عندما أغضب من زوجي أصمت عنه، ولا أتحاور معه، أظل في بيتي أؤدي ما علي من واجبات منزلية، أرعاه وأرعى الصغار، وأدور كنحلةٍ دؤوبٍ في أرجاء البيت، أنظف وأرتب، وأطهو وكأنني لست غاضبةً من شريكي، فالتعبير الوحيد عن الغضب عندي هو عدم محاورة مَن أساء إلي؛ لأن الحوار الحميم الدافئ المتدفق هو أصدق دلائل الوفاق بين اثنين جمعهما الله بكلمته تحت سقف واحد، أما تجمد الحوار، ووقوف الكلمات في منتصف الحلوق، وتوقف سيل تدفقها فهو- أيضًا- أبلغ دليل على أن في النفوس شيئًا، وأن الصدور بها مساحات من عدم الرضا عن بعض تصرفات وكلمات رفيق العمر.

 

وردود أفعال الغضب بين الأزواج تتفاوت وتختلف، ولكنها تشترك جميعًا في أنها تنفيس عن شحنة نفسية مكبوتة، وقد يورث رد الفعل مزيدًا من التباعد والنفور، وربما كان سببًا في كثير من التقارب والانسجام، والعبرة هنا بذكاء الزوجين وكياستهما، ودرجة حرصهما على حسن العشرة.

 

وهناك أزواج يغضبون فيحرمون أسرهم من قوامتهم المادية، ويتوقفون عن دفع مصروفات المنزل في ممارسةٍ كريهةٍ لما يشبه الحصار الاقتصادي وسياسة التجويع، لإذلال الزوجة ولي دراعها وإجبارها على ما يريده الزوج، مهما كان متنافيًا مع أبسط مبادئ الشرع، والعلاقات والإنسانية، ومتعارضًا مع مبادئ الحقوق الزوجية.

 

آخرون يصمتون إذا غضبوا، ولا يعقلون، وتتعجب الزوجة وتمتن لدماثة زوجها، ولكنها لا تدرك سر الصمت وسر تمرير زوجها للعاصفة، وعدم التطرق إليها معها، ولو حتى لومًا وعتابًا، وتمر الأيام وفي موقف حاسم تحتاج فيه الزوجة إلى الحماية والأمان، ينظر إليها باستعلاء ويتخلى عنها، وحين تسأل عن السبب يأتي الرد كصاعقة: لأنني كنت غاضبًا منك وادخرت غضبي!

 

وتعرف الزوجة وقتها أن الصمت لم يكن تسامحًا ولا سعةَ صدر، ولكنه كان صمت الإعداد للثأر والانتقام، وهدوء ما قبل العاصفة.

 

وهناك أزواج يغادرون البيت، أو يضربون نساءهن أو يشوهون صورة هؤلاء النساء عند أطفالهن، ليصبح الغضب الواحد سيلاً هادرًا لا يوقفه شيء.

 

أما النساء فلغضبهن قصة أخرى، يغضبن فيغادرن بيوتهن، وربما تركن الصغار ليتحمل الزوج مسئوليتهم فيشعر بقيمة المرأة التي حملت عنه هذا العبء سنوات طويلة، وفي التراث العامي يعبر عمن خرجت من بيتها بأنها غضبانة وأخريات يعتصمن في منازلهن ويتجاهلن الزوج، ويهملن جميع واجباتهن لتصل الرسالة واضحةً جليةً "أنا غاضبة حتى إشعار آخر"!!

 

وقليلات مَن يعشن اللحظة، ويكن بنات يومهن، ويقلنها لأنفسهن بصدق ورحابة صدر: كان هناك غضب وكدر منذ ساعة، فليكن الرضا والصفاء الآن.

 

إن الغضب بين الزوجين إحساس مشروع وحالة مزاجية تعتري كليهما لأسباب خاصة وعامة: ضغوط الحياة، مسئوليات العمل، القضايا المعلقة في الحياة الزوجية، دسائس الجيران، تدخلات الأهل، وحتى لو كان سبب الغضب بعيدًا عن شريك الحياة، فإننا لا نجد أمامنا سواه لكي ننفض على بابه غبار الغضب فنثور، ونحتد ونتوقع منه التحمل والمشاطرة.

 

ومن المهم أن يتم التعبير عن هذا الغضب، والأهم كيف؟ وألا يكون هذا التعبير وسيلةً لتنغيص الحياة وتكديرها ولكن لتطهيرها من جميع أسباب الغضب أولاً بأول، فحين يدرك أحد الزوجين أن الآخر غاضب منه لسبب ما، فإن الموقف الذي يتسق مع الأخلاق الكريمة حينئذ أن يبادر بتجنب ما أغضب شريكه، ولا يتمادى فيع استعراضًا للقوة وزعمًا للتمييز.

 

علينا فقط حين نغضب من شركائنا، أن نتحلى بحكمة الغضب ولا نمزق كل الخيوط دفعة واحدة.

 

فالحياة الزوجية التي تمزقت ورتقها الزوجان لاعتباراتٍ أخرى غير الرغبة الأكيدة في الاستمرار معًا، هي حياة تحمل بداخلها أسباب فشلها وانهيارها، وإذا كان الغضب مشروعًا فالمحظور أن يصبح جامحًا فيجرف في طريقه كل شيء ولا يبقى سوى الإحساس بالحسرة والندم.

 

وحين نتأمل قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لا تغضب" ندرك كم المصائب التي يمكن أن تورثها لحظة غضب، ولكن حين نعجز عن تجنب تلك اللحظة، فالحد الأدنى ألا نجعلها أطول من ذلك، وألا ننفخ فيها بجهلٍ وعنادٍ لتصبح عمرًا كاملاً من الغضب.

 

فلنغضب ولنصمت، صمت التغافر والتغاضي، أو تعريةً للعيوب أو معايرةً بالنقائص.. لنغضب دون أن نقصر في واجباتنا قربى لله، ودون أن نعاقب شركاءنا سوى بالسكوت الجميل، وقطع حبل الحديث الودود حتى تزول غمة الغضب.

 

لنغضب فننتظر اعتذارًا علميًا ممن أغضبونا دون أن نجبرهم على التذلل باعتذار لفظي.
الغضب عضو من جسد الزواج، وبوسعنا أن نجعله عضوًا زائدًا بلا دور ولا ضرورة ونستأصله في غرفة عمليات التسامح، والرحمة والتماس الأعذار.