بقلم: د. توفيق علي مراد زبادي

قصة أسرة زكريا عليه السلام

حين تضيق الأسبابُ، وتشيخ الآمالُ في مقاييس البشر؛ يفتحُ اللهُ لعباده بابًا آخر لا يُغلق، وفي قصة أسرة زكريا عليه السلام تتجلّى سنن الله عز وجل حين تُستَحضر الربوبية، ويُستَدرّ الفيض الإلهي بالدعاء الصادق؛ فتتحول الشيخوخة والعقم إلى ميدان لظهور الكرم الإلهي، وسعة السمع، وعظمة الهبة، وبقاء الإرث الحق. إنها قصة لا تُروى للتاريخ، بل لتجديد الثقة بالله حين تنقطع الأسباب.

التعريف بزكريا     عليه السلام

هو نبي الله زكريا، أبو نبي الله يحيى عليهما السلام، من بني إسرائيل، وينتسب لنبي الله يعقوب عليه السلام كما يفهم من قوله تعالى: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:6]

وقد ذُكِرَ أنه من ذرية سليمان بن داود عليهما السلام، وذُكِرَ أنه من ولد داود، وكانت تحته أخت مريم بنت عمران أم عيسى، وكان يحيى وعيسى – عليهما السلام ابني خالة، وكَفَلَ زكريا uمريم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (كان زكريّا نجَّارًا)([1]).

زكريا u يَبُثُُ شكوَّاه إلى ربه الرحيم:

{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:4].

وحين يَهُن العظمُ؛ يكون الجسمُ كله قد وَهِنَ؛ فالعظم هو أصلب ما فيه، وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه. ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبًا. والتعبير القرآني يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأس كله كأنما تشمله هذه النار المشتعلة، فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد.

ووهن العظم، واشتعال الرأس شيبًا كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يَعْرِض عليه حالَه ورجاءه.

والمكروب يستريح إلى البث، ويحتاج إلى الشكوى، واللّه الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر؛ فيستحب لهم أن يدعوه، وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم؛ ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق، ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر، وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يُضَام من يلجأ إليه، ولا يُخَيِّب من يتوكل عليه.

عادة الرب الرحيم مع عبده زكريا:

وتأمل قوله تعالى: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:4] يعترف بأن اللّه قد عوده أن يستجيب إليه إذا دعاه، فلم يَشْقَ مع دعائه لربه، وهو في فتوته وقوته؛ فما أحوجه الآن في هرمه وكبره أن يستجيب اللّه له، ويتم نعمته عليه.

ما شكواه التي بثها لمولاه؟

لم يكن له من ذريته من يملك تربيته وإعداده؛ لوراثته وخلافته؛ ذلك ما يخشاه، فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح، الذي يُحْسِن الوراثةَ، ويُحْسِن القيامَ على تراثه، وتراث النبوة من آبائه وأجداده: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم:6]، ولا ينسى زكريا، النبي الصالح، أن يصوَّرَ أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبره: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:6]، والرَضَي الذي يَرْضَى ويُرْضِي ويَنْشُر الرضى فيما حوله ومن حوله.

وتأمل لحظة الاستجابة في رعاية وعطف ورضى؛ فالرب ينادي عبده من الملأ الأعلى ويعجل له البشرى: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم:7]، ويغمره بالعطف؛ فيختار له اسم الغلام الذي بشَّره به {اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم:7]، وهذه عادة الرب الكريم مع عباده يعطيهم ما يرجون ويزيدهم عليه من فضله.

إنه فيض الكرم الإلهي؛ يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة، وناجاه في خفية، وكشف له عما يخشى، وتوجه إليه فيما يرجو.

وهو فيض لا ينقطع عن عباده؛ إذا أخذ العبدُ بأسبابه، واقتدى بنبي الله زكريا u.

فيا من كانت حالك كحال زكريا u اللّهُ هو الذي جعل العاقر لا تلد، وجعل الشيخ الفاني لا ينسل، وهو قادر على إصلاح العاقر، وإزالة سبب العقم، وتجديد قوة الإخصاب في الرجل؛ فالجأ إلى مولاك فهو القادر على تحقيق رجائك، وعش مع وعده سبحانه {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم:9]، تغنم.

كن عالي الهمة في الطلب:

{فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:6].

تذكر دائمًا أمتك وما تحتاجه في زمانك من رجال يحملون الأمانة الكبرى، وادع الله أن يكون من نسلك من ينهض بها في قوة وعزم، لا يضعف ولا يتهاون، ولا يتراجع عن تكاليفها.

أسماء الله الحسنى في قصة زكريا u:

الرب - الوَّهاب - السميع – الوارث.

  1. تجليات الله باسمه السميع على زكرياu:

قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} [آل عمران:38].

(السميع) بمعنى السامع إلا أنه أبلغ في الصفة وبناؤه فعيل بناء المبالغة كقولهم: عليم من عالم، وقدير من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى سواء عند الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت.

وقد يكون السماع بمعنى: القبول والإجابة؛ كقول النبي: (اللَّهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع)([2])، أي: من دعاء لا يُسْتَجاب.

كَانَ زكريا u حِينَئِذٍ فِي مَكَانٍ شَهِدَ فِيهِ فيضا إلاهيًا.

وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْخَيْرِ يَتَوَخَّوْنَ الْأَمْكِنَةَ بِمَا حَدَثَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ، وَالْأَزْمِنَةَ الصَّالِحَةَ كَذَلِكَ، وَمَا هِيَ إِلَّا كَالذَّوَاتِ الصَّالِحَةِ فِي أَنَّهَا مَحَالُّ تَجَلِّيَاتِ رِضَا اللَّهِ.

وَسَأَلَ الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يُرْجَى مِنْهَا خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحُصُولِ الْآثَارِ الصَّالِحَةِ النَّافِعَةِ. وَمُشَاهَدَةُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ خَوَّلَتْ لِزَكَرِيَّاَ الدُّعَاءَ بِمَا هُوَ مِنَ الْخَوَارِقِ، أَوْ مِنَ الْمُسْتَبْعَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى نَفْسَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْفَيْضِ أَوْ مَكَانِهِ، فَلَا يُعَدُّ دُعَاؤُهُ بِذَلِكَ تَجَاوُزًا لِحُدُودِ الْأَدَبِ مَعَ الله([3]).

إنك سميع الدعاء ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء؛ فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه، وهو كقول المصلين: سمع الله لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين.

لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ويملك الإجابة حين يشاء.

  1. تجليات الله باسمه "الرب" على زكريا     عليه السلام:

قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:2- 15].

(الرب) هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم. وأَخَصُّ من هذا: تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم، وأخلاقهم. ولهذا أكثر دعائهم له بهذا الاسم الجليل؛ لأنهم يطلبون منه التربية الخاصة"([4]).

فالرب هو الخالق المدبر المصرف لشئون خلقه، وكما خلق عز وجل عبده زكريا عليه السلام من العدم؛ فهو سبحانه قادر على أن يرزقه الولد مع كبر السن وعقم الزوجة، والرب هو القدير الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء، وقدرة المولى عز وجل قدرة مطلقة لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود، وهذا الأمر يقع بتدبير الله تعالى لزكريا؛ فلا يحتاج لطبيب أو لدواء.

وقد ناجى زكريا u ربه بعيدًا عن عيون الناس، بعيدًا عن أسماعهم، في عزلة يخلص فيها لربه، ويكشف له عما يثقل كاهله، ويكرب صدره، ويناديه في قرب واتصال: «رب ..»، وربُه يسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء.

وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين} [الأنبياء:89- 90].

لقد أكرم المولى عز وجل زكريا عليه السلام بإكرامه لمريم تلك اليتيمة ذات المكانة العظيمة، وكانت تلك الكرامة التي حدثت لمريم سببًا مباشرًا في توجّه زكريا عليه السلام إلى الله ودعائه بأن يرزقه ذرية طيبة.

  1. تجليات الله باسمه الوَّهاب على زكرياu:

(الوهاب): هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استثابة؛ ولا يستحق أن يسمى وهّابًا إلا من تصرفت مواهبُهُ في أنواع العَطَايا؛ فكثرت نوائله ودامت، والمخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالاً أو نوالاً في حالٍ دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاءً لسقيمٍ، ولا ولدًا لعقيم، ولا هدى لضالٍ، ولا عافيةً لذي بلاء، والله الوهاب سبحانه يملك جميع ذلك، وسع الخلق جودُه، فدامت مواهبُه، واتصلت مننه وعوائده"([5]).

جاء الطلب من زكريا u بلفظ الهبة {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}، فجاءت الاستجابة بالهبة كما طلب {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:89- 90]؛ لأن الهبة إحسان محض، ليس في مقابلة شيء، وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد؛ لكبر سنه، ولا للوالدة؛ لكونها عاقرًا لا تلد.

وكأنه قال: أريد منك إلهي أن تعزلَ الأسبابَ في هذه الواقعة، وأن تُحْدِث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من الأسباب.

قال النبيُّ المستجاب دعاؤه              ما كنت ربّي بالدّعاء شقيّا

هب لي بفضلك وارثًا متعبّدًا             واجعله يا ربّ العباد رضيّا

فأجاب دعوته وأنجز وعده              بفتاه أعني عبده زكريّـــــــــــــــــــــــــــــــا 

  1. تجليات الله باسمه الوارث على زكريا عليه السلام:

(الوارث) هو: الباقي بعد فناء الخلق والمسترد أملاكهم وموارثهم بعد موتهم، ولم يزل الله باقيًا مالكًا لأصول الأشياء كلها يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من أحب"([6]).

تعَبُد زكريا u باسم الله الوارث:

قال تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}.

يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه.

قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين} [الأنبياء:89]

أَيْ أَنْتَ الْوَارِثُ الْحَقُّ؛ فَافضِ عَلَيَّ مِنْ صِفَتِكَ الْعَلِيَّةِ شَيْئًا، دعاء وثناء مناسب للمسألة؛ فالوارث الحقيقي هو الله سبحانه وهو الباقي بعد فناء خلقه، وفيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه عز وجل.

وتأمل ثناء الله I على زكريا u وأسرته: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين} [الأنبياء:90].

فقد استجاب المولى عز وجل لزكريا عليه السلام وأصلح زوجته للحمل والولادة، وأثنى سبحانه على زكريا، ويحيى، وامرأة زكريا بأنهم يسارعون في الخيرات، وَالْمُسَارَعَةُ: مُسْتَعَارَةٌ لِلْحِرْصِ وَصَرْفِ الْهِمَّةِ وَالْجِدِّ في فعل الْخَيْرَاتِ.

فكانت أسرة مباركة تستحق رحمةَ اللّهِ ورضاَه، وفيضه الإلهي.

وهكذا تكشف قصة زكريا عليه السلام أن أسماء الله الحسنى ليست معاني تُحفظ، بل مفاتيح حياة تُستحضَر عند الشدة، وأن الفيض الإلهي لا يُمنع عن قلب أخلص النداء، وصدق التوكل، وعلا في الطلب. فمن عرف ربَّه سميعًا ناجاه، وربًّا احتمى بتدبيره، ووهّابًا طمع في فضله، ووارثًا سلّم له الأمر كلّه. وتبقى أسرة زكريا نموذجًا خالدًا: إذا سُقيت البيوت بالإيمان، وسارعت إلى الخيرات، فُتحت لها خزائن رحمة الله عز وجل، وجاءها العطاء في وقته الذي يريده الله الرحيم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سنن ابن ماجه: بَابُ الصِّنَاعَاتِ،( 2150)، قال الألباني صحيح.

[2] أحمد 3/192، وصححه الألباني.

[3] التحرير والتنوير، لابن عاشور: 3/ 238.

[4] تفسير السعدي 5/486.

[5] شأن الدعاء، للخطابي: ص 53.

[6] المرجع السابق:  ص 96 - 97.