إيمان صبري
من ضرورات النجاح أن كل من يمضي باتجاه أمر ما لا بد من أن يؤهل نفسيا لما هو مقبل عليهً؛ فالجندي قبل أن نرسله إلى ساحة المعركة لا بد من أن نخضعه إلى تأهيل نفسي، وكذلك إذا أردت أن تذهب بأولادك إلى نزهة ينبغي أن تؤهلهم نفسياً، تقول لهم قبل أيام: "يا أولاد نحن بعد يومين سنذهب إلى نزهة جهزوا أنفسكم" فيستعدُ أبناؤك نفسيا للذهاب إلى النزهة، لا يحق ولا يجوز ولا يستكمل أمرٌ بدون تأهيلٍ نفسي، وهكذا الشاب الذي يمضي نحو الزواج، لا بد من أن يؤهل نفسياً، وكذلك الفتاة، وهناك مشكلة إذا لم نؤهل الإنسان للزواج، وهناك مشكلة أكبر إذا أهلناه تأهيلاً مضاداً.
فمثلا الجندي الذي سيذهب إلى المعركة لو أننا أهلناه قبل شهرٍ أو شهرين للذهاب إلى نزهة لا إلى معركة، ثم في اليوم المحدد ذهبتُ به ووضعته في ساحة المعركة، هذا الجندي سيخسر قبل أن تبدأ الحرب، لأننا أُهلناه للذهاب إلى نزهة وإذا بنفسه في ساحة المعركة.
وفي واقعنا اليوم نجد بعض الفتيات وبعضُ الشباب أو كثيراٌ منهم يؤهلون بطريقةٍ غير صحيحة، بسبب تأثير الفضائيات، والأغاني، والمسلسلات، والأفلام، وفي كثير من البرامج، وكأن الزواج مجرد حبٌ، أو حالة عشقٌ وغرامٌ فقط بعيدا عن واقع الحياة وما يتطلبه الزواج من استعداد نفسي .
والحق أن الحبَ جزءٌ من الزواج، لكن هناك أجزاءٌ أخري ترتبط به ارتباطا وثيقا، ولا بد أن تذكر معه.
فما معني أن أحب فتاة وأتزوجها، بيتما هي ليست جديرة بحمل المسئولية؟، وما معني أن تُحبَ فتاةٌ شاباً فتتزوجه ولكنه لم يتدرب على رعاية بيت، ولا حماية أسرة، ولا تنشئة أطفال، إن الحب جزءٌ، وليس كل شيء.
**ثلاث كلمات
في التأهيل النفسي هناك ثلاثُ كلمات مهمة جداً:
الكلمةُ الأولي: الزواجُ مسئولية:
لو أردنا أن نضغط الزواج كله بكلمةٍ واحدة لكانت هذه الكلمة "الزواجُ مسئولية " باختصار كل شابٍ يمضي نحو الزواج يكون ذاهباً نحو مسئوليةٍ جديدة.
أنت قبل الزواج كنت مسئولاً عن نفسك، ربما تكون مسئولاً عن أبيك وأمك بنفقة معينه إذا كانا كبيرين، وأنت الذي تنفق على البيت، لكنك بعد الزواج ستكون مسئولاً عن نفسك وعن أمك وأبيك وعن زوجتك، وبعد سنة من الزواج ستكون مسئولاً ـ بإذن الله ـ عن مولودٍ جديد، الزواج مسئولية، إذا كنت مستعداً أن تتحمل مسئولية جديدة اذهب نحو الزواج.
إذا كنت قبل الزواج تسهر إلى ساعات متأخرة خارج البيت فإن بعد الزواج لا يستقيم لك هذا الأمر، إن تلك المرأة العفيفة التي تنتظرك في البيت لها الحق في أن تعود إلى البيت باكراً، إن إحدى السيدات الفاضلات تشكو فتقول: إن زوجها اعتاد كل يومٍ أن يسهر مع أصدقائه إلى ساعة متأخرة من الليل، ولما تزوج بقي على تلك العادة، فمثل هذا الصنيع يكون من أكبر الأخطاء، وأكثرها خطرا على أسرتك الناشئة.
وأنت أيتها الفتاة قبل الزواج كنت تستيقظين إلى ساعة متأخرة من الليل؛ لان أمك كانت هي التي تعتني بالبيت، هي التي تعد لكم البيت والطعام وما شابه، وبعد الزواج لا يستقيم لك هذا الأمر أبداً؛ إن هذا الزوج الذاهب إلى العمل في كل صبيحه هو ينتظر زوجة تستيقظ قبله لتجهز له طعام الإفطار وتعد له الثياب، وتودعه إلى باب البيت، ثم تعود إلى متطلبات اليوم الجديد من نظافة البيت وترتيبه، والعناية به، وهكذا؟
نموذج خطير
تزوج أحد الإخوة الشباب، وبعد مضي ست سنوات، شكا لأحد العلماء من انه طوال سنين زواجه لم تستيقظ زوجته ولا ليوم واحد قبله، ولم يتناول طعام إفطار في بيته خلال ست سنوات، يقول له هذا الشيخ، وقد ظن أنه يبالغ: أيعقل هذا! أصحيح!! قال الشاب: والله إن زوجتي لم تستيقظ ولا ليوم من الأيام قبلي، وقبل ذهابي إلى العمل.. فيا لها من مأساة تضعف كيان الأسرة التي تقوم على الترابط والتكامل والعون والسكن والمودة والرحمة.
إن الزواج أيتها الفتيات مسئولية، الزواج حب، وهذا جزء ولكن مسئولية الأسرة بعد الزواج أكبر بكثير.
وقد حدد الله، عز وجل، في القرآن الكريم مسئوليات الرجل والمرأة في الزواج في آية في سورة النساء، أرجو أن تحفظوا هذه الآية أو تسجلوها على ورقة وتضعوها في بيوتكم،
**"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".**
إن هناك ثلاثُ مسئوليات للرجل في هذه الآية، وثلاثُ مسئوليات للمرأة، الآية تقول: الرجال قوامون، وقوامون هنا جمع قوَّام، وقوَّام صيغة مبالغة من قائم، إذا ذهبت إلى مطعمٍ عام أنت جالس وأعضاء فريق العمل في هذا المطعم قائمون على خدمتك، الموظفون في الدوائر العاملة قائمون على خدمة المراجعين، فالقائم هو الذي يعملُ أكثر، هو الذي يجتهد أكثر، هو الذي يخدم أكثر، الرجالُ قوامون يعني يقومون بكثرةٍ على رعايةِ زوجاتهم، أول مسئوليةٍ على الشاب الذي يريد الذهاب نحو الزواج هي القِوامة، أن يقوم على رعاية زوجته، فهل أنت مستعدٌ لرعاية هذه الزوجة؟
لا بد أيها الإخوة أن يؤهل الشاب لهذه المسئولية وهي القِوامة، ثم مسئوليةُ التربية، لأن التربية جزءٌ من القوامة، أنت مسئول أن تدعو بيت أهلك إلى الطاعة، وأن تدعو زوجتك إلى مرضاتِ الله تعالي.
ولقد شكى أحد الأزواج إلى عالمٍ جليلٍ أنه يعاني من مشقةٍ كبيرة في دعوة زوجته إلى طاعة الله، فقال له أنت لك أجر كبير فيما يتعلق برعايةِ هذه الزوجة ودعوتها إلى الصلاة، وكلما ازدت من دعوتها وترغيبها وتحبيبها ازدادت أجورك وازدت قرباً من الله تعالي.
إن مسئوليةُ القِوامة، والتربية، والنفقة، كلها على الرجل.
فالمرأةُ في الإسلامِ ملكة مُتَوَّجة، بكل ما تعني كلمة "ملكة" من معني وأبعاد، إذا كانت صغيرة فنفقتها على أبيها، وإذا تزوجت فنفقتها على زوجها، وإذا صارت أماً وتوفي زوجها فنفقتها على أولادها، وإذا لم يكن لها أولاد فالنفقة على إخوتها الرجال.
المرأة ملكة في الإسلام، لقد رفع الإسلام هذه المرأة وجعل لها قدراً عالياً، والرجلُ هو المسئول عن النفقة، ولو كانت الزوجة تعمل ولها راتبٌ يفوق راتب زوجها أضعافاً، لا يلزمها قانون أو شرع أن تنفق على البيت، فالزوج مسئولٌ عن هذه النفقة.
لذا قبل أن يخطو الشاب نحو الزواج، لا بد أن يسأل نفسه هل أستطيع أن أخدم هذه المرأة أو أن أنفق عليها وأقوم بمسئوليتي تجاهها؟