بقلم: عماد عجوة*
إنَّ مَن يتأمل تاريخ المسلمين يلاحظ أنهم لم يتحجروا كغيرهم في نظرتهم القدسية إلى الأماكن التي شادوها لممارسة عبادتهم؛ بل إنَّ اتباعَ النبي محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كانوا أكثر مرونةً وتحررًا وواقعية؛ ذلك أنهم جعلوا من مساجدهم مؤسساتٍ عامة يزاولون داخل جدرانها شئون حياتهم ويخططون تحت أروقتها، وإلى جانب سواريها تنظيم مجتمعهم للنهوض بمستوى شعوبهم والحفاظ على كيانهم.
فالمسجد عند المسلمين لا سيما في إبَّان العهود الغابرة يوم كان الدين الإسلامي دستورًا عمليًّا للحاكمين والمحكومين على حدٍّ سواء قبل أن يتحوَّل إلى ما هو عليه اليوم، إذ أصبح مجرد مكان لأداء الصلاة فقط، مع أن هذا المسجد كان في الماضي إلى جانب وظيفته كمكانٍ للتعبد والصلاة يؤدي في نفس الوقت رسالته الحضارية في مختلف وجوه النشاطات الإنسانية التي يعيشها البشر ويحتاجون إليها لما يعينهم في حياتهم منفردين ومجتمعين في آنٍ واحد، خاصةً النشاط العلمي الذي كان من الطبيعي أن يتخذ من المساجد مقرًّا منذ العصر النبوي، فكان النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يجلس في مسجده بالمدينة يُبصر الناس بشئون دينهم ودنياهم ويُفسر لهم القرآن الكريم ويجيب عن أسئلتهم وينظم لهم شئون حياتهم ويعقد ألويتهم الحربية بالمسجد.
ومع اتساع دائرة الحضارة الإسلامية وتطورها تجاوزت الرغبة في طلب العلم نطاق العلوم الدينية إلى غيرها من العلوم النقلية والعقلية، وأُضيفت ألوان جديدة من ضروب المعرفة، ولم يقتصر دور المسجد على ما قدَّم من نشاطاتٍ علمية واجتماعية وإنسانية، وإنما تجاوز كل ذلك، وأضاف إليه دورًا رئيسيًّا هو حفظ الكيان الإسلامي والبلاد الإسلامية من أن تجرفها التيارات المنحرفة أو تطغى عليها، وفي مجال الدفاع عن الأوطان فكان للمساجد وما يزال السهم الأوفر والقسط الأكبر في إماطة كابوس الاحتلالات الأجنبية عن كواهل المسلمين وبلادهم، هذا الدور الذي عبَّر عنه الكاتب الفرنسي جوستاف لابون في كتابه القيم "حضارة العرب" حيث يقول: إن المسجد مركز الحياة الحقيقي عند العرب، وهكذا ولدت بين جنبات المساجد الجامعات العلمية ومن أهم هذه المساجد:
الجامع الأزهر
هو أول جامع أُنشئ بمدينة القاهرة، وهو رابع جامع أنشئ للجمعة والجماعة بمصر، وقد شرع في بنائه القائد جوهر الصقلي عام 395هـ واستمرَّ بناؤه إلى عام 361هـ/972م ليكون المسجد الرسمي للدولة الفاطمية؛ وليكون معهدًا لفئةٍ معينةٍ من الطلاب لتعلم ونشر المذهب الشيعي، وعرف في البداية بجامعة القاهرة وبالجامع الأزهر المشتق من الزهراء، وهو لقب السيدة فاطمة ابنة النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وهي التي انتسب الخلفاء الفاطميون إليها، وهناك من علل التسمية إلى إنشاء القصور الزاهرة الفاطمية، وكانت مساحته عند إنشائه نصف مساحته الحالية ويتكون الجامع من أربعة أروقة يتوسطها صحن مكشوف.
ولبث الجامع الأزهر زُهاء قرنين من الزمان في عصر الفاطميين يتمتع بالرعاية الرسمية بوصفه مسجد الفاطميين وبصفته العلمية كمعهدٍ للقراءة والدرس، ولما قامت الدولة الأيوبية بعهد صلاح الدين الأيوبي عمدت إلى إبطال الدولة الفاطمية وإزالة كل آثارها المذهبية، وأبطل صلاة الجمعة في الجامع الأزهر بناءً على فتوى قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس بأنه لا يجوز إقامة خطبته للجمعة في بلدٍ واحد، فأبطل إقامة الجمعة بالجامع الأزهر وأقرها بجامع الحاكم بأمر الله بحجة أنه أوسع رحابًا، ورغم ذلك ظل الأزهر محتفظًا بكثير من هيبته العلمية كمسجد للدرس والقراءة حيث كان يضم من الطلاب العدد الكثير؛ وذلك لاتساع مجال الدراسة فيه وتنوعها.
وتحوَّل الجامع إلى حصن منيع للدفاع عن الاسلام وأصبح أكبر جامعة في عصره.
وفي العصر المملوكي وفي عهد السلطان بيبرس البندقداري اكتمل نشاط الجامع الأزهر بعودة صلاة الجمعة للمسجد سنة 567هـ/ 1171م وإحياء مآثره، والحق أن إعادة بيبرس صلاة الجمعة للجامع الأزهر وإعادته الأوقاف إليه كان رد اعتبار للأزهر واقترن بعلو مكانته العلمية أيضًا، وتمتع الأزهر برعاية السلاطين والأمراء، وغدا منذ أواخر القرن السابع الهجري كعبة الأساتذة والطلاب، وازدادت مكانته السياسية والتاريخية، وفي هذا دلالة على منزلة هذا الجامع الكبير وسمو مكانته في نفوس المسلمين حكامًا ومحكومين.