشتيت الجهود، يقول الرافعي: "إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك".
4- قلة الزاد العلمي:
ومن السلوكيات الخاطئة التي تُصيب البعض من الدعاة إهمالهم جانب التحصيل العلمي، وتهميشهم عنصر القراءة والمطالعة في كتب العلم، وهو أمر مستنكر على الدعاة، إذ كيف سيمارسون دورهم الوعظي والإرشادي بموجب انتمائهم للدعوة، وانتسابهم للدعاة، وهم قليلو العلم، شحيحو المعرفة؟.
إن الداعية ابتداءً يسعى للعلم ويجتهد فيه تزكيةً لنفسه أولاً.. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، وباعتباره ضرورةً للقيام بواجب الدعوة إلى الله التي أمره الله بها ثانيًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والعلم الذي يجب أن يسعى الداعية إلى تحصيله يجب أن يكون علمًا راسخًا متينًا، يستدعيه متى احتاج إليه في مواقف الحياة المختلفة؛ لذا فالداعية الحق كثير المطالعة، دائم القراءة حتى يزداد كل يوم علمًا.. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: من الآية 114).
والحقيقة الثابتة التي يجب أن ينتبه إليها الدعاة هي أن العلم يحيا وينمو بالمتابعة، ويذبل ويجف بالهجر والانقطاع، وسلفنا الصالح رغم علمهم الغزير، وفكرهم العميق، إلا أنك تجد عندهم رغبةً شديدةً في طلب العلم، والاستزادة منه، سُئل الإمام سفيان بن عيينة: من أحوج الناس إلى العلم؟ فقال: أعلمهم. فقيل له: ولماذا؟ قال: لأن الخطأ منه أقبح.
والداعية الحقيقي المتصف بالحصافة والحكمة، يُعمل عقله، ويُنير فكره، ويُجدد علومه، فهو كثير المطالعة، مُحب للقراءة، لا يكتفي بمجالٍ واحد، بل يُعدد مجالات العلم لديه، فيُنشط بها ذهنه، ويُوسع بها أفقه، ويُنمي بها ملكاته.
5- أوقات مهدرة:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها البعض إهدار الأوقات، فمن الأشياء التي تصيبك بالدهشة، تلك الأوقات المهدرة بين أبناء الدعوة والتي يترخصون فيها، ولا يلتزمون بآداب التعامل معها، فالحرص على المواعيد والالتزام بها والانضباط فيها يعكس مدى فهم الأخ لقيمة الوقت له ولإخوانه، فالملاحظ أن قدسية الوفاء بالوعد والالتزام بالموعد قد ضعفت، حتى شاع بين الأقران أنك إذا أردت أن تحدد موعدًا فعليك أن تبلغ الآخرين بالموعد منتقصًا منه نصف الساعة على الأقل، لفرضية التأخير المتلازمة والمتوقعة.
ولعل من أعظم الأضرار في خلف الموعد وعدم الالتزام به أن يزيد من فقد الثقة بين الأفراد، ويهدر أوقاتًا من الممكن أن تستثمر فيما يفيد، بالإضافة إلى إهدار أوقات الغير، ورحم الله الإمام حين جعل من وصاياه "الواجبات أكثر من الأوقات فعاون غيرك على الانتفاع بوقته، وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها"، وكان الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله يضع في مكتبه عبارة يقول فيها: "وقت الدعوة لها لا لغيرها فدعه لها".
6- واجبات ضائعة:
ومن السلوكيات الدعوية الخاطئة التي قد يُصاب بها البعض التقصير في الواجبات المكلفين بها.
فلا أحد ينكر أن هناك أشياء كثيرة أصبحت في أعناقنا بموجب انتمائنا للدعوة ولكننا قد نكون نسيناها أو غفلنا عنها بمرور الوقت، فلم نشعر أنها أمانة في أعناقنا يجب أن تحفظ لا أن تضيع... أن يُعمل لها لا أن تُركن على الرف.
سنلاحظ أن هناك عهدًا وميثاقًا مع الله قبل أن يكون لدعوة أو لفكرة ﴿ِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: من الآية 10)، فاحذر أخي الداعية أن تُنكث هذه العهود، أو تُقطع تلك المواثيق.
تعالى معي أخي القارئ لنرى ما هي واجباتنا كما ذكرها الإمام البنا رحمه الله: "... فأول واجباتنا نحن الإخوان المسلمين أن نُبيِّن للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقصان بها.. ولا لبس معها؛ وذلك هو الجزء النظري من فكرتنا وأن نطالبهم بتحقيقها ونحملهم على إنفاذها ونأخذهم للعمل بها، وذلك هو الجزء العملي في هذه الفكرة وعمادنا في ذلك:
كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والسنة الصحيحة الثابتة.
والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة.
لا نبغي من وراء ذلك إلا إرضاء الله وحده وأداء الواجب وهداية البشر وإرشاد الناس".
ولو نظر بعض الدعاة وقاسوا أنفسهم على كلام الإمام- رحمه الله- لوجدوا أنه لربما قد قصَّر البعض منهم في هذه الواجبات نظرية كانت أم عملية.
فكم من مرةٍ وجدنا فيها أخًا لنا أو أختًا على معصية ولم ننصحه ولم نأخذ على يديه، فضلاً عن وضع الخطط والبرامج التي يجب أن نعمل بها لكسبهم والعمل على التأثير فيهم وإصلاحهم.
7- الكسل والراحة:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها البعض تكاسلهم عن القيام بأدوارهم ومهامهم الدعوية، وهو سلوكٌ لا ينبغي أن يتصف به الداعية الذي ارتضى لنفسه هذا الشرف العظيم يقول الإمام رحمه الله: "ويُخطئ مَن يظن أن جماعة الإخوان المسلمين دعاة كسلٍ أو إهمال، فالإخوان يُعلنون في كل أوقاتهم أن المسلم لا بد وأن يكون إمامًا في كل شيء، ولا يرضون بغير القيادة والعمل والجهاد والسبق في كل شيء، والتأخُّر في أية ناحيةٍ من النواحي ضار بفكرتنا مخالف لتعاليم ديننا..." (11).
وإلى هذه الفئة من الدعاة والتي ابتليت بذلك السلوك نُحذرهم من هذه الآفة التي ستؤخر دعوتهم، وتنقص من أجورهم، نقول لهم لا تكونوا ممن يتكلمون كثيرًا ولا يفعلون إلا القليل، لا تكونوا ممن يدَّعون النشاط والحركة ولم يُصاحب ذلك دليل أو بينة.
اعلموا أن هذا الكسل والراحة سيُلحق الضرر بدعوتكم لا محالة، وسيُعطل مشروعكم الإصلاحي الذي تنشدونه لهذه الأمة؛ لأنه بذلك الكسل لن تكونوا أئمةً في أي شيء، فضلاً عن كل شيء كما كان يتمنى الإمام رحمه الله.
وبهذا الكسل لن تستطيعوا أن تطوروا من إمكاناتكم، وقدراتكم فتؤخرون بذلك دعوتكم لاحتياجها إلى ذلك التطوير، وهذه القدرات لمواكبة التغيرات العالمية، وهذا الكسل سيعطل قدراتكم إن لم يقتلها.
8- عدم تحمُّل المسئولية:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الدعاة عدم تحمُّلهم للمسئولية، وعدم تقديرهم للظروف التي تمرُّ بها الأمة، وعدم إدراكهم لمتطلبات المرحلة التي يعيشون فيها واحتياجهم الدائم للمؤثر الخارجي، والمتابعة الدءوبة لإنجاز المهام المنوط بهم فعلها.
والشعور بالمسئولية أمرٌ لا بد منه لكل داعيةٍ نذر نفسه لله تعالى، وعاهد الله على العمل من أجل إعلاء كلمته، فأمثال هؤلاء هم الذين تُعقد عليهم الآمال، وتتعلق بهم الأماني.
والدعوة في مثل هذه الظروف في أمسِّ الحاجة إلى العناصر التي تتحرك ذاتيًّا وتتحمل مسئولياتها، ولا تنتظر التكليف الحركي حتى تنهض بمسئولياتها.
فمن مظاهر عدم تحمل المسئولية: عدم بذل الوسع من الجهد والطاقة عند القيام بالأعمال الدعوية، والاكتفاء بالحد الأدنى من الجهد.
ومن مظاهر عدم تحمل المسئولية: عدم الأخذ بأسباب النجاح وترك الأمور دون تخطيط أو تنظيم.
ومن مظاهر عدم تحمل المسئولية: انتظار التكليف حتى يبدأ الحركة، وحتى ينهض بأعبائه وواجباته.
9- رفض المراجعة والتصحيح:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها بعض الدعاة رفضهم مراجعة مواقفهم، وتصحيح أخطائهم، وهو سلوك غير صحي؛ لأن الداعية الحقيقي له في حياته محطات ووقفات يراجع فيها نفسه، ويصحح فيها مساره، حتى لا يسترسل في خطأ وقع فيه، أو هوى انساق إليه.
وما أحوج الدعاة في كل عصر ومصر أن ينتبهوا إلى حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو أصوب الناس رأيًا، وأرجحهم عقلاً، وأهداهم فكرًا حين يقول "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني" (12).
ومن صور رفض المراجعة والتصحيح: عدم الاستماع للنصيحة، أو عدم الأخذ بالشورى.
ومن صور رفض المراجعة والتصحيح: احتكار الرأي والفكرة، والإصرار عليها حتى وإن ظهرت معالم الفشل والانهيار لها.
ومن صور رفض المراجعة والتصحيح: اتخاذ البطانة التي تمدح ولا تنصح، تبرز المحاسن وتغض الطرف عن المساوئ، ففي الحديث "مَن ولاه الله عز وجل من أمر المسلمين شيئًا فأراد به خيرًا، جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكرَّه، وإن ذكر أعانه" (13).
ومن صور رفض المراجعة والتصحيح: الاعتداد بالرأي والتعصب له والقبول به، حتى وإن لاح له رأي آخر أعمق منه أثرًا، وأكثر منه نفعًا.
ومن صور رفض المراجعة والتصحيح: أن يظل الداعية أسير الأفكار القديمة، نافرًا من التجديد والتحديث، خشية الوقوع في الخطأ، أو بحجة أن القديم مُجرب.
10- رفض المشورة:
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يُصاب بها الدعاة: عدم طلبهم المشورة من الآخرين، واستئثارهم بآرائهم وفرضها عليهم في محيط الدعوة، بل وقد يرفضونها إذا عُرضت عليهم.
والدعوة إلى الله تحتاج إلى خبرات كثيرة، ولكي يصل الداعية إلى أفضل النتائج لا بد له من اتباع الشورى في منهجه، والنزول عليها وإن خالفت رأيه، بل لا بد له من سؤال أهل العلم والخبرة ممن سبقوه ومن المحيطين به.
ولعل الخوف من الاتهام بالجهل، وضعف المستوى، هو الذي يدفع البعض إلى رفض المشورة أو عدم طلبها من الآخرين.
والداعية في حاجة إلى المشورة مهما كان حجمه ووزنه الدعوي، فلا فرق في ذلك بين مسئول وغير مسئول أو صغير وكبير، فالداعية الموفق من رُزق البطانة الصالحة التي تشير عليه بالخير، وتُحيطه بنصحها ورعايتها، جاء في الحديث أنه"إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء: إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يُعنه" (14).
11- نماذج مضيئة:
هذا، وقدَّم دعاة دعوة الإخوان المسلمين نماذج فريدة في العطاء والتضحية، والبذل والإيثار، إنها دعوة جاهدت من أجل الإصلاح والتغيير حتى صارت آثار الخير تملأ آفاق المعمورة، وفي كل مكان تواجد فيه أبناؤها.
إنها دعوة تخرَّج منها رجال بحق ﴿.. صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).
إنها دعوة مهَّدَ رجالاتها لها طريقًا وسط الصخور والعراقيل بكل صدقٍ وصراحة وعزيمة وإصرار... فأعظم بهم من رجال.
إنها دعوة ضربت مثلاً حقيقيًّا، وتركت أثرًا ملموسًا في واقع الناس، شاهدوه بأعينهم قبل أن يسمعوه بآذانهم، أخذت بشمول الإسلام، فتركت بصمةً في كل مجال من مجالات الحياة لا ينكرها إلا حاقد عليها أو محارب لها، أو معاند لفكرتها.
إننا أمام دعوة أخذت على عاتقها حمل الأمانة، وأداء الرسالة، في وقتٍ تخلى فيه الناس عن حملها، وتحملوا في سبيل ذلك ما تحملوا، وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله لا يسألون الناس شيئًا من متاع الدنيا، بل كان رضا الله مبتغاهم، ودخول الجنة أسمى أمانيهم.
12- نماذج قابلة للتكرار:
خي القارئ لعلك تقول إن هذا الرعيل الأول من الصعب أن يتكرر، وهذه القمم العالية أنَّى نصل لها، إنهم كالنجوم في سماء هذه الدعوة المباركة.
وقد يكون كلامك صحيحًا، ولكن ألا توافقني أن هذا رأي الكسالى غير الطامحين، ألا تذكرك مواقفهم وثباتهم بمواقف الصحابة- رضوان الله عليهم-، ألا تذكر أن لحظاتٍ أتت على الواحد منا عند دراسة سيرة الدعوة الأولى ومدى الإيذاء الذي تعرَّض له صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلال بن رباح، وعبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرت، وغيرهم...
أتذكر هذه اللحظات وماذا كنا نردد يومها: ألم نقل إنهم صحابة رسول الله وأنَّى نكون أمثالهم في عبادتهم، في صبرهم، في جهادهم، في عطائهم... حتى جاء رجال هذه الدعوة المباركة وهم يضربون لنا إمكانية حدوث ذلك عندما يتمكَّن الإيمان من القلب، وعندما تقوى الصلة بالله وعندما تصبح الدنيا رخيصةً في الأعين.
وتكرار هذا ليس بالصعب- أخي الحبيب- شريطة أن تستيقظ القلوب وتحيا بالإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليها مما سواهما.
انظر حولك:
وإذا دققت النظر- أخي الكريم- ونظرت فيمَن حولك ستجد نماذج باهرة كانت قدوةً لغيرها، ومثالاً حيًّا تسعد النفس برؤيته، ويطمئن القلب بوجوده، لقد شاءت إرادة الله ألا تتوقف قافلة الدعاة إلى الله عن العمل للإسلام، وأن يظل الدعاة رافعين الراية حتى يُسلموها لمن خلفهم.
انظر حولك لترى نماذج اجتمعت في واحة الإسلام العظيم يتعالون فوق كل ما يخدش ويشين، متحلين بالجميل من الأخلاق، والحسن من السلوك.
انظر حولك لترى نماذج يعيشون في جنة الدنيا، قيم ومُثل قد أقاموها على أرض الواقع.
انظر حولك لترى نماذج باهرة من المتآخين المتحابين والذين تأكدت في علاقاتهم معالم وروابط الأخوة، والحب في الله والمساواة والتعاطف والتواد والتراحم.
انظر حولك لترى نماذج حيَّة تراها بأم عينك لأناس يؤثرون غيرهم على أنفسهم، يسهرون من أجل راحة إخوانهم، تراهم بجوارهم في كل فرحٍ يمر بهم، ويخففون عنهم من كل أَلَمٍ أَلَمَّ بهم.
انظر حولك لترى نماذج رائدة في العمل الاجتماعي، يخدمون الناس، ويُقدمون لهم ما يحتاجون، يسارعون لنجدتهم وقت شدتهم، ويُغيثونهم وقت لهفتهم، سعادتهم تراها وتلحظها على وجوههم عندما تُقضَى على أيديهم حوائجُ الناس.
انظر حولك لترى نماذج باهرة، تسر نفسك، وتسعد قلبك عندما تراهم يتقدمون الناس في الصفوف الأولى في الصلوات، تراهم سبَّاقين لصلاة الفجر وباقي الصلوات.
انظر حولك لترى منهم نماذج حيَّة في الذكر والدعاء والتبتل لله رب العالمين، لسانهم رطب بذكر الله، وقلوبهم وجلة خاشعة من خشية الله، تنظر إليهم وكأنك تنظر إلى أُناس من أهل الآخرة لا من أهل الدنيا، زُهَّاد عُبَّاد تعلقت قلوبهم بالإله فانشغلوا به عن الناس.
انظر حولك لترى نماذج حية في الدعوة إلى الله، والبذل والعطاء والتضحية.
انظر حولك لترى قومًا أسعد أوقاتهم تلك التي يقضونها في نشر الحق، وهداية الناس، ووعظ الغافلين.
انظر حولك لترى تلك النماذج الفريدة.. وعينك على نفسك تسأل الله أن يُعينك على أن تتشبه بهم في كل خيرٍ فعلوه، وفي كل حق اتبعوه.. وفي كل سلوكٍ حسنٍ سلكوه، وفي كل خلق طاهر تخلَّقوا به.
كانت تلك أخي الحبيب بعضًا من السلوكيات الخاطئة التي عرضناها، آملين في أن تكون من المحظورات التي يجب أن نتجنبها حتى نواصل المسير، ونستكمل الطريق، فنكون قدوةً كمن سبقونا، وعَلَمًا لمن بعدنا. نترك أثرًا طيبًا نُذكر به بعد الممات، فيُدعى لنا بظهر الغيب في وقتٍ نحن فيه في أمسِّ الحاجة إلى الدعاء.
وفقنا الله جميعًا لما يُحبه ويرضاه.
-------------
الهوامش
1- صحيح مسلم ح رقم (3509)
2- صحيح مسلم ح رقم (4831)
3- صحيح البخاري ح رقم (3338)
4- من صفات الداعية / محمد الصباغ (44-45)
5- قال النووي في أربعينه : هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح
6- صور مرفوضة فاحذرها أخي الداعية للدكتور مجدي الهلالي ص 23،24
7- صحيح الجامع ح(4580)
8- صحيح البخاري ح(2059)
9- صور مرفوضة فاحذرها أخي الداعية للدكتور مجدي الهلالي
10- صحيح البخاري ح (1832)
11- من رسالة إلى الشباب/ مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ص 180
12- صحيح البخاري ح(401)
13- صحيح سنن النسائي للألباني ح (3920)
14- صحيح سنن أبي داود ح (2544)