https://ikhwanonline.com/article/266140
الجمعة ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - 30 يناير 2026 م - الساعة 04:42 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
زاد الداعية

نحو إصلاح القلب

نحو إصلاح القلب
الاثنين 5 يناير 2026 12:10 م
بقلم: د. أحمد عبد الهادي شاهين حمودة

ما هو القلب؟ ولماذا نركز على إصلاحه؟

القلب: هو عمق الشيء، أو هو ما يدل على خالص الشيء وشريفه، وليس المقصود بالقلب هنا العضلة الصنوبرية التي في داخل الصدر، وإنما المقصود موضع الفقه والفهم.

 

فالقلب: أخلص شيء في الإنسان، وأشرفه، وأرفعه، وهو ملك الأعضاء، والباقي جنود له، فإذا كانت حركة الجسد والأعضاء تابعة لحركة القلب فلا يملكون مخالفته، فإذا صلح القلب صلحت حركة الجسد كله، والعكس، فإذا كان الملك صالحاً كانت الجنود صالحة، والعكس.

 

 

 

 د. أحمد عبد الهادي شاهين حمودة

قال بعض العلماء: القلب مقر الإيمان، والصدر: محل الإسلام، والفؤاد مشرق المشاهدات، واللب: مقام التوحيد الحقيقي. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

 

هل من المعقول أن تحمل قلبًا لا تعرف أصحيح هو أم مريض، أحي هو أم ميت؟!

 

1- لماذا نركز على إصلاح القلب:

(أ) لأنه  أشرف ما في الإنسان، والقيِّم على الجوارح، وبصلاحه تنصلح الأعمال، وبفساده تفسد الأعمال، وفي الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب".

 

وعندما ذبح لقمان عليه السلام شاةً، وقال له سيده: ائتني بأطيب ما فيها؟ فأتاه بالقلب واللسان، ثم ذبح أخرى فقال سيده: ائتني بأخبث ما فيها؟ فأتاه بالقلب واللسان، فالقلب واللسان إذا صلحا صلحت بقية الأعضاء، والعكس صحيح.

 

(ب) لأنه موضع نظر الله من العبد، وفي الحديث: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم [وأشار بأصابعه إلى صدره]، وأعمالكم" (أخرجه مسلم وغيره).

 

(جـ) ولأنه مصدر الفقه عن الله،  قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).

 

(د) ولأن سلامته من أسباب النجاة في الآخرة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88- 89)، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (ق: 31 و33).

 

(هـ) ولأن القلب موضع تغيُّر وتقلُّب، فلا يستقر على حالة واحدة، ما لم يكن صاحبه على خطر شديد، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 24).

 

وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: 110).

 

فالقلب يتقلب ويتحول بالخير والشر والإيمان والكفر.

ما سمِّي القلب إلا من تقلبه         فاحذر على القلب من قلب وتحويل

وكان صلى الله عليه وسلم يقسم فيقول: "لا ومقلب القلوب" (رواه البخاري)، ومن أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، فقيل له في ذلك فقال: "إنه ليس آدميٌّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ" (حديث حسن).

 

نسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على الإيمان والتوحيد.

2- سلامة القلب:

درجات الناس تتفاوت في الحياة، وكذلك القلوب تتفاوت أيضًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32).

 

القلب السليم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)﴾ (الصافات)والقلب السليم هو الذي سلم من الكفر، والنفاق، والشك، والحقد، والحسد، والبغضاء، والشحناء.. عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان"، قالوا صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" (صحيح)، فأفضل الناس عند الله هو صاحب القلب السليم الذي لا يحمل أي أذى للمسلمين جميعًا.

 

إنه الإيمان الصادق.. هو الذي قذفه الله في قلبه لما وجد فيه من الصدق والتجرد والعمل للدين.. يقول ابن مسعود: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد"، فأفضل القلوب بعد قلب النبي صلى الله عليه وسلم هو قلوب الصحابة على الإطلاق.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة.." [قصة مشهورة لسعد بن مالك] كان يبيت على فراشه، ولا يحمل حقدًا لواحد من المسلمين، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو يعيش في هذه الحياة الدنيا.

 

3- العلاقة بين سلامة القلب والإيمان

إن القلب السليم هو موضع الإيمان الصادق من الله تعالى، قال العلماء: الإيمان نور يقذفه الله في قلب من أحب من عباده.. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 14)، فالأعراب كان إسلامهم باللسان، ولم يذوقوا بعدُ حلاوة الإيمان، فعاتبهم الله تعالى، بأن يقولوا أسلمنا، ولا يقولوا آمنا؛ لأنهم لم يبلغوا هذه الدرجة الحقيقية من الإيمان.

 

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: 18).. هنا لما اطلع الله على قلوب الصحابة، ووجد فيها صدق الإيمان والتضحية؛ فكافأهم بنزول الطمأنينة والسكينة والنصر والفتح والتمكين.

 

فأقوى ما في الوجود قلب المؤمن وفي الحديث "لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالت: يا ربنا.. هل خلقت أشدَّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشدَّ من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشدَّ من النار، قال: الماء، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشدَّ من الماء؟ قال: الريح، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الريح؟! قال: ابن آدم.. إذا تصدَّق بصدقة بيمينه فأخفاها من شماله".

 

ومن النماذج القوية على الإيمان الصادق، أنه يصنع المستحيل ولا يبالى بالصعاب، (سحرة فرعون) كانوا في أول النهار كفارًا أشرارًا، جاءوا من أجل المال والعطاء والمنصب، فلما اكتشفوا الحقيقة، دخلوا في الإسلام، ولم يبالوا بتهديدات فرعون ووعيده، وأمسَوا في آخر النهار شهداء بررة، وقالوا ما حكاه القرآن عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: 72، 73).

 

كما أننا نتطرق لنوعين من القلوب، حتى نحذر من أن نكون من أحدهما، وأبرز الأمور التي تؤدى إلى قسوة القلب، وعلاج فساد القلب.

 

أنواع القلوب

- قلب الكافر:

قلب الكافر: قلب أغلف مربوط على غلافه، أي قلب مغلق فلا يستمع للحق، ولا يقبل الهداية، لذلك قال الله تعالى فى وصفه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 6، 7).

 

ولا شك أن الكفر يصنع غطاءً على القلب فلا يستطيع الفهم الصحيح لأمور الدين قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)﴾ (فصلت).

 

وإذا علم شيئًا فهو يعلم الأمور المادية الظاهرة، ويجهل بواطن الأمور وحقائقها قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾ (الروم).

 

وبسبب تراكم الذنوب والمعاصي على القلب، صنعت طبقة من الصدأ الذي لا يجلوه إلا الإيمان الصادق بالله تعالى.. قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) (المطففين). 

 

إن المقدمة مرتبطة بالنتيجة في الخير والشر والإيمان والكفر قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)﴾ (البقرة) وقال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155)﴾ (النساء).

 

فالختم والطبع والأكنَّة كلها نتيجة لإغلاق القلب عن سماع الحق والتكبر والإعراض عن طلب الهداية.

 

- قلب المنافق:

لقد أجمل الله تعالى في وصف الكافرين في آيتين، أو فصل في المنافقين في ثلاثة عشر آية لخطورتهم؛ لأن أمرهم يشتبه على كثير من الناس، المنافق هو الذي يُظهر خلاف ما ببطن، فيظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويقول بلسانه خلاف ما يضمر في قلبه.. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 8- 12)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾ (البقرة)، فقلب المنافق المريض ينعكس على سلوك صاحبه في القلق، والاضطراب، والحيرة، وغياب الطمأنينة والسكينة، فلا يشعر بالراحة أو السعادة.

 

وينقسم النفاق إلى قسمين:

(أ) نفاق اعتقادي: وهو يخلد صاحبه في النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)﴾ (النساء).

 

(ب) نفاق عملي: وهو من أكبر الذنوب قال صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".

 

فقد يكون أحد الناس يحمل صفة أو صفتين أو صفات من النفاق؛ فهو على خطر عظيم إذا لم يَتُبْ من هذه الأخلاق المريضة قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)﴾ (النساء).

 

بعض الأمور التي تؤدي إلى قسوة القلب

أ- كثرة الذنوب والمعاصي؛ حيث تكون سمومًا قاتلةً تقتل الإيمان، وتجلب القسوة، قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾ (المطففين).

 

قال عبد الله بن مبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب                   وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب                    فخير لنفسك عصيانها

 

ب- كثرة الكلام، والإسراف في الطعام، وكثرة المنام، والمخالطة للأنام:

فالشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فكثرة هذه المباحات تؤدي إلى قسوة القلب، والمطلوب الاعتدال والتوسط في كل شيء.

 

لا ينصلح حال القلب إلا بأمرين: التخلية والتحلية..

أولاً: التخلية: أي تخلية القلب من كل العوائق التي تقف في طريقه إلى الله تعالى، مثل الأمور السابقة.

 

ثانيًا: التحلية: أي تحلية القلب بالعمل الصالح الذي يؤدي إلى سلامته وصلاحه وخشوعه لله تعالى.

 

من وسائل العلاج لإصلاح القلب

أ- الدعاء: أن يتوجه العبد إلى الله تعالى بالدعاء والمواظبة عليه، فيسأله إصلاح قلبه، وأن يجعله قلبًا نظيفًا سليمًا خاليًا من أمراض الحقد والحسد والطمع والجشع.

 

ومن أدعية الصالحين في القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)﴾ (آل عمران).

 

فدائمًا يطلب المسلم العون من الله تعالى في إصلاح كل أموره من منطلق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾ (الفاتحة).

 

ب- مداومة الذكر والاستغفار: حيث ينتقل الذكر من اللسان إلى القلب، فيكسبه طمأنينةً وسكينةً، ويشعر العبد بالراحة النفسية والسعادة الشخصية، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).

 

جـ- قراءة القرآن: حيث تنعكس هذه القراءة على القلب، فتزيل عنه الران، والصدأ الذي يعلوه، فيتوجه القلب كله إلى الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾ (الحديد)، وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾ (الزمر).

 

د- تذكر الموت والدار الآخرة: فتذكر العبد للموت والدار الآخرة يجعله زاهدًا في الدنيا، قانعًا بما أعطاه الله من مال ورزق، فيجعل همه في مرضاة الله، فيجمع الله عليه شمله، وفي الحديث: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة".

 

هـ- القناعة والرضا بما قسم الله وعدم النظر إلى ما في أيدي الآخرين: إذا أراد العبد الخير لنفسه فلا يتطلع إلى ما في أيدي الآخرين من نعم الله عليهم؛ ففي أمور الدين عليه أن ينظر إلى من هو أعلى منه، وفي أمور الدنيا عليه أن ينظر إلى من هو أقل منه، وإذا رأيت أخاك في نعمة فلا تتمنَّ زوالها عنه، أو تحاربه في زوالها، وإنما قل: اللهم اجعل لي مثل أخي وزده، وفي الحديث: "ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس" وفي الحديث أيضًا: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".

 

وفي النهاية إن علامة القلب السليم هو تعظيم الله، وشعائره، وعبادته، والتمسك بالحلال، والبعد عن الحرام، وعن كل ما يغضب الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾ (الحج).

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أصحاب القلوب السليمة، التي تعظم شعائره سبحانه وتعالى، وحتى ندخل رمضان وقد صفت نفوسنا وحيَت قلوبنا.

 

وفي النهاية.. كن حريصًا على قلبك، فاحرص عليه أن يكون لله؛ لأن القلب لا بد له من ساكن، إما أن يسكنه الرحمن، وإما أن يسكنه الشيطان، فاختر لقلبك أن يكون من أولياء الرحمن.

-------------

* أستاذ الدعوة والأديان بكلية أصول الدين والدعوة- جامعة الأزهر الشريف.