بقلم: أحمد محسن

بعد حديثٍ طويلٍ على صفحات الجرائد ذهبتُ لمشاهدة مسرحية الشفرة قبل عرضها، وما إذا كانت تُصنف تحت (المسرح الملتزم) أو (المسرح الإسلامي) أو أنها مجرد مسرحية سياسية جادة.

 

وبعد أقاويل ترددت عن تأجيل افتتاح المسرحية أكثر من مرة والأسباب التي تقف وراء هذا التأخير، وهل يرجع إلى الرقابة وعدم موافقتها على بعض ما في المسرحية وطلبها تغيير الاسم من (ارفع إيدك) إلى (الشفرة) وطلبها حذف اسم مصر من المسرحية بصورةٍ تامةٍ حتى لا تبدو أنَّ أجواء النص تدور في مصر أم أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون تأجيلاً من القائمين على العمل حتى يخرج في أفضل صورة؟.

 

ما المشكلة؟!

قراءة المسرحية تبدأ من عند الكاتب أحمد مرسي- خريج كلية الهندسة- الذي قدَّم من قبل (اصحوا يا بشر) و(فيتنام 2)، ويبدو أنه يتخذ خطًّا عامًّا يمشي من خلاله، فمسرحياته تتحدث عن العراق وفلسطين ثم نجدها الآن تقترب من مصر بشدة، وهي تتميز بصفةٍ عامةٍ بأنها مسرحيات جادة وتناقش قضايا ربما لا يقترب منها الكثيرون الآن.

 

لكنها في نفس الوقت تُثير الكثير من الأزمات بسبب عدم ظهور أي شخصيةٍ نسائيةٍ على المسرح حتى الآن!! أحمد مرسي قال في حوار معه إنه (لا يرفض هذا الظهور من ناحية المبدأ، لكن يتبقى فقط استكمال وبلورة الضوابط الذي تحكم هذا الظهور).

 

مسرحية الشفرة تعتمد على فكرة الحاكم الظالم الذي يكتشف في بداية المسرحية أن بلده التي يحكمها تتعرض للاحتلال والاستغلال بصورةٍ غير مباشرة من خلال تقرير يأتيه من أحد المواطنين يخبره فيه بأن المعاهدة التي سوف يقوم بتوقيعها مع دولة (روبوتيكا) سوف تؤدي إلى القضاء على البلد نهائيًّا.. فيصحو ضميره ويقرر أن يقاوم هذا الاستغلال، في نفس الوقت تعلم دولة (روبوتيكا) بهذا فتقرر أن تستغل أحد المثقفين الذين وضعهم الحاكم في مستشفى الأمراض العقلية وتعقد معه اتفاقًا على أن تخرجه من المستشفى وتنصبه حاكمًا على البلد في مقابل أن يوافق على المعاهدة، وبالفعل يوافق المثقف ويقرر البرلمان في هذا البلد رفع الثقة عن حاكمِ البلد الفعلي ويطالب بإجراء انتخابات رئاسية بين الرئيس الحالي وبين المثقف.

 

ومن خلال حوار يدور بين حاكم البلد والمثقف يطلب فيه الحاكم من المثقف أن يقف معه ضد هذا الاستغلال الذي سوف يحدث في البلد نتيجة هذه المعاهدة وألا يرشح المثقف نفسه في الانتخابات، لكن المثقف يرفض هذا العرض، لكن بعد أن يتنحَّى الرئيس فعليًّا عن الرئاسة ويتم تنصيب المثقف على رئاسة البلد برضا دولة (روبوتيكا)؛ حيث تعلن رضاها عن الرئيس الجديد ورضاها عن كلِّ قراراته التي سوف يتخذها، يقرر المثقف أن يرفض المعاهدة وأن يعيد الرئيس إلى رئاسة البلاد، وأن يقف مع الرئيس في مواجهة دولة (روبوتيكا).

 

ويبدأ تعاون المثقف والرئيس لمواجهه جيش احتلال دوله (روبوتيكا) من خلال إعادة إيقاظ الشعب لهذا الخطر ومحاولة حثهم على المقاومة، لكنهم من خلال احتكاكهم بالشعب يكتشف (المثقف والرئيس) أن الشعب- من خلال الشاب المهتم بالكرة والشيخ المهتم بتأليف الأغاني وسكرتير الرئيس- مغيب تمامًا عن القضية، وأنه غير معني بالمرة إذا كان الذي يحكمهم هو حاكم وطني ظالم من بني جلدتهم أو حاكم أجنبي من الخارج، فالكل عندهم سيان ولا فرق بينهم، ومن ثم يظهر التساءل (وهي إيه المشكلة؟).

 

الشفرة

المسرحية تناقش فكرةً تترد دائمًا على ألسنة العامة الآن من أنه ليس هناك فرق بين حاكم وطني يحكمني ويظلمني وبين أن يحكمني أجنبي يظلمني أيضًا، فأنا مظلوم في كلتا الحالتين فلماذا يجب عليَّ أن أقف ضد هذا المحتل؟ هذه الفكرة استطاع المؤلف أن يُثيرها وبقوةٍ من خلال المسرحية، ومن خلال حوارات بين أكثر من وجهة نظر؛ بل إنه في نهاية المسرحية جعل الحوار يدور بين الحاكم اليائس من إمكانية الوقوف في وجه المحتل وفي أن ينهض الشعب ويفيق من غفلته وبين المثقف الذي لا يزال يتمسك بالأمل وسط جماهير المسرح نفسه وليس على خشبةِ المسرح.

 

وجعل الحوار يبدو وكأنَّ الحديث موجه إلى المشاهدين بطريقةٍ مباشرةٍ لينقلب المشاهد في نهاية المسرحية ويصبح جزءًا رئيسيًّا من العرض، ويجب أن يتخذ موقفًا إما أن (يرفع يده) ويعلن أنه ما زال لديه الأمل أو أن يظل يشاهد العرض وكأنَّ شيئًا لا يحدث حوله!.

 

المسرحية رغم أنها اتسمت بالبساطة في بدايتها وفي تسارع الأحداث بدون أي تبريراتٍ منطقية إلا أنها في نهايتها اتخذت طابع العمق الشديد والقوة في التناول من خلال استنهاض المشاهدين وحثهم على اتخاذ موقفٍ جدي وحقيقي مما يدور حولهم.. هذه الطريقة عادت بالسلب على بعض المشاهدين عندما أصبح واضحًا أن الخطاب يوجهه لهم بصورةٍ واضحةٍ وقوية- لكن بطريقةٍ غير مباشرة- لم يكن يعتقد أنه سيواجهها من خلال مسرحية.

 

الديكور بصفةٍ عامة كان بسيطًا لكنه لم يكن يعطي إحساسًا بالراحة ولا أدري إن كان هذا متعمدًا أم لا؟! إلا أن ديكور المنطقة القديمة في المدينة كان الاستثناء في ذلك؛ حيث تميَّز بالبساطة والرمزية الشديدة؛ حيث كان يحمل الكثير من الدلالات والمعاني التي تصل بسهولة إلى المشاهد من خلال التلفاز وصور المآذن والجوامع في الخلفية.

 

المسرحية تميَّزت بصفةٍ عامةٍ بأنها مباشرة والرمزية بها تستطيع فهمها بسهولة وكأنَّ المؤلف يريد أن تصل الرسالة إلى المشاهد بسهولةٍ وبدون أي تعقيداتٍ أو صعوبة في الفهم. وكأنَّ المرحلةَ التي نمر بها لم تعد تستدعي الخطاب الموارب أو المرمز، كما أنها تتحدث عن واقعنا الذي نعيشه وتستخدم لذلك مجموعة من الممثلين الشباب والوجوه الجديدة الذين لا تشعر معهم بأنهم يقومون بأداء دورٍ بقدر أنهم يتحركون بطبيعتهم وكأنهم فعلاً هم هذه الشخصيات سواء كانت الشخصيات السلبية التي تعيش بيننا أو تلك الشخصيات الراغبة في الإصلاح لكنها تواجه بالكثير من المعوقات والإحباطات.