بقلم: د. عمرو الشيخ

 الصورة غير متاحة
أنَّى للقلم أن يحيط بفيض لا ينتهي مدده، وأنَّى للقول أن يلم بمدى لا يدرك أمده..

وأنَّى للعقول أن تتطاول إلى إدراك معنى جعله الله أسمى من متناول العقول والأفهام..
بهذه الكلمات التي بدأ بها الإمام البنا ذات يوم حديثه عن النبي الأعظم نبدأ، ومن جوانب عظمته التي يعجز عقلي عن الإحاطة بها نقتبس صورةً من هذه الصور الباهرة المضيئة المشرقة ونهديها لكل الصامدين في وجه الطغيان الثابتين على طريق الحق والخير والإيمان، لم تفتَّ المعتقلات في عضدهم ولم تؤثِّر فيهم مصادرةُ أموالهم وممتلكاتهم.

 

إلى المقتدين بالصامد الأعظم على طريق الدعوة.. نقدم لهم صورةً من صور صموده- صلى الله عليه وسلم- علَّها تكون بلسمًا شافيًا، ونسمةً حانيةً في هجير الحياة فإلى هذه الصورة التي أصبحت طودًا لا يتزعزع، شامخًا لا يتزلزل، لا ترهبه الأزمات، ولا تهزُّه الحوادث والملمَّات.

 

إنسان نذَر حياته لدعوة ليس له فيها أي مغنم شخصي من ثراء أو منصب أو جاه أو نفوذ، حتى الخلود التاريخي لشخصه لم يكن في حسابه لأنه لا يؤمن إلا بخلود عند الله.. ها هو ذا محمد قبل رسالته، وها هو ذا بعد رسالته.. ها هو ذا والمهد يستقبله، ثم ها هو ذا وفراش الموت يدثره، هل ترى العين في طول حياته وعرضها من تفاوت؟! هكذا يتساءل في تعجب الكاتب الراحل خالد محمد خالد- رحمه الله أبدًا.

 

والآن لنقف قليلاً على مقربة من السنين الأولى لرسالته، فتلك سنواتٌ قلَّما نجد لها في تاريخ الثبات والصدق والعظمة نظيرًا!!

 

وتلك السنوات كشفت أكثر من سواها عن كل مزايا معلم البشرية وهاديها!! وتلك السنوات كانت فاتحة الكتاب الحيّ.. كتاب حياته وبطولاته.. بل كانت قبل سواها وأكثر من سواها مهدَ معجزاته!! هناك عبر تلك السنوات ورسول الله وحيد أعزل قد غادر كل ما كان فيه من راحة وأمن واستقرار، وخرج للناس بما لا يألفون بل قولوا بما يكرهون.

 

لقد خرج عليهم يوجه كلماته إلى عقولهم، وما أشق مهمة مَنْ يوجه خطابه إلى عقول الجماهير بدلاً من عواطفها، ومحمد رسول الله لم يفعل هذا فحسب، فقد تهُون عقبى توجيه الخطاب إلى العقول إذا كنت تقف مع الناس داخل دائرة العرف المشترك والأمل المشترك، أما حين تناديهم من مستقبل بعيد، تبصره ولا يبصرونه، وتعيش فيه ولا يدركونه، أجل.. حين تخاطب عقولهم وتنهض لتهدم أسس حياتهم من قواعدها مخلصًا أمينًا، لا يحفزك غرض ولا مجد ولا هوى، فهنا المخاطرة التي لا يقدر عليها إلا أولو العزم من الأبرار والمرسلين!! ولقد كان الرسول بطل هذا الموقف وأستاذه العظيم.

 

لقد كانت عبادة الأصنام هي العبادة وشعائرها هي الدين ولم يلجأ الرسول للمناورة- أية مناورة- إن وعورة الطريق وفداحة العبء كانا يشفعان له لو أنه استعمل ذكاءه النادر في تهيئة الأنفس قبل أن يفاجئها بكلمة التوحيد، كان في وسعه، وكان من حقه أن يمهد لعزل المجتمع عن معتقداته التي يتوارثها عبر مئات السنين، فيبدأ بحركة تطويق والتفاف، بعيدة قدر المستطاع عن تلك المواجهة الصاعقة التي يعلم أنها ستحرك ضده من أول لحظة كل أحقاد قومه، وستشحذ ضده من أول لحظة كل ما معهم من سلاح، ولكنه لم يفعل، وهذه آية أنه رسول سمع صوت السماء داخل قلبه يقول له قم، فقام وبلغ فبلغ، في غير مداجاةٍ وفي غير هروب!! لقد واجههم من اللحظة الأولى بجوهر الرسالة ولباب القضية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: من الآية 158) إن هذه الأصنام لغو باطل، لا تملك لكم ضرًّا ولا نفعًا.

 

من اللحظة الأولى واجههم بهذه الكلمات المبينة المسفرة ومن اللحظة الأولى واجه المعركة القاسية التي سيكتب عليه أن يخوضها حتى يغادر الحيا